مقامات آخر الزمان - المقامة العراقية
مقامات آخر الزمان - المقامة العراقية
كاظم فنجان الحمامي
حدثنا صابر بن حيران. قال: طفت الثغور والآفاق. حتى أعياني الإرهاق. فدعاني نداء الاشتياق. إلى زيارة العراق. في يوم جلابيب غيومه صفاق. وأردية نسيمه رقاق. فوجدته وطناً بحجم الكون. وأرقّ من حدقات العيون. وأجمل من اللؤلؤ المكنون. فالعراق أرض الرافدين. وحوض الفراتين. وما بين النهرين. وأرض السواد والعباد. والبطولة والجهاد. ومهد الحضارات وأقدمها. وموطن السلالات وأعرقها. الأكدية والسومرية. والبابلية والآشورية. والكلدانية والآرامية. ومهبط آدم وحواء. والرجل الذي سار على الماء. وطوفان نوح نبي الله. ومولد إبراهيم خليل الله. ومثوى شيت هبة الله. والعزير ودانيال وأدريس. وذو الكفل ويونس وجرجيس. ومرقد أول القوم إسلاما. وأخلصهم إيمانا. وأشدهم يقينا. فارس المشارق والمغارب. والمهر الغالب. علي بن ابي طالب. .
والعراق قبة العروبة والإسلام. ودار الحكمة والسلام. ومركز الخلافة والخلفاء. وأضرحة الأئمة والأولياء. والصحابة والأتقياء. وأضرحة سادة السادات. وليوث الغابات. وكربلاء الحسين. وسبط سيد الثقلين. ومروءة قمر بني هاشم. والجواد والكاظم. ومقام الهادي والعسكري. وسلمان الطاهر. وحبيب بن مظاهر. وفارس السنة والشريعة. والمنزلة الرفيعة. وحافظ علوم القرآن. أبو حنيفة النعمان. والأمام المبجل. أحمد بن حنبل. وصومعة الأولياء. ومحراب الأصفياء. العبد الداعي. السيد أحمد الرفاعي. والأمام الخلاني. وعبد القادر الكيلاني. وفي العراق بغداد الزوراء. والموصل الحدباء. والبصرة الفيحاء. ولارسا البطحاء. وإيشان الوركاء. والحيرة وابن ماء السماء. وربوع الكحلاء. وملوية سامراء. ومربد الشعر والشعراء. وواقعة الطف. والنجف الأشرف. وكوفة الأصول والفقه. وقاعدة النحو والصرف. وأسطورة الفردوس المعلق. والسدير والخورنق. والكرخ المدورة. وواسط المسوّرة. ومملكة ميسان. والمناذرة والنعمان. والرميثة وثورة الشعلان. والبادية ومصرع لجمان. وأور وذي قار. والزقورة والأهوار. وشبعاد وعشتار. وراوة والأنبار. وخانقين وسنجار. واسرحدون وأنكيدو. وسنحاريب وأريدو. ونبوخذ نصر وشلمناصر وبختنصر. وسرجون والحضر. وآشور بانيبال. ورجال الجبال. وأم الربيعين. وذات الوشامين. والمسيب والشهيدين. وتكريت وصلاح الدين. والسيف الذي حرر فلسطين. والحلة وصولة صفي الدين. وملحمة جلجامش. وكوش وكيش ولكش. وبعقوبة الكرامة والرجولة. وفلوجة الفداء والبطولة. وأربيل والسماوة. وقلعة صالح وشقلاوة. والرطبة والمدائن. ونينوى والجنائن. وحمورابي وأوروك. ودهوك وكركوك. وملاذ القبائل القحطانية. ومستقر القبائل العدنانية. وموطن القوميات السامية. ومركز الديانات الصابئية المندائية. والكلدانية واليزيدية. فجمعهم العراق. في إلفة الوفاق. حتى لاحوا مثل كواكب الجوزاء. وبدوا كالجملة المتناسبة الأجزاء. وفي العراق فحول الأدب والشعر. وكل ما يدعو إلى الفخر. المتنبي والجواهري. ونازك والخزاعي. وأبو نؤاس والزهاوي. وعاتكة ولميعة. وقصائدهن البديعة. وابن الجهم والرصافي. والحبوبي وأحمد الصافي. ومالك بن الريب. وعندليب أبي الخصيب. بدر شاكر السياب. والبياتي عبد الوهاب. وأحمد مطر. والنواب المظفر. والمندائي عبد الرزاق. ووفاء عبد الرزاق. وهنا الحسن بن الهيثم ونظرياته. وواصل بن عطاء ومداخلاته. والخليل بن أحمد وايقاعاته. والجاحظ وكتاباته. ومحمد بن سيرين وتفسيراته. والأصمعي ومداعباته. والهمداني ومقاماته. والحريري وحكاياته. والكندي وفلسفاته. وجابر بن حيان واكتشافاته. وعبد الله بن المقفع ومساجلاته. ودمنة وكليلة. وشهريار والف ليلة وليلة. وهنا عتبة بن غزوان وانتصاراته. ومحمد القاسم وفتوحاته. وأبو محجن وغاراته. وسعد وتحدياته. والحر بن سعيد ووقفاته. والمختار وثوراته. وعلي بن يقطين ووزاراته. وهنا خُطَّت أول حروف الكتابة والتدوين. وسُنَّت أول الشرائع والقوانين. وكتب التاريخ على ألواح الطين. وصنعت أول وأكبر سفينة. وغرست أول وأطهر فسيلة. وأول من اكتشف الملاحة. واكتشف الزراعة والفلاحة. وهنا دارت أول عجلة في الفلوات. وأول من نظم الري في القنوات. وأول من وضع أسس الفلك والرياضيات. وأول من رفع الرايات. وجعل الخدمة العسكرية من الملزمات. وأول من كتب المسلات. وابتكر المقامات. في الغناء والكتابات. وصمم القيثارة والوتريات. وأسس أول جامعة عربية. في المدرسة المستنصرية. .
قال صاير بن حيران: فاستهواني السهر. على شاطئ النهر. فسمعت شاعراً يقرأ مقام المنصوري. بصوت جهوري. ويقف على أطلال آشور بانيبال. وينشد من غير انتحال:
هـذا العـراق الذي بالأمس نعرفـه
خلاصة الحسـْن تتلـى عنـه أوراد
هذا العراق الذي تأبـى كــرامتـه
أن يستحيــل ركـاماً بات يـزداد
وما العـراق سوى بيتي ومدرستـي
وملعبـي ولـه فـي القلـب أوتـاد
يا موطن الخيـر لا يحزنك غـائلها
كبـا بك الدهـر أم أعيـاك جـلاد
سيفتـح الله فتحـاً لا غــرار لـه
وربـك الأكـرم الرحمـن جــوّاد
وإنّ ربــك في عليــاء قدرتـه
له القضــاء وحكـم الله مرصـاد
قال صابر بن حيران: وبعد أن أكمل الرجل أبياته. وعقل مناغاته. تنفس تنفس الصعداء. وبكى حتى أبكى البعداء. فدنوت منه بكبد حرى. أقدم رجْلاً وأؤخر أخرى. فامتدحته على عذوبة صوته. واعتذرت من التطفّل عليه في غير وقته. وقلت: جئت لأزيح عنك همّك. فربّ أخ لك لم تلده امك. فقال: والذي فطر السماء. وعلّم آدم الأسماء. وأنزل المطر من الغمام. وأخرج التّمر من الأكمام. لقد فسد الزمان. وعمّ العدوان. وفُقد المعوان. والله المستعان. ها أنت تراني في شيب لائح. ووهن فادح. وداء واضح. والباطن فاضح. ولقد كنا والله ممّن ملك ومال. وولّى وآل. ورقد وأنال. ووصل وصال. حتى حوينا كنوز السّراة. ومعادن الخيرات. فأرضنا رحيبة الباع. خصيبة الرباع. ومشاهدنا مشهودة. ومساجدنا مقصودة. وحياضنا مورودة. وآثارنا محمودة. ومبانينا وثيقة. وحقولنا أنيقة. يُجتنى من رياضها أزاهير الكلام. ويُسمع في أرجائها صرير الأقلام. ومصاهرنا أطهر الأحرار مولدا. وأسرّهم سؤددا. وأحلاهم موردا. وأصحهّم موعدا. إنهم بدور المحافل. وبحور النوافل. والعراق بوابة البلد الحرام. وفيه بيت آرام. وشجرة آدم والمقام. وأقوَم البلدان قبلة. وأوسعها دجلة. وأقدمها تفصيلاً وجملة. وما منا إلا العلم المعروف. ومن له المعرفة والمعروف. حملنا تراث جدودنا. وسقينا بالماء الطاهر عودنا. فخصائصنا أثيرة. ومزايانا كثيرة. وكان فضل الله علينا عظيما. وإحسانه لدينا عميما. فلم تزل الجوائح تسحت. والنوائب تنحت. حتى تكالب علينا الأمريكان. والإنجليز والطليان. والنرويج والأسبان. واجتاحتنا أسراب الغربان. وجيوش الطغيان. وانتشرت الدبابات والسرايا. في كل الاتجاهات والزوايا. سرية اقتحمت المطار. وأخرى سرقت الآثار. وأخرى خربت معالم أور في ذي قار. وكتيبة من الجنود القرود. تبحث عن أقدم نسخة للتلمود. بناء على طلب اليهود. ودمّروا أقدم المكتبات والمتاحف. بأمر من شالوم موسايف. وتجاهلت اليونسكو. جرائم قوات التهريبكو. والتخريبكو. والتدميركو. هذا ومدننا يخصّبها السرطان. ويغتصبها الأمريكان. ثم دارت الأهلّة دورها. وتقلبت كورها وحورها. وما نجز من وعودهم وعد. ولا سحّ لها رعد. وأقسم بمرسل الرياح. وفالق الصباح. إنّ أمريكا أكذب من سجاح. وأكثر إجراماً من دراكولا السفّاح. فهي الداء العياء. والداهية الدهياء. ثم إنّ الدهر قلب لنا ظهر المجن. فتفجرت علينا براكين المحن. وسحقتنا عجلات المؤامرة. وكنا في أمس الحاجة إلى المؤازرة. فخذلتنا العرب العاربة. والعرب المستعربة. وكانوا إن أقدمنا أحجموا. وإذا أعربنا أعجموا. وإن أذكينا أخمدوا. ومتى شوينا رمّدوا. وتسابقت دول الجوار في إثارة الفتن. ما ظهر منها وما بطن. واغلقوا بوجوهنا أبواب الحدود. وسمحوا بتسلل الإرهاب الممدود. وتصاعدت قيمة التسعيرة. في بيع الفيزا والتأشيرة. بأسلوب يبعث على الدهشة والحيرة. ولم يحترموا قواعد الجوار والجيرة. ولا روابط العمومة والعشيرة. فلجأت في منافذها الحدودية إلى سوء المعاملة. والتنكيل والذلة. والإمعان في الإساءة والبهذلة. ونقف في المنافذ والمطارات ببالٍ كاسف. وقلبٍ راجف. فطال حصارنا. وغاب أنصارنا. وحالنا حال الأسير في كربته. والغريق في لجته. والمحترق في بحرته. وجار علينا الزمان. ففارقنا الولدان. وتناءينا في البلدان. وتخلَّقنا بخلق من ابتلى فصبر. وتجلّت له العبر فاعتبر.
ثم تأوّه الرجل تأوّه الأسيف. ولملم جسده الضعيف. ورفع عقيرته بصوت أسمع الصم. وكاد يزعزع الجبال الشمّ. وأنشد:
يا دجلة الخيــر: قد هـانت مطامحُنا
حتى لأَدنى طِمــاحٍ غيرُ مضمــونِ
يا دجْلَة الخير: أدري بالذي طَفـحـتْ
بـه مجاريــك من فـوقٍ إلـى دُونِ
أدري علـى أيّ قيثــارٍ قد انفجـرتْ
أنغــامُكِ السمّـرُ عن أنـّاتِ محزونِ
أدري بأنـّـك من ألفٍ مَضَـتْ هَـدراً
للآنَ تهزْيــنَ من حكمِ السـلاطيـن
تَهزيـن أنْ لم تَزَلْ في الشرق شـاردةً
مـن النواويـس أرواحُ الفـراعيـنِ
تهزيـن من خِصْب جنـّـاتٍ مُنثـّرةٍ
على الضفــافِ ومن بُؤسِ الملايينِ
تهزيْـنَ من عُتَقــاءٍ يـومَ ملحمـةٍ
أضفـوْا دروع مطاعيـمٍ مطاعيــنِ
يا دجلةَ الخيـر: والدنيـا مفـارقـةٌ
وأيّ شـرٍّ بخيـرٍ غيـرُ مقـــرونِ
وأيُّ خيـْـرٍ بلا شــرٍّ يُلـقّـحـهُ
طهْـرُ المـلائكِ من رجْسِ الشياطينِ
يا دجلةَ الخيــر: كم من كنْز موهبةٍ
لديْكِ في (القُمْقُمِ) المسحـور مخزونِ
يا دجلة الخيـر: لم نصحبْ لمسْكنـةٍ
لكـنْ لنلْمِسَ أوجــاعَ المساكيــنِ
يا دجلةَ الخيـر: منّيـني بعـاطفـةٍ
وألهميـنيَ سُلـوانـاً يُـسـلّيـنـي
يا دجلةَ الخيـر: من كلّ الأُلى خبروا
بلوايَ لم أُلْفِ حتّى مَنْ يُـواسيـنـي
يا دجلةَ الخيـر: خلِّي المـوج مُرتفعاً
طيـفـاً يمرُّ وإن بعْضَ الأحـاييــنِ
يا دجلةَ الخيـر: يا مَن ظلَّ طـائفُهـا
عن كلّ ما جلت الأحــلامُ يُلهيـنـي
يا دجلةَ الخيـر: خلّيني ومـا قَسمت
لي المقاديـر من لدْغِ الثـّعـابيــنِ.
قال صابر بن حيران: فتحرّقت حينئذ وحولقت. وأفقت ولكن حين فات الوقت. فقلت: أوصني أيها الرجل الناصح. فقال: إجعل العراق نصب عينك. وهذا فراق بيني وبينك. فودعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي. وزفراتي يتصعّدن من التراقي. وكانت هذه خاتمة التلاقي. .