"مأساة فنان مصري في بودابست"
مناشدة رجاء النقاش لوزير الثقافة آنذاك بشأن عودة نجيب سرور
لمصر من منفاه في بودابست عام 1964
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"مأساة فنان مصري في بودابست"
تعرفتُ عليه منذ أكثر من عشر سنوات، وكنت أتذكر كلما التقيت به، الشخصياتِ الروائية للأديب الروسي العالمي "دستويفسكي"، تلك الشخصيات المتوترة العنيفة التي تشكو من عذاب داخلي لا حد له، والتي لا تعرف الهدوء ولا الطمأنينة ولا تعرف طريقاً واضحاً للاستقرار الروحي.. إن كل شخصية من هذه الشخصيات هي ـ على حد تعبير تنسي وليامز ـ قط فوق سطح من الصفيح الساخن.. وهذا السطح الساخن ولا شك هو القلق الذي لا يرحم، ولا يتيح لأصحابه عمراً هادئاً، أو حياة بلا تقلبات عنيفة مرة.
ولم يكن هو وحده الذي يعاني من طبيعته النفسية المليئة بالعذاب، بل كان كل من حوله يعاني من هذه الطبيعة، فقد كان كثيراً ما يمزج عذابه النفسي بسوء ظن كبير بالناس والحياة. فكثيراً ما كان يتصور أن الناس غير مخلصين، وأنهم لا يحملون له الحب الكافي.. بل على العكس يضمرون له كراهية حادة.
ولكن الجميع مع ذلك كانوا يغفرون له، ولقد كنت واحداً من الذين ذاقوا عذاب "صداقته" بحلوها ومرّها، وكنت كلما ملأني الغضب من تصرفاته ومواقفه أحاول أن أهدئ نفسي بنفس الحجج التي كان يلجأ إليها أصدقاؤه وعارفوه. فهو فنان موهوب، وهو إنسان شديد الحساسية، وهو عندما يحمل العذاب إلى الآخرين يكون في نفس الوقت قد عذب نفسه أشد العذاب، وعرضها لآلام كبيرة عنيفة. لقد كان الجميع ينتظرون اليوم الذي يمكن أن يتحرر فيه من كل هذه الأمراض الروحية، وذلك عن طريق مزيد من تجارب الحياة ومزيد من النضج.. ثم عن طريق النجاح الذي سوف يحققه حتماً بما يملكه من إمكانيات فنية واسعة خصبة.. فهو شاعر وناقد وممثل، وهو يملك ثقافة تمكنه من أن يكون في طليعة الجيل الجديد من مخرجي المسرح المصري.
كل هذه المواهب كانت كفيلة بأن تصل به إلى برّ الطمأنينة والهدوء والسلام، وخاصة وأنه ليس سيء النية وليس شريراً بطبعه، ولكنه كان ـ على الأصح ـ يعاني أزمة روحية كبيرة ربما بسبب ظروف خاصة في حياته لا يعلمها أحد.
ولكن نجيب سرور، وهذا هو اسمه الذي يعرفه كثير من أدباء الجيل الجديد في مصر، فاجأ الجميع يوماً بخطأ من أخطائه الفادحة. لقد سافر على حساب الدولة في بعثة إلى موسكو ليدرس فن الإخراج. وبعد فترة قليلة غيرت إدارة البعثات مكان بعثته إلى فرنسا لأسباب عديدة مدروسة.
ولكنه رفض أن يستجيب لقرار إدارة البعثات وصمّم على الإقامة في موسكو حتى يتم تعليمه، وكانت النتيجة الطبيعية هي أن تسحبه إدارة البعثات نهائيا من بعثته.. ولكنه رفض مرة ثانية أن يعود.. وانتهى به الأمر إلى أن تم سحب الجنسية المصرية منه، فبقي هناك يتعلم ويعمل.
كان ذلك كله منذ خمس سنوات أو أكثر. ولا شك أن الدنيا قد تقلبت به كثيراً حتى استقر في آخر الأمر في بودابست بالمجر، وهناك بدأ يتعرض لمحنة غريبة أقنعته أنه لا مكان له إلا بلاده وإلا وطنه. ولست أعرف طبيعة هذه المحنة. ولكنني التقيت منذ أيام بأحد أقاربه فسلمني خطابا أرسله نجيب سرور إلى والده يقول فيه بالنص: "أبي العزيز..بدون خوض في التفاصيل التي لا يتسع لها وقتي أكتب إليك راجيا أن تتمالك أعصابك حتى تمر عاصفة أجتازها الآن.. وإذا حدث لي فجأة شيء ما.. أي شيء.. فاعلم أنني مقتول لا منتحر.. وأن وراء قتلي أصابع صهيونية بالمجر وأصابع من المعادين للاتحاد السوفيتي ـ بحكم أن زوجتي سوفيتية ـ ولذلك أرجو أن تصر على تشريح الجثة.. جثتي، فيما لو حدث ما أتوقع.. وأن يكون التشريح بإشراف أطباء مصريين.. مصريين فقط.. وأن أدفن بمصر.. مصر فقط.. أرض الوطن. أما إذا سلمت الجرة هذه المرة كما أرجو وترجو فسأستريح وتستريح من المتاعب إلى الأبد.. الأيام القادمة أيام حاسمة.. سأتصل بك بعدها تليفونيا فور مرور العاصفة بسلام.. أما إذا لم تمر.. فوداعاً يا أعزائي جميعاً.. وداعاً وإلى لقاء يا تراب مصر ـ ابنك نجيب".
معنى هذه الرسالة أن الفنان المصري الشاب يتعرض لأزمة قد تكلفه حياته كلها. ولا حلّ لهذه الأزمة إلا أن ينال نجيب سرور من جديد "جواز سفر" مصري حتى يعود إلى بلاده. فهذه هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذه من عذابه المجهول، ولإنقاذه من المصير الذي يتعرض له، والذي يقول في رسائل أخرى أنه شرحه بمنتهى الوضوح للسيد محمد إبراهيم سفيرنا في المجر.
إنني مرة أخرى أعلم أن نجيب سرور قد أخطأ خطأ كبيراً في حق بلاده عندما تخلى عن جنسيته وأهمل واجبه في هذا الميدان.. ولكنني أعلم تمام العلم أن ثورتنا لا تفسح قلبها فقط للذين لا يخطئون، فهي أيضاً تفسح صدرها للذين يخطئون.. وليس هناك من شك في حقيقة الوجه الإنساني الصادق لثورتنا، وليس هناك من شك في أن من واجبها أن تمد جناحها الدافئ لتحمي به أبناء الوطن.. مهما كانوا مخطئين، خاصة إذا كان هذا الخطأ نتيجة من نتائج الاندفاع العاطفي، ونتيجة من نتائج المثالية التي كان يعيش فيها هذا الفنان الشاب. فقد تصور أنه لا أمل له في إتمام تعليمه إذا ترك موسكو، وتصور أن مصيره الفني مظلم وتعيس لو ترك المعهد الذي يتعلم فيه هناك. ولذلك دفعته العاطفة المتهورة المعهودة منه دائماً إلى التمسك بالدراسة في معهد موسكو ولو على حساب تخليّه عن جنسيته، ولست أدري إذا كان قد ارتكب أخطاء أخرى من هذا النوع أم لا، ولكنني أعتقد صادقاً أنه كان حسن النية، وأنه كان مدفوعاً في كل تصرفاته برغبة طيبة في أن يتعلم.
إنني أرجو أن يجد هذا الفنان الشاب يدا رحيمة تنقذه، وإني لأعرض هذه القضية على الدكتور عبد القادر حاتم وزير الثقافة، وأنتظر منه، وينتظر منه الكثيرون من رجال القلم في بلادنا أن يقف إلى جانب هذا الفنان في محنته، ولا شك أننا بعد تصفية هذه القضية نهائياً سوف نكسب بعودة نجيب سرور فناناً موهوباً قادراً على المساهمة بإمكانياته الكبيرة في حياتنا الأدبية والفنية في وقت تتسع فيه إمكانياتنا ونحتاج فيه إلى كل العناصر القادرة على العمل، والقادرة على الإنتاج، والقادرة على إضافة شيء جديد إلى الفكر والثقافة في بلادنا.
إن حنين هذا الفنان إلى وطنه ليس جريمة، وتفكيره في بلاده عندما تأزمت به الأمور وانسدت في وجهه الطرق هو نوع من التوبة الصادقة ينبغي أن نقبله منه ونساعده عليه. بل إن محاولته أن يعود إلى وطنه تؤكد أنه رفض أن يبيع نفسه للشيطان فيعمل ضد بلاده، مع القوى الكثيرة التي تتآمر علينا وتريد أن تجد أي وسيلة أو منفذٍ للإساءة إلينا وتشويه سمعتنا الثورية.. إن هذا كله يجعل من قضية الفنان الشاب قضية عادلة. ومن الواجب بالتأكيد ألا ننظر إلى هذه القضية بمنطق الصواب والخطأ، بل يجب أن ننظر إليها بمنطق التوبة والغفران.. خاصة إذا كان التائب هو فنان موهوب واسع الإمكانيات حسن النية، وكان الذي يغفر هو ثورتنا التي سبقت كثيراً من ثورات العالم في حرصها على وجهها الأبيض النقي المليء بالحنان.
المصدر:
الملحق الوثائقى فى كتاب يصدر قريبا للدكتور حازم خيري بعنوان:
دون كيخوته المصري (دراسة علمية وثائقية لحياة وفكر نجيب سرور).