تسونامي الرواية السعودية
«تسونامي» الرواية السعودية
قراء ينتقدون بغضب ويلتهمون الإصدارات كما أرغفة الخبز الساخن
عن صحيفة "الشرق الأوسط"
تصاعد عدد الروايات السعودية في السنوات الأخيرة حتى بدا ان لا شيء غير الرواية في المشهد الثقافي السعودي. ودخل على خط الإصدارات الجديدة شباب وشابات لم يسمع بهم أحد من قبل، وأناس لم يكن الأدب غايتهم أو مهنتهم. ولعله يمكن ان يقال إن عدد الروايات السعودية التي صدرت منذ منتصف التسعينات إلى اليوم يكاد يوازي ما صدر خلال نصف قرن قبلها، من حيث الكمية ومستوى التأثير والتفاعل مع القارئ. فقد تهافت القراء على بعض هذه الروايات ليس في السعودية وحدها بل في العالم العربي أجمع. والمثير في كل هذا ان ثمة من يشتري ويقرأ وينتقد المستوى الضحل الذي لا يرقى إلى المستوى الفني المبتغى، ومع ذلك فالإصدارات مستمرة، والمطابع تعمل على قدم وساق، وثمة في بطونها، ويتهيأ للصدور ما هو أعجب وأغرب وأجرأ من كل ما صدر حتى اليوم. البعض يعيد الظاهرة إلى حرب الخليج الثانية التي زلزلت سكينة المواطنين، والبعض الآخر يعتقد ان صدمة 11 سبتمبر فجرت الكلام روايات وحكايات لها أول وليس لها آخر. في كل حال، وبصرف النظر عن المستوى الإبداعي لهذه الروايات، فهي تشكل حالة ثقافية واجتماعية ليست بمعزل عن التجاذبات السياسية التي تشهدها المنطقة، وفهم الظاهرة وخلفياتها وتردداتها قد يكون معينا لفهم ما هو أشمل وأعم.
* * ** ** ** * *
حرب الخليج الثانية فجرت تمرُّد الروائيين
حسن النعمي *
لعل واقع الرواية السعودية، يبرهن على ضرورة إعادة النظر في أسئلة النقد الروائي التي ظللنا نمارسها زمناً طويلاً. وما أعتقد بجدواه هو محاولة الإجابة عن هذا السيل الجارف من الروايات في الآونة الأخيرة، هل موضة كما يعتقد البعض؟ أم أنها استجابة للهامش الذي بدأ يتأسس منذ 11 سبتمبر؟ أم أنه نمو طبيعي في مسيرة الرواية؟
لا شك أن المشهد الروائي في السعودية، منذ التسعينات أخذ في تسارع غير مشهود، فمنذ صدور أول رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري عام 1930 حتى أوائل تسعينات القرن الماضي، كانت الحصيلة من حيث الكم قليلة، لكن الأكثر أهمية هو دلالة تأثيرها أو تجاذبها للقضايا الاجتماعية. لقد ظلت الرواية أقل الفنون الأدبية حضوراً وتأثيراً واستفادة من المتغيرات حتى منتصف التسعينات، وتعاظم شأنها بعد أحداث 11 سبتمبر. ويمكن أن نرجع ذلك إلى العديد من الأسباب، لكن أبلغها، هو صراع الرواية مع الثقافة الاجتماعية المحافظة في مجتمع، يتحسس من تعرية أدواته وأبنيته المحافظة سواء في شكلها الديني أو الاجتماعي. فالديني تأويل يلائم الاجتماعي، والاجتماعي بدوره يتغذى من جذور قبلية وجدت في الديني ملاذها في ضوء التحولات التي تهدد بقاءها نقية من غير تأثير يمس مسلكياتها وهيمنتها.
مرت المرحلة الأولى من الرواية السعودية منذ نشأتها عام 1930 وحتى أوائل التسعينات برحلة بطيئة من حيث عدد المنشور الذي ربما لا يزيد على 30 رواية، بالإضافة إلى، وهذا هو المهم، عدم قدرتها على تأسيس جدلية مباشرة مع الواقع، فظلت بعيدة عن التأثير، غير حاضرة في السياق الأدبي عموماً، وغير قادرة على كسر التابوهات التي رسختها الثقافة المحافظة.
غير أن التطور اللافت للانتباه، هو نزعة التمرد التي انتزعها الروائيون منذ منتصف التسعينات، مستعينين بكثير من العوامل، يأتي في مقدمتها حرب الخليج وما أحدثته من فوران في الوعي الاجتماعي، ومن تغير في بنية المجتمع نتيجة للطفرة الاقتصادية، وفقدان الثقافة المحافظة قدراً من قبضتها وهيمنتها بعد اكتساح غير مسبوق للانترنت والأقنية الفضائية لبكارة الوعي الاجتماعي. فأصبح الفرد، بحكم الواقع، متحرراً من هيمنة البعد الواحد، وقدرته على اكتشاف هشاشة الذات وما يعتقده الآخر في ثقافته، واتساع رقعة الهامش للتعبير عما يعتقده. كل هذه العوامل وغيرها كانت أرضية لظهور الرواية، بلون جديد، وإيقاع متسارع من حيث تزايد الكم، ومن حيث جرأة غير مألوفة في الحديث عن التابوهات التي كانت بعيدة عن التناول. فظهرت روايات تركي الحمد وعبده خال وغازي القصيبي وعلي الدميني لتنقض هذه التابوهات. ولعل إقدام القصيبي الدبلوماسي والشاعر، وتركي الحمد الأكاديمي، والدميني الشاعر، تكشف أن الرواية كتبت في هذه المرحلة، لأنها الأقدر على تحريك رواكد المجتمع. فهؤلاء الكتاب لم يكن شرطهم الفن الروائي أولاً، ولكن كان دافعهم استغلال الرواية بوصفها نصاً افتراضيا يجيب عن تساؤلات، ظلت بعيدة عن التناول أزمنة طويلة. لكن تركي الحمد كان أجرأ هؤلاء الكتاب، فقد سمى الأشياء بأسمائها، وفك محاذير التابوهات، ولقي بسبب ذلك من العنت ما لقيَّ.
إن اشتغال كتاب من خارج الوسط القصصي التقليدي بالرواية، في بداية الموجة الجديدة، وأعني القصيبي والحمد والدميني، باستثناء عبده خال، يكشف أن الرواية هي النص المطلوب لبث رسائل التنوير. وهو ذات الدور الذي لعبه كتاب من أمثال طه حسين والعقاد والحكيم وغيرهم ممن اشتغلوا بالرواية لضرورات معرفية أكثر منها فنية، وذلك لقناعتهم بأنها منبر ملائم للتنوير والإصلاح في حوارية افتراضية مع الثقافة السائدة.
وإذا كان الفضل في تدشين المرحلة الجدية في تاريخ الرواية السعودية يعود إلى هؤلاء الكتاب، فإن الجيل الذي قدم أعماله بعد أحداث 11 سبتمبر، هو الجيل الذي أكسب الرواية حضورها الأخاذ، وحقق بها ومعها كشفاً لحقائق مأزق الثقافة المحافظة مع الرواية. ولعل رواية «بنات الرياض» خير دليل على عظم المواجهة التي بلغت ذروتها بطلب إلغاء فسحها قضائياً، وقبلها رواية «الفردوس اليباب» التي لم تستطع جريدة «الرياض» الوفاء بالتزامها في تقديمها للقارئ في السعودية عبر «كتاب في جريدة»، فتم تغييب العدد عن القراء في الداخل، لأسباب لها علاقة بالصراع حول حضور الرواية في سياق ثقافة محافظة.
إلى أين يمكن أن تصل الرواية السعودية؟ سؤال يبدو ملحاً الآن أكثر من أي مرحلة سابقة، وخاصة أن حجم المنشور غزير جداً مقارنة بما كان ينتج لسنوات طويلة. فهل هذه ظاهرة صحية، أم أنه طفرة نتجت عن هوس الإعلام وردات الفعل ضد هذا النوع؟ تحتاج الرواية إلى أمرين أساسيين، أولاً تحتاج إلى تقييم شامل من قبل النقاد. ثانياً، تحتاج إلى وعي وتريث من قبل الكتاب والكاتبات حتى تنضج التجارب بشكل أكبر. إن تزايد مقروئية الرواية ومغريات الإعلام بدت خارقة للعادة، وخاصة بعد نجاح رواية «بنات الرياض» في تحقيق مقروئية فائقة هي الأبرز في تاريخ الرواية السعودية. غير أنه ليس بالضرورة أن هذه المقروئية إيجابية دائماً، ذلك أن «بنات الرياض» اكتسبت قراءتها على خلفية ما راج عنها أنها فاضحة. كما أن معظم الروايات التي تصدر تباعاً تعالج موضوعات لم تطرق من قبل، مثل قضايا المرأة وعلاقتها المستبد، وموضوع مشكلات كفاءة النسب في الزواج كما في روايات يوسف المحيميد، أو الخلفيات العنصرية كما في ميمونة لمحمود تراوري، وغيرها من الموضوعات ذات الحساسية الاستثنائية في السياق الثقافي والاجتماعي.
* باحث وناقد سعودي
* * ** ** ** * *
* المرأة المضطهدة تستهوي الناشرين
عبد الله التعزي*
لدى الإنسان، أي إنسان في الحياة رواية خاصة به ومبنية على حياته التي عاشها والأحداث التي مرت به خلال مراحل حياته. ولدى الإنسان أيضا الحق في أن يكتب ما يريد وان يكتبه بالطريقة التي يراها مناسبة. وهذه الرواية عادة ما تكون سيرة ذاتية أو متقاطعة كثيرا معها وقد كانت معظم الروايات السعودية في بداية التسعينات تقريبا، مثل «شقة الحرية» لغازي القصيبي و«ثلاثية» تركي الحمد، تمثل جزءاً كبير من حياة الكاتب والتي تصل في بعض أجزاء الروايات إلى تطابق شبه تام.
ودور النشر لها أيضا الحق في البحث عن الربحية. وكون بعض الدور تستغل ظاهرة الروايات السعودية الفضائحية والتي تكثف إصدارها في الآونة الأخيرة مثل «بنات الرياض» لرجاء الصانع و«الآخرون» لصبا الحرز، الخ من إصدارات حيث تستفيد الدور من سطحية الثقافة الأدبية المنتشرة في المجتمع الخليجي عموما، والسعودي خصوصا وبشكل غير مسبوق (بصورة عامة قد تصل إلى 85% من المجتمع). وتستفيد الدور من المردود المادي من نشر مثل هذه الأعمال. وربما استطيع أن استشهد بما كتبه الروائي الأستاذ عواض شاهر العصيمي في منتدى جسد الثقافة في هذا الموضوع حيث قال: «مع بالغ الأسف، هناك دور نشر عربية تحولت إلى دور رخيصة التطلعات في عالم الأدب، حيث صارت تركز على الكتاب الخليجي، والسعودي تحديداً، والنسوي على الأخص، بل على الكتاب الذي تكتبه امرأة سعودية، وتكثر فيه البكائيات ولطم الخدود والتهتك، ويقل فيه الأدب والتميز. هذه الدور تقوم بدور خطير في تهديد الإبداع الخليجي، إذ أنها تكرس منذ فترة مواصفات الكتاب الذي حسب رؤيتها التسويقية فيه الكثير من الجنس، والشذوذ، والسب والتحقير المتعمد والمتعسف لمعتقدات أهل المنطقة، ولابد أن يرافق كل هذا تصوير المرأة كشاهد رئيس على معاناتها وتحويلها إلى نعجة منتهكة ومداسة بالنعال على يد زوجها السعودي، أو أخيها السعودي، أو أي من أقربائها الذكور، بشرط أن يكون سعودياً نجدياً، لكن إذا كان من منطقة أخرى فلا مشكلة، المهم أن يكون رجلاً، ويكون سعوديا. هذا هو الــ ( standard ) العام عند دور النشر تلك في ما يخص الكتاب السعودي. وكلما كانت كمية الفضائحية والتهتك كبيرة كان الرهان على استغلاله في رفع نسبة نجاح الرؤية التسويقية أكبر». وهنا لن يقف الهجوم على دور النشر عن الاستمرار في الطباعة والنشر، بل قد تدفع إلى التطرف، في ردة فعل الدور وربما تندفع إلى استكتاب بعض الكتاب من المنطقة (والسعودية تحديدا) ودفع الأعمال الروائية إلى الواجهة في محاولة لكسب السبق، والفوز بأكبر قدر من المال.
وغياب النقاد الممل هذا، يزيد الأمر تدهورا بحيث تتسيد الانطباعات المنطلقة من الوضع السياسي والديني الحالي ومن مشكلات المجتمع الذي لا يقبل بأقل من الطهر الدائم صفة له، لتتفشى ظاهرة الرأي السماعي ورأي كتاب الأعمدة الذين لا يقرأون الإبداع، والمنطلقون من بريق ومطحنة الصحافة بحيث يتكون لدى قراء الجرائد رأي مسبق وسري، يتم تداوله عن عمل معين نتيجة لمنعة أو لصدوره خارج المملكة، ومن ثم ينسحب على عامة الناس المتعلمة والمتعطشة لمشاهدة صورة أخرى عن الطهر!
لذلك الظهور الأخير، لهذا العدد الكبير من الروايات السعودية والتي إجمالا، تهتم بعرض السلوكات الشاذة في المجتمع وتناقش الجنس والشذوذ.. الخ من السلوكات الإنسانية والتي تفرضها في بعض الأوقات ظروف خارجة عن إرادة الأشخاص، هو مؤشر إلى حراك متنام، ومؤشر يبدو جيدا لتفاعل الكتاب مع الظواهر السلبية في المجتمع، مهما كانت مستوياتهم الفنية والظروف التي دفعتهم إلى الكتابة. وإن كانت هذه الأعمال تهمِل إلى حد كبير الفن عند كتابة الرواية، وأحيانا تعمد إلى التسطيح من باب أن المجتمع بهذا الصورة وهذه هي اللغة التي يجب أن يخاطب بها لكي يفهم الجميع!
في الحراك الكبير لابد ان يكون هناك غبار مثار، يصل في أحيان كثيرة إلى أن تنعدم الرؤية الواضحة لمجريات الحراك وكيفية اتجاهه، وهذا يحتاج إلى بعض الوقت لينجلي الغبار، وترتسم الملامح، ويتضح الوضع، ومن ثم يتم تأمل الوضع، ويصبح من الممكن الإمساك بأطرافه ومناقشتها بهدوء ومحاولة التعرف عن الايجابيات والسلبيات. إذا عرفنا انه قد دخل النشر الالكتروني وبقوة في الساحة ولم تعد القيود الرقابية المعروفة سابقا موجودة، مما يدفع نحو اتجاه أكثر انطلاقا في الكتابة وبأي أسلوب كان. لابد من وجود أعمال سيئة وأعمال جيدة وأعمال أخرى تتفاوت بينهما. وفي نهاية الأمر فالزمن كفيل بالفرز والبقاء للأفضل مهما كانت العجلة الإعلامية الحالية كبيرة ومتسيدة، فطبيعة الإنسان تدفعه دائما للأمام وهذا لا يتم إلا عن إدراك حقيقي للقيمة الحقيقية للجيد والمهم من الأعمال.
* قاص سعودي
* * ** ** ** * *
الطيب صالح تنبأ قبل 30 عاماً بمستقبل الرواية النسوية في الخليج
سماهر الضامن*
منذ بدايتها، قبل حوالي نصف قرن، لم تشغل الرواية النسائية السعودية مثل هذا الاهتمام النقدي، والمتابعة الإعلامية، والتفاعل الجماهيري، الذي عرفته في السنوات القليلة الماضية. وبصرف النظر عما يجده نقاد الأدب في تلك الأعمال من شحّ ظاهر على مستوى التقنيات السردية، وخفة كثير منها، إلا أن أهميتها تكمن باعتبارها خطابا جديدا مختلفا لا يتورع عن محاولاته زعزعة الخطاب السائد الذي طالما كان الرجل منتجه ومحوره الأول، إن لم يكن الأوحد.
قبل سنوات، نقل أحد الكتاب عن الطيب الصالح قوله: «إذا كان الخليج عنده أدب حديث وأصيل وليس إزدهارا مجبرا فسيكون مكتوبا على يد امرأة لأن النساء هنّ اللواتي يعشن تحت ظروف اجتماعية صعبة تجعلهن مؤهلات للكتابة في الرواية والشعر .. وأنه إذا كان هناك رواية خليجية خلال العشر سنوات المقبلة فإنها سوف تكون رواية امرأة. كتبت بالقهر والغضب».
مرّ على هذه المقولة أكثر من ثلاثين عاما، والغرض من إدراجها هنا هو الالتفات إلى المرجع الاجتماعي الذي نبهّت اليه.
في الفترة التي كان فيها الصدام على أشده بين قطبي الثقافة في البلاد حول قضية تعليم المرأة السعودية واشراكها في مشروع النهضة، اطلت أسماء عديدة لكاتبات سعوديات في الصحافة، والشعر، والسرد. وكانت أغلبية الكاتبات حينئذ، ممن أتيح لهنّ التعليم في المدارس الأهلية أو خارج البلاد. أما التعليم النظامي فلم يبدأ فعليا بالنسبة للمرأة إلا عام 1960، وبالتالي لم يكن متوقعا أن يؤتي ثماره إلا بعد عقد ونصف أو يزيد.
ولذا فإن الرواية النسائية الأولى التي صدرت بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي على يد «سميرة بنت الجزيرة العربية» ومجايلاتها، ظلت تدور في أفق الصورة المقولبة التي وضع الرجل ملامحها في خطابه وأدبه. وعموما فإن السياق العام للرواية المحلية كان في مرحلته التأسيسية التي تتشابه فيها السمات البنيوية للاعمال الروائية سواء من حيث التقنيات، او من جهة طبيعة الوظيفة للجنس الروائي الذي يتخذ غالبا وسيلة للإصلاح وبثّ الأفكار التنويرية.
أما في الثمانينيات، فقد بدأت الرواية المحلية تتجاوز هشاشة التجربة، وتتدرج في الحضور على مستويات عدة، في الوقت الذي كان فيه المجتمع السعودي يعيش مرحلة (الطفرة)، ويحاول التعايش مع التطورات السريعة التي افرزها الانتعاش الاقتصادي بعد ارتفاع اسعار البترول في اعقاب حرب أكتوبر 1973، كما كان يواكب الانفتاح على مؤثرات العولمة والتحديث، فتتابعت المتغيرات التي بدت بادئ الأمر ظاهرية ومادية لكنها ما لبثت أن تجذرت في الصيغ المجتمعية، والعادات والأنساق الثقافية. في ظل تلك الظروف، ظهر جيل جديد من الكتاب الذين وجدوا في الجنس الروائي خير معبر عن واقعهم. كما ظهر جيل من الكاتبات بعد أن بدأت سيرورة العملية التعليمية تؤدي ثمارها بالنسبة للمرأة فضلا عن عوامل التغيير السابقة.
كانت أبرز الأسماء الروائية النسائية في تلك المرحلة هدى الرشيد، وامل شطا، وبهية بوسبيت، وصفية عنبر، وغيرهن. على أن الاستثناء حينئذ هو العمل السردي الأول لرجاء عالم «ثقوب في الظهر» (1987) الذي كان نصا صادما بكل المقاييس، حتى عدّه الدكتور عبد الله الغذامي ثورة نسوية على تقاليد الكتابة الروائية الفحولية، مثلما كانت قصيدة النثر ثورة نسوية على عمود الشعر الفحولي على يد نازك الملائكة. (أنظر كتاب الغذامي: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف). وبذا نعتبر هذه الرواية فاتحة عهد جديد في الرواية النسوية التي اعلنت قطيعتها مع التقاليد الكتابية السائدة، وأكدت رفضها لثقافة الفحول، ورغبتها في الإختلاف والتميز الذي ستظهر آثاره في كثير من نصوص المرحلة اللاحقة. في التسعينات، أخذت الرواية تكرس نفسها في مقابل تراجع النموذج الشعري الذي ظلّ مهيمنا على الأدب والثقافة منذ ما قبل الاسلام وإلى عهد قريب.
كانت تجارب الروائيين قد اختمرت، وطالت معايشتهم لقضايا لم يعد الشعر ولا القصة القصيرة قادرين على احتوائها. فتشكلت بذلك بيئة ملائمة للجنس الروائي الذي هو قرين الوعي. بدأ المجتمع يعي انه يتغير، ويتحدث، وبدأت الرواية تجتذب أسماء عديدة، بعضها من خارج الوسط الروائي، كغازي القصيبي وعلي الدميني وتركي الحمد، وبعضها كرس حضوره السردي كعبده خال ويوسف المحيميد ومحمد حسن علوان. كما بدأت المرأة تحضر حضورا لافتا، وبرزت أسماء عديدة بتوجهات وقدرات متفاوتة، لعل أبرزها وأهمها رجاء عالم بخطها السريالي الذي جعلها كاتبة نخبوية بلغتها الممتنعة، ونصوصها المستغلقة، والمفتوحة على كل تأويل. ونذكر مها الفيصل التي أعادت في «توبة وسُليَّى» و«سفينة وأميرة الظلال» سيرة شهرزاد ولياليها، وحكاياتها المتناسلة من بعضها، وسلكت في سردها عالم الأسطورة، والغريب العجيب. وهناك ليلى الجهني في فردوسها اليباب، شكلت نقلة نوعية بلغتها الشعرية الحميمة وتقنياتها، واختراقها الجريء على المستوى التيماتي. ومازالت هذه الرواية لتميزها تحظى باهتمام نقدي كبير، تشاركها فيه «وجهة البوصلة» لنورة الغامدي، رواية الذاكرة النسوية بامتياز، والتي يميزها حضور المكان بخصوصيته، وتداخل الرؤى والأصوات. ولا ننسى زينب حفني بخطابها النسوي الصارخ، ومشاكستها الدائمة للخطاب الذكوري، وكذلك قماشة العليان، فاطمة عبد الخالق، نجيبة السيد علي، وأسماء كثيرة لا يفيد تعدادها بقدر ما يهم استشفاف دلالات حضورها الذي يعبر عن التحولات التي طالت مجمل الانساق الثقافية.
لقد أثرت الثورة الرقمية من فضائيات وإنترنت وهواتف في العمق الاجتماعي، واستفادت المرأة الكاتبة الى حد بعيد من ذلك الوضع، إذ منحتها تلك التقنيات هامشا كبيرا من الحرية، وفتحت عالمها المحدود الذي كانت عاجزة فيه عن التزود بالخبرة والتجربة، وأتاحت لها الاختلاط بعوالم وثقافات مختلفة عن عالمها في البيت أو العمل.
وشاعت مؤخرا تيارات فكرية عديدة، وبرز من بينها الخطاب النسوي ومقولاته بفعل تلك الثورة المعلوماتية، وازدياد الطبقة القارئة والمثقفة، وأيضا بجهود بعض الأكاديميين الذين كرسوا دراساتهم في هذا المجال، وعلى رأسهم عبد الله الغذامي، عالي القرشي، سعاد المانع، فاطمة الوهيبي، مهجب الزهراني، حسن النعمي، وغيرهم.
كان المجتمع المحلي يعيش حراكا بينا، والأرضية مهيأة لجدل كبير، تصاعد مع صدور رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع، التي أحدثت من الضجيج والفوضى النقدية والإعلامية والثقافية ما تجاوز رصيدها الفني بمراحل. حتى غدت من أبرز الأحداث المحلية لعام 2005.
تزامن صدور هذه الرواية مع عدد كبير من الروايات النسائية التي مرّ بعضها بهدوء بينما أثار بعضها الآخر زوابع أخرى، كرواية «طيف الحلاج»، «القرآن المقدس»، ببيانها الآيديولوجي وجرأتها الواضحة. اما «الآخرون» الصادرة مؤخرا لصبا الحرز، فلعلها تكون ذات شأن ومكانة على خارطة الأدب نظرا لحمولتها الفنية والفكرية.
ثمة تغير ملحوظ طال بنية هذه الأعمال الأخيرة، ووظيفة السرد فيها. فقد بدأت رؤية المرأة تتبلور، وتجربتها تنضج، وأخذت تعيد من جديد ترتيب العلاقات الاجتماعية، وصياغة ذاتها، وغدا المتلقي يدخل إلى تلك العوالم بفضول المتلصص على عالم المرأة ووجودها الملئ بالأسرار، والغموض، والإثارة. ولعل هنا حجر الزاوية.
بعد كل هذا نسأل من جديد: هل المستقبل للرواية النسوية كما تنبأ الطيب الصالح؟، أم هل نحن مقبلون على تسونامي روايات نسوية سعودية كما تنبأت مؤخرا أحلام مستغانمي..؟ الأيام كفيلة بالجواب.
* أكاديمية سعودية