الضجيج

عطية مسوح قرأها 7
 

الضجيج

عطية مسُّوح

كثيراً ما يردد أحدنا بيتاً من الشعر، حفظه في زمن قريب أو بعيد. يقفز هذا البيت إلى لسانه في اللحظة المناسبة، أي أنه يأتي مطابقاً لحادثة أو قول أو مشهد.

ولا أدري ما الذي دفع إلى سطح ذاكرتي مطلع قصيدة ليوسف الخطيب ملأت أسماعنا في الستينيات:

أللهُ أكبـرُ من شكٍّ ومن عجـبِ                هذي الملايين  ليستْ أمةَ العربِ

أقول، لا أدري كيف درج هذا البيت على لساني وأنا جالس إلى جانب الصديق الدكتور رضوان القضماني.

لقد تذكرت هذا البيت دون مناسبة أو دافع واضح، وقلت بعد أن تلوته: هذا شعر الضجيج ـ ضحك الصديق رضوان وقال: هذا هو الإبداع البارد. وذكر لي أنه استخدم مصطلحَيْ (الإبداع البارد والإبداع الحار) في بحث ألقاه أمام أحد المؤتمرات الأدبية، منذ نحو عشر سنوات.

شِعْر الضجيج يملأ الأذن، وقد يؤثر في الشعور تأثيراً مؤقتاً سطحياً لايلبث أن يزول، تاركاً القارئ أو المستمع حيادياً، لم يتأثر بشيء، بل إن الإحساس الوحيد الذي قد يبقى إلى أمد، هو أن هذا الشعر لا يقوم على الصدق ولا يمتلك عمق الرؤية، ولا ينفذ إلى (داخل الأشياء) كما قال ميخائيل نعيمة، ويظل على سطح الموضوع، فيذهب دون أثر يذكر.

إنه الإبداع البارد إذاً والبرودة قائمة في عمقه وتفاصيله، وربما في أحاسيس الشاعر ذاته، تنتج منها برودة الأثر الذي يبقيه الشعر في نفس قارئه أو سامعه. هنا يبرز التناقض بين ظاهر البيت وإيحاءاته، بين ضجيج اللفظ والصوغ، وبرودة المعنى والإحساس. الظاهر قد يبدو حاراً، لكن الباطن بارد، وقد يبدو على درجة عالية من حسن الصوغ، لكن الباطن لا شيء، فكأنك تتفحص بيديك حلية حبكتها يد ماهرة، لكنها مصنوعة من حصى لا قيمة له.

وقد تحتفظ بها أياماً، تقديراً لجهد من حبكها، ثم ترميها غير آسف.

كم قرأنا من شعر الضجيج، الذي ذهب دون أثر لأنه يفتقر أصلاً إلى الشعرية، وإلى الإحساس الجمالي العميق! ومن منا يتذكر اليوم، قصائد الضجيج أو يتفاعل معها كما يتفاعل مع شعر حقيقي يكتب اليوم، أو كتب منذ عشرات السنين أو مئات السنين؟

ولكن الشعر، ليس هو المجال الوحيد للضجيج، وليس هو ميدان الإبداع البارد، على حد تعبير الصديق رضوان. فأنت تجد الضجيج الذي يخفي برودة قاتلة في كل مجالات الإبداع، وفي كل ما يتطلب إنتاجه تفاعلاً بين العقل والشعور، وتتطلب فاعليته اجتماع الخصائص النفعية والخصائص الجمالية.

كما تجده في معظم الخطاب السياسي العربي منذ عشرات السنين إلى أيامنا هذه.

تجلَّى الضجيج في هذا الخطاب، في وجهين:

الأول: هو استخدام العبارات الصاخبة، وطرح الشعارات الكبيرة الضخمة، والسعي إلى إثارة العواطف الآنية، وتجييش النفوس، دون إيلاء ما يكفي من الانتباه إلى بناء العقل والدفع إلى التفكير المتأني المثمر، الذي يصل بالمخاطب إلى مستوى أرقى في الوعي والمعرفة والقدرة على اتخاذ المواقف المناسبة الفعالة.

والثاني: هو الانشداد الدائم إلى الأهداف البعيدة، والشعارات الكبرى، دون النظر إلى الإمكانات الواقعية، ودون الاهتمام بالفعل الصغير، التراكمي، الذي يغير الواقع على التدريج.

كانت الشعارات الكبرى، وخاصة حين أحيطت بضجيج الخطب والقصائد والأغاني، تشد الناس وتشحن النفوس، فيتطلع المتحمسون إلى الأعلى، إلى تلك الأهداف المنشودة، وكان الواقع منسياً أو شبه منسي.

كنا نريد الاشتراكية بأقصى درجاتها، والوحدة العربية من المحيط إلى الخليج بعلم واحد ورئيس واحد وأغفلنا كلياً أو جزئياً، العمل اليومي الدؤوب من أجل رفع مستوى المجتمع في مجال الإنتاج المادي والديمقراطية السياسية، كما أغفلنا السير في طريق التقارب العربي وتحقيق حلقات تقوّي التقارب والتشابك والتفاعل في مستويات الاقتصاد والثقافة والتعليم والسياسة والإعلام.

وكانت نتيجة خطاب الضجيج هذا، الذي يبدو حاراً في الظاهر، وهو بارد في حقيقته وأثره، أن ازددنا بعداً عن الأهداف والشعارات الكبرى.

وإذا عدنا إلى الشعر، فكم من العرب يردّد اليوم تلك الأبيات الحافلة بالضجيج؟ وما الذي تحركه في الناس؟ وإذا ملنا إلى غير الشعر، فمن من الناس لا يزال يردد الشعارات الكبرى؟ وما نسبة المتأثرين بها من شبابنا؟

لا أعني التخلّي عن الحلم بتحقيق أهدافنا البعيدة، ولا أعني إضاعة تلك الأهداف في خضم الحياة اليومية. ما أعنيه، هو الالتفات إلى الواقع، والفعل فيه، باتجاه يضمن رفع مستوى مجتمعنا شيئاً فشيئاً في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي مجال الديمقراطية السياسية وفي مجال بناء العقل الفعال.

الضجيج يذهب جفاء، أما الفعل العقلاني الهادئ فهو ما يمكث في الأرض.