ثنائيات مغفلة ووطن آخر

فكتور سحاب قرأها 155
 

كَتَب كُثُر في عاصي الرحباني. وشاع كثيرا على الأخص أمران في هذه الكتابة: الثنائية التي لا تفصل بين عاصي ومنصور، وفكرة الوطن الرحباني، أي الوطن مثلما نشده الرحبانيان وتمنياه في قريتهما النموذجية، التي احتلت المكان في جل "اسكتشاتهما" الإذاعية ومسرحياتهما الغنائية.

لكن معظم ما كُتب في عاصي ومنصور ابتعد عن حديث الموسيقى، وسلك درب الحديث في العلاقة بين الأخوين الفنانين، أو الحديث في شعرهما والمعاني الوطنية فيه.

والحقيقة أن للثنائية والوطن مكانا رحبا في الحديث عن عاصي الرحباني، لكنهما في هذا المقال ثنائية موسيقية ووطن موسيقي.

ففي شخصية عاصي الرحباني الموسيقية ثنائيتان موسيقيتان في حقيقة الأمر، لا واحدة: ثنائية الريف والمدينة، وثنائية الشرق والغرب.

الريف والمدينة

لقد نشأ عاصي الرحباني في بيت أبيه حنا، الذي كان في الأصل من أبناء عين السنديانة، القرية المتنية. وفي مرحلة من مراحل حياته، عاش حنا الرحباني سنوات لا نعرف عددها في بيروت، فتعرف إلى <قباضاياتها>، أي فتوّات الأحياء الشعبية، كما يسميهم المصريون. وكان من أهم من تعرف إليهم أحمد الجاك، هاوي الموسيقى العربية ومنظم حفلات أم كلثوم في بيروت في ما بعد، ومحيي الدين بعيون، عازف البزق والموسيقي والمغني البيروتي الشهير الذي كان مدنيا في فنه، يعرف موسيقى المدن العربية، من عبده الحمولي وسلامة حجازي وغيرهما، أكثر مما يعرف فنون أرياف بلاد الشام من ميجانا وعتابا وأبو الزلف ورقص الدبكة. فلما هرب حنا الرحباني من السلطة العثمانية كما قيل، استقر في أنطلياس، حيث أنشأ مقهى، يتناهى ممن وصفوا سلوك حنا الرحباني فيه، أن الطابع المدني كان غالبا فيه، لا الطابع الريفي. وكان حنا الرحباني يعزف على البزق مثل صديقه بعيون. وكان الفونوغراف الذي اقتناه فرصة ليسمع أولاده أغنيات الشيخ أبي العلا محمد والشيخ أمين حسنين والسيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم. لكن أنطلياس نفسها كانت في مرتبة بين المدينة والريف. ولذا لم يكن هذا الجو المدني الذي نشأ فيه الأخوان عاصي ومنصور، خالصا تماما. إذ يروي منصور في كتاب <الأخوان رحباني> لنبيل أبو مراد (دار أمجاد للنشر والتوزيع، 1990)، أن جدتهما لوالدتهما كانت تقول الزجل وتتغنى لهما وهما طفلان بالقرّادي. وكانت من بلدة عينطورة المتنية.

واستمد الأخَوان بعضا من التراث الريفي أيضا من قرية المنيبيع، التي سكنت فيها العائلة بضع سنوات. لكن هذه المعرفة بالتراث الريفي، لم تكن مما روى غليل عاصي على ما يبدو.

فقد روى لي الفنان المطرب الصديق مروان محفوظ، أنه سافر مرة مع فرقة فيروز والرحابنة في رحلة فنية إلى المغرب. وجلس في الطائرة بجوار مطربنا الكبير وديع الصافي. وفي أثناء الرحلة، وقف عاصي خلفهما مستندا بالكوعين إلى كرسييهما، وأخذ يحادثهما في شؤون فنية. قال لوديع إنه يريد استعادة <موسم العز> المغناة التي شهدتها قلعة بعلبك في سنة .1960 وكان في هذا الطلب ما فيه من حنين إلى أجواء الغناء الريفي الذي زخرت به مغناة <موسم العز> أكثر من غيرها. كذلك طلب عاصي من مروان، وهو من بلدة المريجات في البقاع، وقد نشأ مثل وديع الصافي على الغناء الريفي، أن ينزل في الفندق في المغرب، في غرفة واحدة مع ابنه زياد، الذي كان آنذاك لا يزال فتى يافعا. ولما سأله مروان عن السبب قال عاصي: أريده أن يدخل في جو الميجانا والعتابا والغناء الريفي.

كانت هذه الثنائية المدنية الريفية في وجدان عاصي ومنصور الرحباني عنصر قوة في استعدادهما للمهمة التاريخية، التي اضطلع بها فريق العمل الموسيقي المبدع الذي تولى من سنة 1950 إلى سنة 1975 ما أسميه: تمدين موسيقى أرياف بلاد الشام، وهي مهمة شبيهة في بعض جوانبها، بما فعله موسيقيو المدرسة الكلاسيكية القومية في أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر، حين انصرفوا كلٌّ إلى ينابيع موسيقاه الفولكلورية (الريفية والكنسية) ليستمدوا كلاسيكية جديدة، غير مؤسسة تماما على كلاسيكية الأوبرا الإيطالية، ولا على الكلاسيكية السمفونية الجرمانية (الألمانية النمساوية). وكان من هؤلاء فرانتس ليست المجري وفردريك شوبان البولندي وغريغ النروجي وغلينكا الروسي. وقد ضم الفريق اللبناني في هذه المهمة ريفيين (زكي ناصيف ووديع الصافي وصباح) ومدنيين (الأخوان الرحباني وفلمون وهبي وتوفيق الباشا). وتميز منهم زكي ناصيف بأنه مدني وريفي في الوقت نفسه، لأن وجدانه الموسيقي تكوّن في التربتين معا (سلامة حجازي والفراقيات الريفية ودبكة الدلعونا). أما الأخوان الرحباني فقد رجحت في تربيتهما ووجدانهما الفني الصفة المدنية على الريفية. ومع ذلك بلغا في مسار تمدين موسيقى الأرياف ذروة ستبقى للتاريخ، هي "سهرة الحب" التي غناها وديع وفيروز، سنة .1973 أما الدبكة فلم يبلغا فيها ما بلغه زكي ناصيف في روائعه: يا بلادنا مهما نسينا وليلتنا من ليالي العمر وسهرنا سهرنا وما نمنا وطلوا احبابنا. ومع ان دبكات الرحابنة انتشرت في آنها، إلا أن التاريخ لن يضع دبكة: عالعالي الدار وغيرها، في مرتبة مساوية لدبكات ناصيف.

الشرق والغرب

 الثنائية الثانية في فن عاصي الرحباني الموسيقي، بعد ثنائية المدينة والريف، هي ثنائية الشرق والغرب التي ارّقته وأرّقت معه منصور سنوات، ولعلها لا تزال تؤرق كثيرا من الموسيقيين العرب إلى اليوم.

لا شك في أن عاصي الرحباني في أعماق وجدانه كان عربي المزاج نشأة وجذورا. كان يقصد بيت شقيقته إلهام الرحباني، زوجة الوزير السابق الصديق الياس حنا، وكان جارنا في عين الرمانة بين 1966 و.1975 كان عاصي في آخر السهرات في بيت شقيقته، حين يستبد به الطرب، يمسك بالبزق الذي تعلم العزف عليه بالوراثة، ليعزف ويغني: هو صحيح الهوى غلاب، مثلا، وهي من أعمق الغناء العربي وجدانا وطربا. كان هذا في اعتقادي حقيقة ما في وجدانه، على الرغم من أن تلك المرحلة السياسية حفلت بأكثر من تصريح منشور عن نوع من الجفاء مع الفن العربي، بلغ ذروته حين وُصف فن محمد عبد الوهاب وأم كلثوم بأنه: <غزو مصري واستعمار عربي>، في حديث متلفز في أوائل الحرب اللبنانية، اشترك فيه منصور الرحباني والاب يوسف الخوري، وكان آنئذ مديرا للمعهد الموسيقي الوطني، وسعيد عقل.

وكانت لهذه الثنائية في داخلة عاصي الرحباني جذور تربوية من سن مبكرة. فأستاذه الموسيقي الأول كان بلا شك الأب بولس الأشقر، الذي دوّن الكثير من التراث الموسيقي السرياني، بمقاماته التي أثبت دكتور نداء أبو مراد في ندوة علمية عن تراث الإنشاد الديني السرياني في دمشق أنها مقامات زلزل العربية. لكن هذا الرافد الأساسي في تكوين وجدان عاصي وعلمه، اجتمع في ما بعد برافد آخر هو الرافد الغربي، مع تتلمذه في أكاديمية ألكسي بطرس للفنون الجميلة "ألبا"، على الفرنسي برتران روبيار، الذي علم الأخوين هناك، وعلّم زكي ناصيف وتوفيق الباشا في الجامعة الأميركية، علوم الموسيقى الأوروبية.
ومع ان النشوء في تراث عربي أصيل، والاطلاع على تراث غربي، لم يكن فريدا في ذلك العهد، إلا أن من سبق الاخوين الرحباني إلى هذا المسار التربوي المركب، مثل محمد عبد الوهاب أو محمد القصبجي، أخذ هذه الثنائية على غير ما أخذها عاصي. فلقد تميز فن محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي مثلا بأن العناصر الغربية التي اطلعا عليها في فن الأوبرا والسمفونية الأوروبية، اندمجت في وجدانهما الموسيقي اندماج التركيب والإضافة، فلا تحس مثلا في أغنية عبد الوهاب: على بالي يا ناسيني، أي تنافر بين إيقاع السامبا الراقص فيها وبين موال: وابات سهران العربي الخالص، أو بين التوزيع الأوركسترالي المدهش في أوبريت قيس وليلى (سنة 1939) وبين الغناء العربي الأصيل في المغناة الخالدة. وقل كذلك في استفادة القصبجي من فن الهرمونيا الذي استخدمه في لحنه لأم كلثوم: منيت شبابي، سنة .1936 أما عاصي، فتجاورت في خزانته الموسيقية جذور الرافدين العربي والغربي، من دون أن تلتقيا حقا. فكان إذا لحّن من وحي غربي، فهو يلحن كأنه نسي الوحي العربي، وهكذا. لم يلتق الرافدان في لاوعيه الموسيقي. وقد يخالف هذا القول مخالف ويأتي بحجج صحيحة من هذه الأغنية أو تلك. وأقول إن ثمة حججا صحيحة تناقض قولي، ولكن مناقضة جزئية، لأن الفاصل بين نمطي التأثر ليس حدودا قاطعة ولا صريحة، وإنما يرجح في هذا الأمر سلوك على آخر وإن التقيا في بعض المساحة.

الوطن الموسيقي

كانت أنطلياس في مرحلة من العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، أي مرحلة نشوء الأخوين عاصي ومنصور، مركزا لازدهار العقيدتين الشيوعية والقومية السورية. ولم يكن الأخوان الرحباني بعيدين كثيرا عن هذا الجو، لا سيما أن لبنان الكيان كان لم يزل طري العود، لم يمض على اقتسام المشرق العربي ورسم حدوده وقت. وحين قصد الأخوان بيروت في الأربعينيات والخمسينيات المبكرة، صادفا جوا لا يختلف كثيرا عن الجو الذي نشآ فيه. إذ كان فريق إذاعة الشرق الأدنى النازح من فلسطين بعد النكبة، وعلى رأسه صبري الشريف وحليم الرومي وكامل قسطندي وعبد المجيد أبو لبن وصبحي أبو لغد وغانم الدجاني ومصطفى أبو غربية، شديد التأثر بالقضية الفلسطينية، مثلما كان الحزب القومي السوري شديد الاهتمام بها. ولم يكن لا زكي ناصيف ولا توفيق الباشا غريبين عن هذا التيار السياسي. وكان طبيعيا ان يضع الأخوان الرحباني موهبتهما الفتية مع الآخرين في خدمة القضية، في عدد كبير من الأغنيات الخالدة، وعلى رأسها مغناة: راجعون (1955)، والقدس العتيقة وزهرة المدائن وغيرها. وكان هذا الإعراب عن العاطفة القومية صادقا وعلى مستوى فني عال.

لكن الانقلاب الفاشل الذي قاده ضباط من الحزب القومي السوري في 30 كانون الأول,1961 كان على ما يبدو زلزالا وجدانيا وسياسيا غيّر الحال في البلاد وفي حسابات الفنانين على السواء. ففيما اتجهت الدولة في لبنان وجهة تحديث أجهزتها ومؤسساتها في العهد الشهابي الأول، أخذت تبحث عن قوائم تنصب عليها فكرة الدولة المستقلة المنفصلة عن الفكرة القومية، أكانت قومية سورية أم عربية. ولقيت في النزوع إلى الفكرة الفينيقية والحرف اللاتيني ونبذ العناصر العربية في الفكر والفن والأدب شيئا مما تنشده. أما البديل فكان يحار بين اتجاهين. فإما الابتعاد عن العروبة إلى الداخل، أي الفولكلور واللهجة الفنية الشديدة الصبغة المحلية، أو الابتعاد نحو الغرب والتغرب. وقد اتسم سلوك كل المتحمسين لهذه الوجهة السياسية بواحد من هذين الاتجاهين الثقافيين أو بكليهما معا.

ووجدت الدولة في الأخوين الرحباني ضالتها الموسيقية، أشاء الأخوان أم لم يشاءا. لم يكن بإمكانهما بالطبع أن يرفضا تشجيع الدولة، لا سيما أن الاهتمام بالفولكلور ليس في حقيقته سوى اهتمام بالغناء الريفي في بلاد الشام. وهو يناسب ميلهما الوطني وثقافتهما الفنية وتراثهما المتنامي منذ أن أخذا يسلكان السلوك المسمى "فولكلوريا" في مهرجانات بعلبك سنة1957. غير أن الابتعاد عن الجو القومي والاقتراب أكثر من الفكرة الفينيقية، رافقتهما نزعة تغريبية وسمت كثيرا من فن الأخوين في الستينيات، منذئذ. فاختفى العود والقانون والناي في كثير من أعمالهما، وكذلك المقامات العربية الصرفة والإيقاعات التي كانا يكثران استخدامها بزخم وجمال في الخمسينيات. وبعد الشآم التي غنيا لها عشرات الأغنيات، ومنها كثير من شعر سعيد عقل، دخل قاموس وطنهما الرحباني "الباب العالي" مصدر الشر، الذي يرمز في حقيقته إلى <الاتساع> الذي أشار إليه سعيد عقل في قصيدة لبنان، حين قال:
"ما جنةُ اللهِ إلا حيثما هنئت عيناك كل اتساع بعد بهتان".

في الوطن الرحباني نشأت ثنائية إذاً لا تقل أثرا في فنهما عن الثنائيات التي سلف ذكرها. لم يهجر عاصي ومنصور تماما الوطن الأول إلى الثاني. ففي "بترا" (1977) رموز سياسية واضحة، في الصراع بين روما (الغرب) ومملكة الأنباط العربية. لكن الدولة اللبنانية في ذلك الزمن وظبت على وضع الوطنين، الواحد في تناقض مع الثاني. وفي إحدى المراحل صدرت أوامر لمنع الأغنيات المصرية من الإذاعة الرسمية، ثم ألغي القرار، بعد حملة شديدة في الصحف. إلا أن الفكرة ظلت تحظى بعطف الدولة على نحو مخفف بعض الشيء، وكانت الأجهزة الرسمية تختبئ وراء الحجة "الوطنية" التي باتت نقيضا للحجة <العربية>.
هل انساق عاصي في هذا المسار؟ إن القطع في هذا الشأن يرقى إلى محاكمة الضمائر. لكن المضمون السياسي والموسيقي في كثير من النتاج الرحباني بعد الستينيات لا ينفي هذه الازدواجية في الوطن، وهي على كل حال ازدواجية لا تزال تؤرق كل اللبنانيين.
وهل يطمح الفنان إلى مديح أفضل من القول إنه واكب هموم شعبه وعبّر عنها؟ لقد كان في نفس عاصي الرحباني كل التناقض الذي في نفوس اللبنانيين اليوم.

 

المقال منقول عن "الملحق الثافي" لصحيفة "السفير" اللبنانية – عدد 16 حزيران 2006 الخاص بإحياء ذكرى عاصي الرحباني