أنا في "حديقة الرمل"

عادل نايف البعيني قرأها 6
  

أنا في "حديقة الرمل"

عادل نايف البعيني

كانتِ الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف، عندما صعدت الحافلة المتجهة إلى مدينتي السويداء، وما إن استويت في مقعدي، حتى أخذت "حديقة الرمل" بين يدي، ورحت أمرّغ أنامل عينيّ في ذرّاتها، وسرعان ما أخذتني تلك الذرّات، ووجدتني أغوص فيها مستمتعاً ومدهوشاً في آنٍ معاً.. وعرفت آنذاك أنّ تلك الحديقة الساحرة، لن تتركني بسلام حتى أصل إلى عمقها. وبالفعل لم أكد أصل إلى مشارف مدينتي، حتى أتيت على نهايتها.

لا شكّ في أنّكم تتساءلون: كيف لحديقة من الرمل أن تُدهِشَ وتأخذ بالألبابِ وتشدُّ الناس إليها؟ ولكن سيزول العجب عندما تعرفون أن تلك الحديقة ما هي إلاّ روايةٌ أطلّت ترفلُ بطبعتها الأنيقة الثانية، أُهديْتُها اليومَ من كاتبها الأديب الروائي غازي حسين العلي، فكانت رفيقتي التي واكبتني في سفري اليوم، فلم تمض لتستقرّ في المكتبة إلا بعد أن أشبعتها قراءة فأمطرتني متعةً.

"حديقة الرمل" روايةٌ من الروايات التي لا تتعدى في طبعتها الثانية أكثر من 104 صفحات من القطع الوسط، تحكي بكل بساطة، صراعًا عاشه الكاتبُ مع أحداثِ روايةٍ كانتْ ما تزال مخطوطاً، يستحضر فيها الكاتب بطل تلك الرواية(جواد عبد الرحيم) الذي أوغر صدره عندما شاركه في حبّ (صفية) إحدى شخوصه في الرواية. وهذا عمل أراه جديداً إلى حدٍّ ما، عندما يقرر الكاتب بسبب الغيرة أن يقتل البطل (جواد)، ولكن الأخير يبرز له في حياته اليومية بعد مقتله غاضباً هائجاً ومهدداً الكاتب بالقتل، فأخذ يتربّص بمن أمر بقتله، وراح يلاحقه، فلا يجد الكاتب مكاناً آمناً إلا ويلقى (جواد) يتربص به. فتارة هو في مقهى الصحفيين، وتارة سائق حافلة، وتارة يوقعه في مطب الكاميرا الخفية، و.. و.. وتسير حديقة الرمل على هذا المنوال، يبدع فيها الكاتب (العلي) بأسلوبه السردي الرشيق، وبتقنية عالية يتمكّن فيها من تسليط الضوء عبر تلك الملاحقة الوهمية من بطل روايته، على جملة قضايا اجتماعية عامة يمررها بأسلوب مرن ومشوّق. ولعلّ أولى تلك القضايا تصويره الخوف الذي يمكن أن يتلبّس إنساناً إذا ما أحسّ بخطر على حياته. ولربّما انعكس هذا الوصف الجميل على القارئ أحياناً، فتسلل الخوف إليه.

ومن خلال هذا العرض لحالته النفسية، يعرّج على الأفلام العربية ناقداً نهاياتها المتشابهة، وتارة يبرز ظاهرة التقمّص فيحاول الغوص بها ظنّاً منه أن روح البطل تقمّصت جسده من جديد وعادت إليه.

ومن خلال النص أيضاً تظهر ثقافة الكاتب عندما يورد في ملمح هام عن ذلك الرجل (جواد) كيف أتاه مهدّداً وطالباً أن يجعله بطلاً لروايته. وكان أعرجَ ومشلولَ اليد وأطرشَ وقصيرَ النظرِ، فيحاكي بينه وبين هولاكو الأعرج، وغورو المشلول اليد، وأديسون وبيتهوفن الأطرشين، وهوميروس وأبي العلاء، الفاقدي البصر. ولا يفوّت الكاتب أن يعرض لقضية اجتماعية عندما يعرّفنا بسلمى الحبيبة التي شاركته عذاباته مع القاتل الوهم. ويسرد بحيوية فائقة هذا الحب الذي اصطدم بادئ ذي بدء برفض إخوتها الثلاثة تزويجها له، لأسباب لم يفصح عنها إلاّ في أواخر الرواية وبطريقة ذكية، مرّر خلالها قصةً مع أخيها الأكبر الذي يعمل في أحد الفروع الأمنية؟ وسرد بأسلوب شفاف ما يمكن أن يلاقيه المواطن من هذه العناصر حتى ولو كان راضياً وقابلاً أن يفعل ما يريدون، وإنْ في قضايا شخصية أحياناً كثيرة.

ولا ينسى الكاتب أن يشير بطريقة ذكية إلى قبول أشقاء سلمى به عريساً لأختهم، ولكن بعد أن يتغيّر وضعهم الاجتماعي، ولا يعود للعريس تأثير على وضعهم، إذ يطير عنصر الفرع من وظيفته، ويُحال الأصغر المدير الكبير إلى المعاش، مدللاً بذلك على موقف اجتماعيٍّ عامٍّ يجابه الناس من خلال مواجهتهم لغطرسة بعض الذوات والأرستقراطيين في النظر إلى من هم دونهم.

ويختم الكاتب الرواية بالتخلص من المخطوط الذي أورثه هذا الخوف الدائم من البطل الوهم، لعلّه كما يقول يخرج من هذا الكابوس العاصف الذي قرقع رأسه، لكثرة ما استقر فيه من أوهام، فقام بتحويل ذلك المخطوط إلى نتف مبعثرة. ليدرك في آخر لحظة أنّ ما بناه كان مجرّد حديقة من رمل، تناثرت حبّاتها فوق رأسه.

وعلى أثر ذلك ولدت (حديقة الرمل) التي أنا بصددها، ولكنني بعد قراءتها وجدتني ألملم حبيباتها، وأجمع ذرّاتها، مشيداً بهذا العمل الروائي الجميل، الذي يدل على براعة الكاتب في السرد الروائي الذي منحه الكثير من الجمال بما زرعه في تلك الحديقة من ألوان بهيجة وصور شفيفة، وعبارات إبداعية رائعة، دل من خلالها على تملكه الجيد لأدوات الكتابة، ومقدرته الفذّة على اقتناص الأفكار وتحميلها تلافيف النص.

أختم كلامي بالقول، رواية (حديقة الرمل) للأديب غازي العلي رواية جديرة بالقراءة.


عن النور