البلغمة .. رسالة من وراء الحدود _ قصة قصيرة

حسين الحاجبي قرأها 8
  

غرفتي نصف المظلمة ليست حقيرة جداً، بل يتطلب الإنصاف أن أشعر تجاهها وتجاه صاحبها بالإمتنان، فهنا أشعر بالإطمئنان والأمان بعيداً عن أيدي القتلة.  جدرانها الثلاثة بدون أية شبابيك عدا عن ذلك الذي يفصلها عن الممر الطويل الممتد من باب الغرفة حتى ينتهي بالحاجز المشبَّك المطلّ على الشارع.  فالضوء الطبيعي الوحيد الذي يدخل الغرفة هو الذي يتسلل من الشارع ماراً خلال الممرّ ثم الباب وشباك صغير آخر بجوار الباب.  ولأني بدون مورد ولدي مبلغ صغير أحرص على ألا أفرَّط به، فأني أقضي معظم وقتي فيها في القراءة وحساب الأيام في انتظار الفرج الذي تأخر كثيراً.

إنتهيت من قراءة "لاعب الشطرنج" رائعة سطيفان تسفايج، ثم تناولت قصة "الأبله" لديستويفسكي وكلاهما بلغة البلد الذي أقيم فيه، مما حرمني من المتعة الإضافية التي كنت  سأحصل عليها فيما لو كانت بالعربية.

وعندما انتهيت من قراءة الجزء الخاص بوصف مشاعر المحكوم عليه وهو جالس في العربة التي تمضي به إلى ساحة الإعدام وهو ينشغل بتفاصيل زرِّ سترة الشرطي الصدئة،  ثم وهو يُشدُّ إلى العمود في انتظار الرصاص الذي سيخترق جسده وهو يراجع شريط حياته و كيف لم يستفد من كل دقيقة منها وماذا سيفعل إذا ما عاد إلى الحياة، ثم وصول مراسل في اللحظة الأخيرة حاملاً أمر العفو عن المحكومين .... أغلقت الكتاب وأنا في غاية الإنفعال واستلاب العقل لهذه القابلية الفذَّة في النفوذ إلى أعماق النفس البشرية لتصف بماذا يفكر الإنسان في مثل هذه اللحظات المفعمة بالمشاعر المختلطة.  ورجعت بذاكرتي إلى ما قبل بضعة أشهر، إلى تلك اللحظة التي تعلَّق فيها نظري في الجزء الكامن خلف الركبة تحت حافة تنورة فتاة رشيقة القوام كانت تمشي أمامي، فانحصر تفكيري في تفاصيل الأوردة والعضلة واللحم البضّ ... في الوقت الذي كان الآلاف من الرجال والنساء وحتى الأطفال يساقون إلى دور السينما والملاعب والقصور القديمة التي حولوها إلى معسكرات للإعتقال بعد أن أتخمتْ السجون بأكداس البشر، ليقتل منهم الكثير ويعذب منهم الأكثر ولتغتصب النساء، وكنت أنتظر بقلق دوري في الإعتقال.  

غفوتُ قليلاً ثم صحوتُ على كوابيسَ اختفتْ فيها كل الألوان ما عدا اللون الرمادي.  كنتُ لا أزال مشدوهاً بكوامن ذلك المحكوم بالإعدام، وربما زاد هذا في كآبتي، ما أحوجَني إلى بعض التسرية.  فمشيت متثاقلاً وأنا أقطع الممر لأصل إلى الشرفة وأتهالك على كرسي من البلاستيك على الرغم من الجو القائظ.  وصرت أحدق في غابات النخيل الممتدة أمامي خلف البيوت ذات الطابق الواحد محاولاً أن أرى ما وراء النخيل من نخيل وما بعد تلك من أخواتها حتى أتسلَّل خلسة إلى بيتي وأهلي وأصدقائي.  وتذكرت كيف كاد أن ينخلع قلبي من مكانه وكيف انتابتْني مشاعر غريبة لم أعهدها من قبل والعالم يغطُّ في سكون ساعات الفجر الأولى قبل شهرين، وأنا أقطع سباحة النهر الفاصل بين وطني وهذا البلد الذي أنا فيه،  فتشتعل روحي اشتياقاً. آهٍ لو استطعتُ الوصول إلى ذلك الشارع في مدينتي لاحتضَنْتُ أعمدته الخرسانية حتى تتكسَّر أضلاعي، وللحست سطوحها الخشنة حتى يتجرّح لساني، ولتوجهت إلى تلك الأزقة الفقيرة الوسخة ذات الرائحة النتنة لأتقلب على أسفلتها ولأستنشق رائحتها... وأنت أيتها الحبيبة التي لا أعرفها، أعرف أنكِ في الداخل، أحلامكِ كوابيسُ من الدماء والخناجر والرصاص ... أنت إذن حزينة مثلي، بل أكثر مني. تعالي إذن لأبكي على كتفك، فكم أنا بحاجة إليه..   وتأخذني أحلام اليقظة هذه إلى حد ما يشبه الغيبوبة، وهل أحلى من الغيبوبة في مثل هذه الأيام السوداء!

وكما يقال فإن لكل شيء نهاية، حتى لأحلامي. إلا أن هناك نهايات سعيدة وأخرى حزينة كما أن بعضها هادئ والبعض الآخر عنيف مدوّ.  ويشاء حظِّي أن تنتهي غيبوبتي بصورة قاسية إذ يصدر زعيق من شخص بالجوار ينادي على رفيق له وكأنه على بعد أميال.  فأستفيق مذعوراً، وأرفع رأسي إلى السماء وإذا بنور الشمس المتوهجة في قيظ آب تسدل على عيني ستارة من الغشاوة  وتسبب فيهما حرقة، فأدير رأسي بحركة لا إرادية بمقدار 120 درجة عمودية، فأفتح عيني ثانية وإذا ببصري يقع من خلال الغشاوة على شيء يلتمع على الأرض.  فركتُ عينيَّ و تمهَّلتُ قليلاً ثم نظرتْ مرة أخرى لأستكشف ذلك الشيء الملتمع وإذا به "بلغمة" لابد أن بصقها أحدُ رواد هذا المكان بالرغم من لافتات "ممنوع البصاق على الأرض بأمر من وزارة الصحة" التي تراها معلقة في أكثر من مكان في هذا الفندق من الدرجة الرابعة.

السأم والإرهاق من القراءة والرغبة في إيجاد أية وسيلة تسلية جعلتْني أطيل النظر إلى هذه البلغمة وكأنها سرٌ من الأسرار أجهد في كشفه والغور في أعماقه.

هي ليست دائرية بالضبط، بل أقرب إلى الشكل البيضاوي، ربما بسبب عدم تجانس كثافة جميع أجزائها. حافَّاتها متعرجة، أي أنها ليست بنعومة واستمرارية الخطوط المقوسة التي نرسمها على الورق.  مركزها مرتفع قليلاً ثم ينساب سطحها نحو الحافات التي بالكاد تملك أية سماكة.  أما قوامها فلزج رقراق ولكنه متماسك.  فلو هبت ريح قوية لرأيتَ سطحها يتموج قليلاً كموج البحر ولكن هيهات أن تنقلع من مكانها، فقد التصقت بالأرض بقوة.  ولونها؟ ... قوس قزح إذا ما نظرتَ إليها من زاوية تجعل ضوء الشمس على امتداد خط بصرك نحو البلغمة مع مراعاة زاوية الإنعكاس بالنسبة إلى اتجاه جاذبية الأرض.  أما أذا نظرت إليها من أية زاوية أخرى فإنها رمادية تضرب إلى الصفرة مع بعض من الخيوط الحمراء الدقيقة في وسطها.  يبدو أن صاحبنا قد ضغط كثيراً على بلعومه لكي يخرجها.

ولكن العوامل المذكورة أعلاه تدفعني ألاَّ أنظر إليها إلا من تلك الزاوية القوس _ قزحية.  فهذه تستثير أحلامي أكثر.  فتراني أحدِّق فيها كالمسحور .. كمَن يحملق في بلّورة الساحر الذي يلجأ إليه لحل مشكلة عويصة.  وتزداد حملقتي حتى تتملَّكني النشوة.  لم لا وألوان قوس قزح تتراقص أمامي وكل واحدة منها تمثل لي حدثاً أو رمزاً؟

فاللون الأخضر هو الربيع، هو الخضرة، هو أوراق الشجر التي غسلتها مطْرةُ آذار أو نيسان، وأخيراً هو الحياة، هو الطفولة.

أما اللون الأزرق فيخيَّل لي قطعة موسيقية تنعش الروح في أول ساعات الصباح. ما رأيكم في الدانوب الأزرق؟

واللون الأحمر يشبّه لي غرفة نوم أنيقة ستائرها حمراء سدَّتْ كل المنافذ على وهج شمس آب.

والأصفر يمثل فتاة بعمر الربيع تلبس بدلة صفراء ترقص على قمة جبل تحت ضوء القمر الفضي على رؤوس أصابعها وكأنها تحاول الإنفصال عن الأرض لتلتحم بكل ما هو نقي في الفضاء البعيد.

وأنساق كالمسحور وراء أحلامي، فأتذكر أياماً ما أحلى ذكراها بالرغم من مرارةٍ أغلبها في حينها. وتذكرني كل هذه الألوان مجتمعة بمائدة عامرة بجميع أنواع إبنة التمر وإبنة العنب وحفيدة الشعير تنتصب بين صحون المزة تحت أنوار الأضواء الخافتة في إحدى تلك الحدائق التي ضمتنا من حين لآخر.  فأتخيلُك يا فؤاد وأنت تهمس في أذني بضعة أبيات من شعر نظمتَه بعد آخر جلسة لنا، فأهزُّ رأسي استحساناً وأطلق بحكم العادة ملاحظة أسمع بعدها قهقهتَك الحلوة.  وهذا فاروق يحكي لنا نكتة فاروقية متميزة فنغصُّ بالضحك من غير أن تكون النكتة قوية بالضرورة.  وأتمثل وجه صلاح وهو يطلق ضحكاته مثل طفل بريء، وكم أحب الأطفال!  ثم هذا رؤوف، ما له ينظر إلينا باستغراب ونحن نطلق النكات؟  ليتَنا كنا وقورين مثله!!

وتمر عليّ وجوه كثيرة أحببتُ كثيراً منها ولم أحبب بعضاً منها، ولكني أحبها الآن جميعها بلا استثناء، فأنا في غربتي عاشق!  وكلما مر شريط الوجوه والأحداث أكثر كلما ازددتُ غوصاً في سكرتي أو غيبوبتي، سمّها ما شئت.

وكما قلت في البداية فإن لكل شيء نهاية، حيث وأنا في تلك الحالة يمر ضيف فندقيّ ثقيل الدم ويدوس على البلغمة فيمسحها مع الأرض مسحاً وتختلط الألوان متحدة في اللالون،  فيفيقُني من تلك الأحلام الحلوة ويعيدني إلى واقعي ومراراتي....!

تبَّاً لك أيها النزيل عديم الذوق، عدو البلغمة وكل ما فيها من جميل!

آب 1963