فتنة الكتابة والفتنة الأخرى
فتنة الكتابة والفتنة الأخرى
وجدان عبد العزيز *
الكتابة قد تكون رسم خريطة عبر ذبذبات الاحساس بالدنو الى مساحات الجمال وهو إحساس بلذة اكتشاف ما، هذا من جهة اما الجهة المقابلة فهي الوصول الى نقطة دالة نحو فضاء من التيه في وديان الهذيانات المبررة وغير المبررة أحياناً، لذا فالكاتب يحاول الخروج من لحظات الكتابة اللاواعية الى لحظات الوعي كي يمسك بالقصدية ويدلّ على أبواب البداية حالماً بوجود ما وهو بعيد المنال من خلال نوافذ الحلم المشرعة دائماً امام اللاوعي، تعيسة وبائسة في ساحة الوعي الكامل..
من خط الشروع هذا استطيع ان أعيش نشوة الاكتشاف بلذة التنوع التي يعزف على أوتارها نعيم عبد مهلهل تسكنه خوذة الحرب التي فارقها في ساحات اللهيب والموت وتسكنه المرأة بجسد الحب الملون بقوس قزح وعطر العشق وعسل اللذة، تطويه جمالية اللغة وخصر الكلمات الأهيف ورشاقة الجمل البديع وتراه في أعلى درجات الهيام حينما يسكر بإذكار المرأة ويتصوف في صومعة الجسد، لذا يصعّد من حالة توتره أثناء إسناد الجسد لفتنة الشتاء، ليذيقنا حلاوة الدفء، الدفء المجرد فكيف بالدفء الآخر اعتماداً على حكمة الأم التي يقول عنها:
(من يطعن الجسد بنظرة رمش
سوف لن يخاف من لمعان الخناجر..
انها حكمة امي
وهي تشم في صدر ابي عطر زهرة
سعاله الاسطوري...)
وهذا دفء التصاق بالجسد، ولانه أي الكاتب قد أخذته الكتابة في عوالمها المتعددة، من هنا درج في نصوصه الشعرية النثرية الى التقطيع حفاظاً على لوحة النص من العبور لفضاءات غير فضاءاتها المرجوة، فهو في غرق مستمر لحظات يكون وسط النهر وأخرى يكون قرب الشاطىء مازجاً إياها بخليط الفرح والحزن معاً متوتراً أبداً تنتابه حالات قلق فهو نصف حقيقي ونصف أسطوري وحتى عصفوره يقول عنه:
(العصفور الخرافي الذي بنى عشه فوق غرفتي الطينية
كان يرطن اغانيه بعذوبة تشبه شهوة الديك
كل صباح انتبه الى حنجرته العسلية
فتصيبني لذة القفز على الطاولات
في األام برجيت باردو..)
وهنا أخفى في حقيقة الأمر أسراراً كثيرة تحت يافطة رطانة العصفور واستفز الذائقة بسخرية عذبة واستنطق أشياء محيطه بأنسنة محدودة، ليخاطب خيال الآخر بقوله:
(يتخيل الصوفيون الجسد كما تتخيل السنبلة
نعومة قطرة المطر
ذا يقولون دائماً:
الضوء والجسد توأمان...)
الحقيقة القول للكاتب قوّل به الصوفيين لمبالغة التعلق بالجسد.. لانه كما أسلفت تسكنه خوذة فارقها وامرأة لازالت هي مداد لوحاته في حزنه وفرحه (في دفء الماء الشتائي) حيث (تستيقظ أحلام رذاذ الشهوة) ثم (يعتريك فصل من خمر الذكريات) كي (يتعطر المكان بفاكهة الخيال) ولا يتوقف نعيم عبد مهلهل (قرب الإشارة الحمراء...) (فالمرأة قبل كل شيء لها رأيها في نظرتك المرتعشة) ويضيف قائلاً:
(وإن فهمتكَ جيداً
عرفتَها جيداً
عندها سترى الفردوس بحدائقه المدهشة)
ولا شك ان الفردوس هو الجسد بلغة إشارية ثم انه توصل الى اكتشاف اللذة في عوالم الخيال، وهنا خلط واضح بين "لغة ولذة" الجسد المرئي وبين "لغة ولذة" الخيال، بين العصفور المرئي وبين العصفور المتخيل.. صراع متوتر اغتصب بلحظة لاواعية العنونة (الجسد بفتنته الشتائية) كقمة هرم سالت على سفوحه هذيانات اللغة..
(تتذكر النساء الصيف... قرب نعاس المدفئة
فينتابهن الشعور المورق بحركة الوسائد:
إن الحرب ستنتهي غدا..)
واستعار الحرب هنا لتكون معادلاً لضجيج الحياة الذي سينتهي الى الصمت الموت او الاحتفاظ ببقايا الحياة محاولاً التقطيع والالصاق وظلَّ وسط البوح كما قالت العاشقة:
(في ارتعاشته نسيم البحر)
غير انه يصرح:
(تسكننا اللذة البدائية
تلك التي شعر بها آدم
انه اكتشف القارات السبع)
فهو ابن آدم وميزته الخاصة ان قصائده هي الخبز الناضج توّاً في مختبر الكلمات التي يحركها قلق الإبداع، فهل يشبع الكاتب من الجسد وهل يشبع المتلقي من لذة الاكتشاف بين السطور الآيلة نحو السقوط بأحضان المغايرة والتي تتطلب التثقيف الدائم لاكتساب لياقة الدخول الى عوالم النص والتجوال في أروقته الجمالية وتكون أيضاً عدة المتلقي هي اللغة تدفعها ثقافة وإلمام المتلقي كي تتوازى عملية الدخول والخروج بالمعنى المتخفي في استار النص..
وعذري اني لا زلت في الطريق.........
/نص: (الجسد بفتنتهِ الشتائية...)
الكاتب نعيم عبد مهلهل
* كاتب عراقي