"بقعة حمراء" - للكاتبة هدى بنت فهد المعجل
"بقعة حمراء" مجموعة قصصية للكاتبة هدى بنت فهد المعجل
قراءة: حنان بنت عبدالعزيز آل سيف *
"بقعة حمراء" مجموعة قصصية صغيرة، وهي تحوي بين لابتيها ثلاث عشرة أقصوصة، وبلغت هذه القصص ذروة العمل القصصي، فجاءت قطعاً أدبية رائعة، سكبت عليها القاصة هدى بنت فهد المعجل كثيراً من فنها وأدبها وإبداعها. وهذه القصص القصيرة نسق نستشعر من خلاله جانب التفرُّد والتميُّز في شخصية القاصة وعناوين هذه القصص جميلة جداً وقد جاءت وفق الترتيب والنسق التالي:
- الرولز رايس
- شرف طباعة الرواية
- مسحوق الزجاج
- لحظة الارتطام
- مريول المدرسة
- المصعد)
- بقعة حمراء
- كهل متصاب
- ذات الأربع أرجل
- ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى
- غداً يأتي الله لنا بخير
- الفهم المفرد
- صديقتها الأثيرة
وقارئ هذه المجموعة يلتقي بموهبة أدبية متألقة، تتضح في هذه الأقصوصات العديدة، وبالتحديد في الأقصوصة التي فازت بعنوان الكتاب، ومما جاء في خاتمتها:
"قالت هيام سأبدع في مادة التعبير العام القادم وسأفوز بالدرجة النهائية وأغيظ زميلاتي، ضجت السيارة بضحكاتنا، وشاركتنا هيام الضحك حتى تصببت الدموع من عينيها.. فجأة ارتبكت يد السائق فقد باغته منعطف خطر، بجانب ازدحام الطريق الضيق، حاول السائق التحكم بمقود السيارة، وحاول، ولأنّ المنعطف كان خطراً فقد هوت السيارة في وادٍ سحيق سحيق، شيء واحد لم أتمكن من نسيانه منظر دماء المتوفين وقد شكّلت مع بقايا وقود السيارة بقعة حمراء كبيرة".
وأنا من خلال هذا النص وغيره من نصوص الكتاب إزاء موهبة فذّة فريدة، ولغة قصصية ملتحمة مع النص وفي نفس الوقت تتسم بالفصاحة والبلاغة والعلو، وألفاظ القاصة ذات ظلال أدبية أنيقة، وإيقاع قصصي عميق، والقاصة حينما تعبِّر عن مشاعرها المتبادلة في هذه النصوص فهي تطرق هذا بكل شاعرية وبكل دقة ورفق، وتتميّز عبارتها بالأصالة والتنميق والعمق، من ذلك قولها تحت أقصوصة (شرف طباعة الرواية) ما نصه:
"لم أتمن منقذاً يختم فصول الرواية، سواه ويسدل الستار على آخر قطرة حبر بللت ريق الورق المتجعد جفافاً بفعل الحيرة، بعد أن بلغت روحه الحلقوم، فأعادتها له مشيئة الله شبه معاق، سرير مبعثر يكاد يستوعب جسمي الهزيل، قصاصات صحف، نتف ورق A4 مزقت بضراوة عن أحداث، وشخوص ما إن تحركت في أمعاء حي متهالك حتى تساقطت نتفاً نتفاً".
والقاصة جعلت من البيئة الاجتماعية التي عاشت فيها صدى لهذا العمل الأدبي، وتهدف من وراء هذا إلى حل مشكلات اجتماعية يعيش فيها المجتمع الذي تنظر إليه راوية القصص من عدسة مجهرية ثالثة، من ذلك ما جاء تحت عنوان القصة القصيرة التالية المعنون لها بعنوان (المصعد):
"الابتزاز ونفض الجيوب سمة المستشفيات الأهلية ولكنها تبقى الأرحم في التعامل من الحكومية والأكثر نظافة ولا شك المستشفيات الحكومية تمنحك فرصة قراءة جميع روايات (حنا مينا) أثناء فترة انتظار واحدة فقط".
أرأيتم كم هي حريصة على تثقيفنا!!
"نادت الممرضة على اسمي، قفزت من مكاني، دخلت العيادة وجدت الطبيب بانتظاري بابتسامته المعهودة، لا أدري هل يبتسم لي أم لمحفظتي ربما لبطاقة الصراف الأنيقة".
والمشهد القصصي في هذه المجموعة يحكي قبساً من المحيط الاجتماعي والنفسي حيث جاء تحت عنوان أقصوصة (مريول المدرسة) شيئاً من التحليل النفسي الدقيق ومضمون ذلك:
"يرى العلماء بأنّ الطفل لا يكذب، ولكنه يعيش أحلاماً وتخيلات من خلالها يتحدث بما لم يقع وكأنه واقع بالفعل، كثيراً ما اتهم (فهد) من إخوته الأكبر منه بأنه كذاب بسبب القصص المثيرة التي يرويها لهم ويكون فيها البطل الشجاع، كنت أحاول إفهام إخوته بأنه لم يع مفهوم الكذب بعد، وكل ما في الأمر تخيلات وأحلام طفل، وقد مررتم أنتم في طفولتكم بما يمر به الآن".
ومواطن الإبداع في هذه القصص القصيرة تتمثل في الشخصيات وإدارة دفة الحوار المنطقي الهادف بينها، والأحداث المتسلسلة المتتابعة والحبكة والصراع، والقاصة (هدى المعجل) تمر بتجارب إنسانية وعاطفية وهي تسقط على هذه التجارب طموحاتها وذكرياتها وتصوراتها.
هذا وقد أبدعت القاصة في تصوير شخصيات كل أقصوصة ووظفت تقنية المنحى السردي إلى جانب أبطال القصص المتعددين، ولكل أقصوصة موضوع يختلف عن الأخرى، ومما أضفى على هذه القصص القصيرة جمالاً وإبداعاً وتألقاً هو عنصر الوصف الذي سكب على هذا المنتج الأدبي الجدة والتشويق والتحم فيه الواقع بعنصر الخيال في بيئة محدودة المعالم.
وتتميز هذه الأقصوصات ببراعة التقديم والاستهلال كقول القاصة تحت عنوان (المصعد):
"كان عليّ أن أجتث رهبة الانتصار بمعول الصبر ولكن قواي خارت فحررت المحفظة من براثن حقيبتي اليدوية، وأخرجت عملتين ورقيتين من فئة الريال ودسستها في جوف مقهى الخدمة الذاتية، وطلبت قهوة اكسبريسو. قهوتي سكر زيادة بينما منحني المؤشر نفاد السكر من الجهاز، ولم ينتظر لكي ألغي الطلب بل أخرج من جوفه فنجان اكسبريسو سادة ووضعني أمام الأمر الواقع".
وتتكئ هذه المجموعة الصغيرة على شراك الواقع، والقاصة سعت من خلال عملها هذا ليصل مضمون النص إلى عقلية الكاتب، وفي نفس الوقت سعى القارئ إلى قراءة النص وإدراك ماهيته ومضمونه والهدف منه، وهنا لا تفوتنا الإشارة إلى جودة وإتقان البنى الأدبية للنص ومدى نأيها وابتعادها عن الأنماط المألوفة والصيغ الرتيبة، وللمرأة دور بارز فيها، وهي تحمل طموحات وآلام المرأة العربية والإسلامية أولاً ثم السعودية ثانياً وهي رائجة وعاجة بالأدب النسوي الفعّال.
هذا وقد حبى الله القاصة بموهبة قصصية جميلة ارتسمت على صفحات الكتاب من خلال ثلاث عشرة أقصوصة، وهذه القصص انتظمت في عقد جميل، فجئن كحبات اللؤلؤ التي يزدان بها كل عقد ثمين، واستطاعت القاصة أن تصور رؤاها الذاتية بأساليب مختلفة وفي قوالب متباينة.
وأخيراً فهذه المجموعة جزء من مادة ثقافية مستقلة، وهذه المادة جزء نفيس من منظومة أدبية تخدم المجتمع وتسلط الضوء على عيوبه وسلبياته ونقائصه، ومن هنا فقد نبغت أسماء أدبية لامعة في تاريخ القصة السعودية الحديثة، وما العطاء الإبداعي السالف إلاّ نموذجاً على الرقي الفكري.
* أرسلتها الكاتبة هدى المعجل بعد نشرها في صحيفة الجزيرة السعودية