هل الإقتصاد الإسلامي هو البديل؟

د. ظافر مقدادي قرأها 7
 

هل الإقتصاد الإسلامي هو البديل؟

د. ظافر مقدادي *

في ظل الازمة المالية العالمية ازداد الحديث والتنظير لما يُسمّى بالنظام الاقتصادي الإسلامي ومدى تأهّله ليكون بديلاً عن نظام الاقتصاد الرأسمالي. فما هو النظام الاقتصادي الإسلامي؟

أولاً، وبعد فحص المفاهيم، لا يمكننا الحديث عن نظام اقتصادي اسلامي، لأن الاقتصاد لا يحدده دينٌ معين، وإنما هو نشاط اجتماعي تاريخي يأخذ شكل نمط من أنماط الانتاج التي يفرزها التطور الاجتماعي في مكان ما في زمان ما. فالبشرية خبرت عبر التاريخ أنماط انتاج مختلفة بدأت بالمشاعية البدائية، التي تطورت الى العبودية، والتي بدورها تطورت الى عبودية الأرض والزراعة (أي الاقطاعية)، والتي أفضت الى الرأسمالية. فالاقتصاد إما أن يكون رأسمالياً او اقطاعياً او اشتراكياً.. وهكذا، ولا يمكن أن يكون مسيحياً او بوذياً او اسلامياً. أما إن أراد أصحاب التنظير الاسلاموي اشتقاق مصطلح لاستخدامه في دعايتهم الايدولوجية فإن الأصح استعمال مصطلح مثل اقتصاد المسلمين أو اقتصاد المجتمعات الاسلامية، ومع ذلك لا يمكن أن يكون نظاماً، بل هو مجموعة من المعاملات الفقهية الموجودة أصلاً في مراجع السلف في أبواب المعاملات، وخاصة كتاب المغني لإبن قدامة.

وثانياً، يمكننا تصنيف ما يسمى بالنظام الاقتصادي الاسلامي على أنه نظام اقتصادي رأسمالي، فهو قائم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج وعلى الربح وعلى التجارة، وهو لا يختلف عن النظام الرأسمالي في شيء سوى أنه يُضفي نكهة اسلامية على النظام الرأسمالي. هذه النكهة تأتي من محاولات تطبيق بعض الأخلاقيات الاسلامية في النشاط الاقتصادي الرأسمالي، وأهمها تحريم الربا عملاً بالآية الكريمة (وأحلّ الله البيع وحرّم الربا)، بالاضافة الى الأمانة والصدق والنزاهة وعدم الغش. وهي مقولات نظرية قلّما تجد لها تطبيقاً عملياً في واقع النشاط الاقتصادي بما فيها الاسلامي.

ثالثاً: ما الذي يميز ما يسمى بالنظام المصرفي الاسلامي عن النظام المصرفي الرأسمالي؟! في الجوهر لا شيء. فكلاهما قائم على نفس المبادئ في الانتاج والتجارة والربح والفائدة، ولكن يوجد اختلاف في كيفية تحقيق هذه الفائدة، ففي النظام الرأسمالي الربوي يحقق المصرف الفائدة نتيجة بيع الأموال السائلة (النقود) للعميل مقابل فائدة، وتُسمى هذه العملية بـ(الائتمان بفائدة)، وهذا هو الربا عينه. وفي المصارف الاسلامية تتحقق الفائدة نتيجة بيع الأموال العَيْنية، مثل السيارة، للعميل مقابل فائدة، وتُسمّى هذه العملية بـ(المرابحة الآجلة). والفرق بينهما أن مفهوم الربا يكمن في بيع وشراء الأموال السائلة، ففي الاسلام هذا حرام، ولكن الحلال يكمن في بيع وشراء الأموال العينية كالأراضي والسيارات والماكنات والخدمات حتى لو كان البيع آجلاً (أي بالتقسيط) وبفائدة.

من هنا استطاعت المصارف الاسلامية التلاعب بشكل اجراءات وتوقيت عمليات البيع والشراء للإلتفاف على الربا. ولنأخذ المثال التالي للمقارنة بين المصرف الربوي والمصرف الإسلامي. في التعامل الربوي يشتري العميل من المصرف ثمن السيارة المعروضة للبيع في معرض السيارات، حيث أن السيارة ليست ملكاً للمصرف وقت الشراء، ويحصل العميل على السيارة من المعرض، ثم يقوم بتقسيط ثمنها للمصرف وفقاً لفائدة معينة حسب اتفاقه مع هذا المصرف. الربا في هذه العملية واضح ويتجلى في أن المصرف قد باع العميل نقوداً وليس سلعة. هذا اولاً، وثانياً يقع الحرام أيضاً في أن المصرف باع بضاعة لا يمتلكها وهذا مخالف لتعاليم الرسول الكريم (ص) حيث نهى عن بيع ما لا نملك، وثالثاً لم يقبض (او يأخذ) المصرف السيارة في حوزته قبل أن يبيعها للعميل بل بقيت في المعرض، وهذا مخالف لقول الرسول: (إذا اشتريت مبيعاً فلا تبعه حتى تقبضه). أما المصرف الاسلامي فيتبع عدة خطوات اجرائية لكي لا يقع في ظاهر النص الذي نهى عنه الرسول الكريم، فيقوم المصرف باستلام طلب من العميل يحمل عنوان (طلب التمويل بالمرابحة) يتضمن وصفاً دقيقاً للسيارة التي يرغب العميل بشرائها، ثم يقوم المصرف بدراسة هذا الطلب، فإن وافق عليه يطلب من العميل تعبئة بيان (الوعد بالشراء وسداد ضمان الجدية) وهو ما يشبه العقد مع الدفعة الأولى لكي يضمن المصرف عدم الخسارة في حال أخلّ العميل بوعده في الشراء، ثم يقوم المصرف بشراء السيارة من الوكيل او المُنتج وتصبح السيارة ملكاً للمصرف ويقبضها المصرف في مكان تابع له، ثم يقوم ببيعها للعميل بعد حصوله على ضمانات، وتصبح السيارة ملكاً للعميل الذي يقوم بدوره بتقسيط ثمن السيارة مع الفوائد الى المصرف.

ما الفرق؟ جوهرياً لا شيء من منظور نمط الانتاج الاقتصادي، وكل ما في الأمر أن المصرف لعب دور معرض السيارات والمصرف التقليدي في نفس الوقت، فقام بعمليتين تجاريتين في معاملة واحدة: شراء السيارة من المُنتج (بدل أن يشتريها معرض السيارات من المُنتج) وبيعها للعميل بفائدة. والعملية كلها تهدف الى الالتفاف على مفهوم الربا كون المصرف في هذه الحالة باع سلعةً يمتلكها على أرضه ولم يبع أموالاً سائلة. وما يدعو للحيرة هنا أن فقهاء الاقتصاد الاسلامي المعاصرين وإن أخذوا من فقه المعاملات لإبن قدامة فكأنهم يُهملون قوله: (وكل قرض شُرط فيه أن يزيده فهو حرام... قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسلف إذا شَرط على المُستلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة على ذلك ربا). أليس ثمن السيارة سلفة أسلفها المصرف للعميل بطريقة غير مباشرة؟ أليست الفائدة على السلفة زيادة وهي حرام؟! أليس هذا ربا النسيئة؟ أفيدوني إن كنتُ مخطئاً. وهل (الأعمال بالنيّات ولكل امرئ ما نوى) كما قال الرسول الكريم أم بالاجراءات؟! ونية المصرف واضحة وهي اقراض العميل مالاً بفائدة لكي يشتري السيارة، بغض النظر سواء اشتراها من المعرض أو المصرف، فالمصرف أصلاً ليس معرضاً للسيارات ولا غيرها من البضائع العينية وإنما هو مصرف.

هذا من الناحية النظرية الاجرائية، أما من الناحية العملية فإن الكثير من الأخطاء وضعف المراقبة تؤدي الى الوقوع في الحرام والربا، ففي حالات كثيرة يتسرع المصرف الاسلامي باعطاء شيك للعميل ليقوم هو باستلام السيارة من المُنتج مباشرة (وهذا ربا)، وغيرها الكثير من التجاوزات التي أوردتها الدراسات الميدانية للمصارف الاسلامية (يمكن مراجعة دراسة د. حسين شحاتة، استاذ المحاسبة بجامعة الأزهر). والجدير بالذكر أن الباحث محمد سليم قد ذكر في دراسة له نشرت في صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية أن ما لا يتجاوز 5% فقط من عمليات التمويل الاسلامي تتم وفقاً لأحكام وضوابط الشريعة الاسلامية. أما المراقبة على هذه المصارف فتتم عن طريق مجالس شرعية تضم مشاهير الفقهاء الذين يشهدون لهذه المصارف بأن تعاملاتها شرعية، ويتقاضى الواحد منهم على عضويته في المجلس من 20 ألفاً الى 30 ألفاً سنوياً، ويمكن أن يعمل في أكثر من مجلس في نفس الوقت (حسب معلومات الموقع العالمي للاقتصاد الاسلامي)!!. وقد اختلف الفقهاء المسلمون المعاصرون حول عمل هذه المصارف، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الخلاف الفقهي الذي طفا على السطح في منتدى التمويل الاسلامي في اسطنبول، خاصة بين د. محمد أيمن الجمال أستاذ التمويل الإسلامي في جامعة رايس في هيوستن ومحمد عمران عثماني أستاذ الشريعة في باكستان، وكذلك خلاف الفقهاء بعد تأكيد كل من مفتي مصر د. علي جمعة ووزير الأوقاف د. حمدي زقزوق أن التعامل مع المصارف التقليدية (غير الاسلامية) حلال.

وهذا كله لا يغير من حقيقة أن النظام المصرفي الاسلامي جوهرياً ولجهة نمط الانتاج هو نظام مصرفي رأسمالي. فعن أي نظام اقتصادي اسلامي يتحدث المنظّرون؟! وكيف أصبح مؤهلاً ليحلّ محل النظام الاقتصادي الرأسمالي؟!

* مجلة الفينيق الثقافية/ هيوستن