التكريم

عطية مسوح قرأها 5
 

التـّـكـريـم

عطية مسُّوح

درج الناس على تكريم المتميزين منهم. ودرجت الحكومات والمؤسسات السياسية والثقافية على تكريم الشخصيات التي قدمت أعمالاً عظيمة أو مهمة، أو كان لها شرف الريادة والسبق في بعض مجالات العلم والثقافة.

وإذا كان في التكريم نوع من العرفان بالجميل، فإن فيه شيئين آخرين، لا يقلاّن أهمية، أولهما أثر هذا التكريم في نفس المكرّم، الذي يشعر أن شعبه قد استفاد من عطائه وقدّر قيمته، وثانيهما أنه يرسخ عرفاً إنسانياً وحضارياً هو أحد الملامح الأخلاقية السامية.

بين من كرّمهم العرب في العصر الحديث، رسمياً وشعبياً، الشاعر الكبير، الرائد في تجديد الكلاسيكية العربية، وفاتح الطريق أمام المسرح الشعري العربي، أحمد شوقي.

كان ذلك عام 1927، لكن الضمير الثقافي العربي كان قد كرّمه قبل ذلك حين أطلق عليه لقب أمير الشعراء قبل تكريمه الرسمي بأكثر من عشرة أعوام. وقد يكون تكريم شوقي أول حدث من نوعه في الثقافة العربية الحديثة، وقد فتح الطريق أمام سلسلة لم تنقطع من التكريمات التي جاء معظمها صحيحاً، وذلك بأن كان المكرّم رجل ثقافة حقيقياً، كرّس حياته لخدمة ثقافة شعبية وتطويرها، وجاء بعضها ـ وهو قليل على كل حال ـ مصطنعاً، تدخلت فيه عوامل قد لا تكون ثقافية، وحكمته معايير قد لا تكون موضوعية، وهذا ما أثار بعض الملاحظات والمواقف السلبية التي لن نتوقف عندها، فالموضوعية نسبية والعوامل غير الثقافة يصعب عزلها واستبعادها استبعاداً تاماً، والخطأ ممكن في مثل هذه المسألة، وقد يحدث أن يسعى مثقف ما إلى الحصول على التكريم، مستفيداً من علاقاته الشخصية فيحصل بذلك على أكثر مما يستحق.

المهم أن يستمر تكريم المبدعين المجلّين في كل مجال من مجالات الثقافة.

قال أحد أصدقائي: التكريم لا يقدم ولا يؤخر، ونتاج الأديب أو الفنان هو الذي يبقى، ليدل على مكانته الحقيقية، لا تكريمه أو منحه الجوائز.

لا أشك في صحة هذا القول، وأستنتج منه أمراً أراه أساسياً في التكريم ومفيداً للمكرّم وللناس، وهو أن يقوم التكريم بالدرجة الأولى على دراسة أعمال المكرّم، وطباعة كتبه طباعة شعبية، أي قليلة التكلفة والثمن وبنسخ كثيرة، كي يتمكن الناس من اقتنائها، فنسهم في تثقيفهم، وحضور المكرّم في مكتباتهم وبيوتهم وعقول أبنائهم.

كثيراً ما يفطن المشرفون على المؤسسات الثقافية إلى تكريم المبدع بعد رحيله، وقد تسهم الحفاوة بالمبدع الراحل في إبقائه حياً في دنيا الثقافة، لكن الأجدر تكريم المبدعين وهم أحياء، وهذا ما درج عليه بلدنا في السنوات الأخيرة، فكرّم الكثيرين من رجال الثقافة والفكر، ومنحهم السيد الرئيس بشار الأسد أوسمة رفيعة هم أهلٌ لها، كما هم أهل للبقاء في ضمائر الناس وعقولهم.

كنت مرة في زيارة للأديب الكبير حنا مينه، وهو من كُرّم رسمياً، ويكرّم كل يوم في الضمائر والعقول، ودار الحديث حول هموم ثقافية متنوعة، وذكرنا الأديب محمد كامل الخطيب، فقال حنا مينه: هذا الرجل أكثرنا ثقافة.

كم كان حنا منصفاً في هذا القول!

ومن يجالس الخطيب ويستمع إليه، أو يعرف ما كتب وأصدرَ، يدرك ذلك. وكم كنت أتمنى أن تكون مناسبة تقاعده من العمل في وزارة الثقافة فرصة لتكريمه وتعريف الناس، وجيل الشباب، بأعماله وإبداعاته.

لن أعدّد ما أبدعه الخطيب في مجال القصة والرواية، وله في كل منهما إصدارات متميزة، ولن أعدّد كتبه النقدية التي تناولت، نماذج من أدبنا الحديث، وغاصت في أهم الأعمال الروائية الرائدة وتلمّست فيها أهم مسارب التثاقف مع المثال الغربي مثلاً، ولن أعدّد كتبه الفكرية التي اختار لها أن تكون صغيرة الحجم، لكنه تناول فيها أكثر الموضوعات جدة وأهمية، لن أعدّد ذلك كله، بل سأكتفي بالتذكير بالكتاب الموسوعي المرجعي الكبير (قضايا وحوارات النهضة العربية) الذي أنفق في تصنيفه أكثر من عقدين، وكلفه جهداً مضنياً تعجز عنه مؤسسات ومنظمات، ليقدم للقارئ الفكرَ العربي في عصر النهضة. (منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى نحو الربع الأخير من القرن العشرين)، مرتباً ومبوباً وموثّقاً، وليقدم في جزئه الأخير الذي هو مقدمته، معلومات وتحليلات كبيرة الأهمية، لا يستغني عنها باحث أو مفكر ومثقف.

من يقرأ الكتاب، ويطّلع على مجمل أعمال الخطيب، يدرك كم يستحق هذا الرجل من التكريم، ويعرف كم قصّرنا بحقه، كلنا، كلنا.