صانع المناخ المسرحي في ذكرى الوداع الأخير

شادي صوّان قرأها 6
 

صانع المناخ المسرحي في ذكرى الوداع الأخير

شادي صوّان

منذ خمسة عشر عاماً، وفي التاسع عشر من هذا الشهر، خرجت دمشق كلها لتودع إحدى قاماتها البارزة والتي صنعت مجداً فنياً خالداً، وحفرت عميقاً بين تلافيف الذاكرة الفنية والشعبية في سورية والوطن العربي، فمن يستطيع أن ينسى أو يتناسى ذاك الرجل المشخصاتي البدين والبسيط والطيب القلب الذي يُضحك ويُبكي، ويرسم إشارات استفهام كثيرة؟

من يستطيع أن يمحي أدواره العديدة وشخصياته المختلفة على خشبة المسرح أو التلفزيون أو السينما؟ من يجرؤ أن يُنكر يديه الخضراوين وعطفه وتضحياته في سبيل جعل المسرح متيناً ومعلماً راسخاً، وليكون مؤسساً للمسرح القومي، ومساهماً فعالاً في تأسيس وإنجاح عدد من الفرق المسرحية الشعبية التي تخاطب الناس بلغتهم وتُرضي طموحاتهم ومشاربهم جميعها؟ من يستطيع أن ينسى نهاد قلعي الذي شبهه الكثير من الفنانين والنقاد في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بصانع المناخ المسرحي، لما يتمتع به من موهبة فطرية متسلحة بعمق الفهم والثقافة وبذكاء لامع وإحساس وتسامح عظيمين بالآخر ومعه؟.

قلعي والبدايات

ككلّ البدايات هناك التعثر والنجاح في حياة نهاد قلعي الفنية، ويكفي أن نذكر أن أهم التعثرات في بداية حياته هي ضياع حلم الدراسة الأكاديمية في مصر لأسباب مادية تافهة، إلا أن هذا التعثر لم يقف سدّاً في وجه من تتلمذ على يدي مؤسس المسرح المدرسي عبد الوهاب أبو السعود في مدرسة التجهيز الثانوية في دمشق، فلم يلبث أن انتسب إلى نادي استوديو البرق عام 1946، وقدم من خلاله مسرحية جيشنا السوري لتكون صفعة على وجه المحتل، وقد أنقذ نهاد العرض عدة مرات ولعب عدة أدوار بسبب اعتقال عدد من أفراد المسرحية من قبل المستعمر الفرنسي. ولم يمضِ وقت طويل حتى قام نهاد في بداية الخمسينيات بتأسيس النادي الشرقي الذي يُعنى بالشؤون الثقافية والمسرحية مع عدد من المبدعين، أمثال سامي جانو وعادل خياطة وخلدون المالح، وقدّم معهم عدداً من الأعمال أهمها (مسرحية (الأستاذ (كلينكوف) حيث اكتشف فيها نهاد نفسه كممثل كوميدي، ومسرحية (لولا النساء) 1957التي كتبها سامي جانو، ومسرحية (ثمن الحرية) 1958 لعمانوئيل روبلس التي عرضت على مسرح الأزبكية في القاهرة، وكان لهذه المسرحية الدور الأكبر في تغيير حياته نهائياً.

المسرح القومي والتأسيس

كما ذكرنا سابقاً أنّ عرض ثمن الحرية غيّر كثيراً من حياة نهاد، إذ لفت العرض الأنظار وخاصة النقاد في مصر وأثار حماستهم، ومنهم الناقد الكبير محمد مندور،وكان ذلك سبباً في اقتراحهم بتأسيس الفرقة القومية عام 1959 بقيادة نهاد قلعي، والتي تحولت فيما بعد إلى مايسمى فرقة المسرح القومي، وتشكلت إدارة هذا المسرح الذي وجد مقراً له في مسرح الحمراء. وسمي نهاد قلعي مديراً لهذا المسرح لمدة خمس سنوات متتالية، أنجز خلالها العديد من الأعمال التي رسخت هذا الكيان الجديد. ومن أهم هذه الأعمال كمخرج وممثل (المزيفون) سنة 1960 لمحمود تيمور، و(البرجوازي النبيل) و(مدرسة الفضائح) سنتي 1963 و1964، وكممثل فقط في بطولة أربعة عروض (المفتش العام، مروحة ليدي وندرمير، رجل القدر) من إخراج هاني صنوبر و(الإخوة كارامازوف) إخراج أسعد فضة الذي أكّد ويؤكّد باستمرار أن نهاد قلعي هو الوحيد الذي مدّ له يد المساعدة في المسرح القومي وشبهه بالعملاق الحقيقي على الخشبة، ولكن لم يلبث نهاد أن استقال من المسرح القومي في نهاية عام 1964، ليبدأ رحلة جديدة وشوطاً آخر من مسيرته الفنية الحافلة.

نهاد والمسارح الأخرى

يمكن تقسيم أعمال نهاد في المسارح الخاصة إلى ثلاث مراحل، أولها بدأت عام 1961 مع دريد لحام بمسرحية (عقد اللولو) على مسرح نادي الضباط في دمشق، وانتهت عام 1963 بمسرحية مساعد المختار وهي كوميديا من تأليفه وإخراجه.

أما المرحلة الثانية والأهم فكانت من خلال تجربته في مسرح الشوك سنة 1969 مع دريد وعمر حجو وعدد من الفنانين المشهورين خلال تلك الفترة، فقد قدموا في هذه التجربة صيغة المسرح الشعبي المفقودة في القومي، واكتملت خلالها الصورة المسرحية للتعاون بينه وبين دريد ذات الأبعاد المتداخلة في التمثيل والكتابة والإخراج. وقد نهلا من روائع المسرح العالمي والعربي وصولاً إلى عروض شعبية باللهجة المحليّة. أما المرحلة الأخيرة والمتميزة التي انتهت فيها تجربة نهاد قلعي مع المسرح فكانت في فرقته الخاصة التي سمّيت فرقة تشرين بالتعاون مع دريد ومحمد الماغوط، وأثمرت عن روائع العروض في السبعينيات (كضيعة تشرين) و(غربة). وقد شهدت هذه المسرحية محنة نهاد قلعي المرضية والتي استمرت نحو عشرين سنة وأبعدته بشكل كامل عن الفن الذي يعشق، لم ينجز خلالها إلا عملاً واحداً في التلفزيون، وتفرغ بشكل كامل للكتابة للأطفال في مجلة سامر اللبنانية إلى تاريخ وفاته سنة 1993، ليبدأ رحلة أخرى مختلفة نحو المجهول تاركاً وراءه إرثاً مسرحياً ودرامياً وسينمائياً وقصصيّاً، يحتاج إلى دراسات خاصة وموسعة للحديث عنه.

وما بوسع المرء إلا أن يقف بخشوع أمامه، مستمدّاً منه الأمل والرغبة في الانطلاق والاستمرار نحو عالم فني ومسرحي مليء بالنصوع والإشراق.