إلى متى؟
إلى متى؟
عطية مسُّوح
ما تزال معظم الحكومات العربية تمعن في التضييق على الفكر والرأي. وكأنها تخشى من أي رأي أو قول يخالف وجهات نظرها، أو ينتقد بعض ممارساتها ومواقفها.
بل ما تزال تتوجّس حتى من تلك الآراء التي لا يقف أصحابها موقف المعارض، بل ينتقد وهو على ضفة الصديق أو المحايد. وكأن هذه الحكومات ما تزال تعيش خارج العصر. ففي هذا الزمان صار المنع، أو التضييق على التعبير عن الرأي بلا جدوى. فالممنوع يزداد حضوراً بين أيدي المتابعين والمهتمين، ويتوفر لهم برغم إرادة من يمنع، وينتشر أكثر مما لو كان مسموحاً به.
وإذا كان منع كتاب أو صحيفة يعبر عن عدم ثقة الحكومات بنفسها وعن شعورها بالضعف أمام الآراء والأفكار الناقدة، فإنه يعبر في الوقت ذاته عن تخلّف هذه الحكومات عن العصر، وعدم إدراكها للتبدلات الكبيرة التي تكاد تعم الدنيا، السياسية منها والتقنية، المتعلقة بحقوق التفكير والتعبير عن الرأي، والمتعلقة بخروج عملية المنع من أيدي الحاكمين والمتنفذين.
وكثيراً ما يتذرع الرقيب الذي تعطيه الحكومة حق المنع، أو اقتراحه، بمصلحة المجتمع، قائلاً إنه منع مادة معنية لأنها تحتوي أفكاراً تثير البلبلة أو الفوضى، أو تخالف القيم الأخلاقية أو الثوابت أو غير ذلك.
وهو ـ في هذه الحال ـ يعطي نفسه حق الحكيم على الأفكار حكماً قطعياً، دون حوار مع صاحبها، كما يعبر عن عدم ثقته بالقراء، فهم برأيه لا يستطيعون التمييز بين الحسن والرديء، والمفيد والضار.
القارئ ليس ساذجاً إلى الدرجة التي تتصوّرون أيها المسؤولون عن المنع والسماح، وكما يستطيع تمييز الجيد من السيّء يستطيع إدراك أسباب المنع الحقيقية، لأن معظم ما يُمنع يتصل بالسياسة والفكر السياسي أكثر مما يتصل بالقضايا الاجتماعية أو الأخلاقية.
ليت الجهات الرقابية تهتم بجانب آخر يسوّغ المنع أو السماح، إنه جانب السوية الفكرية والفنية لما يكتبه الكتاب ويراقبه المراقبون. إننا نرى عشرات الكتب التي تقذف بها المطابع وتجد من يروّجها لا تمتلك أية صفة فكرية أو فنية مما ينبغي التوقف عنده لإقرار النشر أو عدمه. إننا لا نقصد القسوة على الكتاب الجدد والمبدعين الشباب، ولا التشدد في الحكم على جودة الأفكار أو سويتها، بل نقصد أن يكون هناك حد أدنى من الجودة، يرفع العمل الفكري أو الأدبي عن مستوى الرداءة، كيلا تسهم المطبوعات في المزيد من إفساد الأذواق، وفي الضحالة الفكرية والمعرفية.
ومع ذلك، فأنا لا أصرّ حتى على ضرورة اتخاذ قرارات بالمنع لهذه الأسباب المتعلقة بالسوية، ولا مانع من أن يترك للقارئ أن يميز الجيد من الرديء، ويمنح العمل الذي قرأه درجة معينة في سلم الجودة أو الرداءة، وقد يكون في هذا الأمر تدريب للقارئ وزيادة في خبرته. لكن ما أريد قوله، إن المنع الموجود حالياً لا يتصل أبداً بمسألة السوية الفكرية والفنية، ولا بالمصلحة الاجتماعية، بل هو خاضع لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، وقد تتدخل فيه عوامل أخرى، أهمها النزعة التكفيرية التي تخشى من أية كلمة مخالفة للمألوف أو الموروث وإن جاءت من مؤمن له اجتهاداته وآراؤه.
أكتب حول هذه المسألة اليوم، وقد أخبرني أحد أصدقائي المطّلعين، عن حالتَيْ منع جديدتين. فقد منعت الكويت دخول كتاب جديد إليها للمشاركة في معرض الكتاب السنوي، وكذلك منعت الأردن كتاباً أو مجموعة كتب أخرى.
ولو علم قارئنا طبيعة هذه الكتب الممنوعة لازداد دهشة، لأنه لن يتوقع من أية جهة رقابية مثل هذا المنع. فالكتاب الذي منع من دخول الكويت هو كتاب (القصيدة الحديثة ـ هوية ومعنى) وهو كتاب سوري، أصدرته مديرية الثقافة في محافظة الرقة، يجمع مواد ندوة نقدية شارك فيها نقاد وباحثون عرب وسوريون. أما ما منع في الأردن فهو مؤلفات غسان كنفاني، ولا أظن أن قارئاً مهتماً بالأدب ومتابعاً له لم يقرأ لهذا الكاتب الشهيد. وسواء أكان القارئ من ضفة غسان الفكرية والسياسية أم لم يكن، وسواء رأى أدبه على سوية فنية رفيعة أم لم ير، فإن هذا الكاتب هو أحد أبرز كتاب جيل الستينيات، وليس في أدبه ما يؤذي المجتمع أو يهدده، فقد كرّس أدبه لتصوير مرحلة من مراحل كفاح الشعب الفلسطيني، وهذا ما أعطاه خصوصيته.
المعروف أن الكتاب قد يمنع تداوله بسبب فصل من فصوله، أو حتى عبارة من عباراته. ولكن السؤال يبقى: إلى متى ستظلّ حكومة ما، أو جهة حزبية أو سلطوية، سواء أحسبت نفسها تقدمية أم رجعية، تخاف من كلمة أو عبارة أو كتاب؟.