هوليود .. على من تطلق الرصاص ؟

د. أحمد الخميسي قرأها 5
 

هوليود .. على من تطلق الرصاص ؟

د. أحمد الخميسي

Ahmad%20Al%20Khamisi%2001.jpg 

أطلقت السينما الأمريكية من رصاص أفلامها ما يفوق كل كميات الرصاص التي علا دخانها في الحربين العالميتين، وأردت عدداً لا يحصى من الممثلين والكومبارس وذلك عبر رحلة بدأت عام 1895 حين جرى أول عرض لصور متحركة على الشاشة إيذاناً بميلاد فن السينما، أو "الفن السابع"، وبعد ذلك بأعوام وضع جريفت الشكل العام السينمائي الذي نعرفه الآن. وفي 1926 استخدمت المؤثرات الصوتية والموسيقي بنجاح في فيلم "مغني الجاز"، وعام 1932 ظهر الفيلم الملون وأصبحت هوليود المركز الأول لصناعة السينما في العالم بلا منازع. وعلى مدى نحو مئة عام انقضت الأفلام الأمريكية على تاريخ الشعوب الأخرى الحقيقي وأعادت تصويره من وجهة نظرها: فشعوب أفريقيا كتل سوداء همجية تتدلى من أنوفها حلي غريبة ترقص حول قدور النار في الغابات وتلتهم لحوم البشر، أما الشعوب الصفراء كالفيتناميين فلا همَّ لها سوى تعذيب الأمريكيين المتحضرين في أكواخ من بوص، أما العرب فهم  شعب لا يعرف سوى الاغتيالات وتفجير الطائرات وتقويض دعائم الأمن الأوروبي، وأما الهنود الحمر أصحاب البلاد الأصليين فإنهم محترفو سلخ فروات رؤوس الآخرين ومعتدون برابرة، وبذلك كان الوعي بحقيقة تاريخ الشعوب الأخرى وحضاراتها وثقافتها أول ضحايا رصاص هوليود، الأكثر من ذلك أن هوليود لم تشوه تاريخ الثقافات الأخرى فحسب، بل انقضّت بلا رحمة على الشعب الأمريكي ذاته، الذي لم يعد العالم يتخيله إلا بصفته شعباً لا همَّ له سوى إطلاق الرصاص لأوهى الأسباب داخل الحانات، وإشعال نار المشاحنات والملاكمات في الشوارع، واغتصاب النساء، والسطو على البنوك، وتحطيم كل ما تقع عليه اليدان لحظة الانفعال من كؤوس وموائد كأنها صنعت بالمجان، واللهاث المحموم وراء الجرائم السادية.

هكذا قدمت هوليود الشعب الأمريكي للعالم، ومسخت بنفس الدرجة التي شوهت بها الشعوب الأخرى وجود الشعب الأمريكي في وعي العالم بحيث أصبح من الصعوبة بمكان تخيل صورة المواطن البسيط في تلك البلاد أو مشكلاته أو أحلامه، واستخدمت هوليود في ذلك كل قوة الفن السينمائي المركب الذي أخذ من الرواية الأدبية عنصر الحكاية، ومن المسرح فن الحوار وتوزيع المجموعات البشرية، ومن الموسيقى التصوير النغمي للحالات والبيئة، ثم استفاد من الفن التشكيلي والرسم في تحديد أبعاد الصورة، فغدا الفن السينمائي عن حق "أخطر الفنون تأثيراً" خاصة أنه يعفى المتلقي من أية شروط ثقافية كالإلمام باللغة أو غير ذلك.

وبالرغم من أن هوليود صنعت تاريخاً سينمائياً مزوراً للعالم وللشعب الأمريكي نفسه، فإن ثمة عدداً قليلاً من الأفلام يظهر بين الحين والآخر وإليه يرجع الفضل في الوعي بصورة الإنسان الأمريكي الحقيقي، من هذه الأفلام فيلم "غرفة مارفن" وهو فيلم قديم شاهدته مؤخراً، قامت ببطولته النجمة اللامعة الرقيقة ميريل ستريب، ووضع السيناريو له الكاتب سكوت ماك فيرسون عن إحدى مسرحياته. والفيلم قصيدة مرئية عن العلاقات الأسرية المفككة والوحدة والحاجة إلى الحب والحنان ووهن الشيخوخة في غرفة الجد مارفن. إنها غرفة لا ينهمر فيها لا رصاص ولا يقتل فيها أحد، ولا تخفي فيها أوراق نقدية، ولا تتعرى فيها إمرأة، ولا ترتكب فيها جريمة يحتاج كشفها إلي مخبر ذكي. إنها مجرد غرفة صغيرة للأمل في أن تصبح العلاقات الإنسانية دافئة وصادقة لا أكثر، غرفة تثبت من جديد أن حياة الناس وهمومهم هي موضوع كل فن عظيم.

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com