في رعاية الحبر والورق

جوزف أبي ضاهر قرأها 5
  

في رعاية الحبر والورق

جوزف أبي ضاهر

أعيش في رعاية الحبر والورق، وفي رحابة أحلام، لكثرة ما هي ملوّنة، صبغت أصابعي، بصمت فوق القماشة فأضحت لوحة.

***

لم يتح لي الوقت أن أقف في شباك الناس، ولم أحب، لا أن أراقبهم، ولا أن أضيع بينهم في زحمة ما يبغون.

عندي مما أبغي الشيء الكثير، والوقت القليل لأحقق شبه اكتمال بذاتي، قبل أن أثريه بالآخر، وبمعارفه، حوارًا ونقاشًا حتى الاختلاف حين القناعة مهزوزة، وإذا استقرّت رضي العقل وأقر.

***

يمتد السعي عندي، ولو بصرًا، الى أفق أنسج من ملامحه ما يشبه الحد الفاصل بين مادة وروح. وأمكّن أفكاري من اختيار ثوب يليق بها، وبي، ويؤهلني للوقوف أمام الضوء، نصًا وشعرًا وكلمات بعضها تحوّل، على قبول منّي، رسومًا في دفاتر الألوان.

***

... وأظل في السعي، من غير كلل أو ملل، الى الكلام المنقّى من الشوائب والشحوب، فأستعين بثقافات وتجارب هي لعينيّ وعقلي بمثابة شباك على الحياة، فأرى وألمس واتنقّى لأستحق الدخول من الباب الى حدائق الكتب، متعرفًا الى ما صنعته الطبيعة أولاً، وما صنعه الانسان وزاد، متعلّمًا، ومعلمًا يقظًا، وملفتًا الى جمال وذوق هما من مُتع الفكر الساعي الى الينابيع، لا الى السواقي، والى المحيطات، لا الى البحيرات.

***

أعيش في رعاية الحبر والورق، وأرسل قلبي في عيني الى مطارح الصفاء، فالنفس ترتاح الى رغبة لا تقصّرها أهواء، ولا يؤرقها سوء تصرّف، ولا يحدّ منها ضيق يذهب الى قبح، ولا يهددها قلق من انكسار مهابة.

***

أقرأ ولا أنسى، أكتب ولا أجاري ما يرضي غيري، فالممالقة في المضمون موت، والمساومة رماده، ولا مخادعة تقنع بعودة إلا في مخيّلة الجهال.

***

أقرأ، ولا أقول رأيًا قبل آخر نقطة، بعد آخر كلمة. والرأي يبقى رأيًا، لا حكمًا، وينحني أمام نقاش يوضح من غير تصلّب، أو تلاعب للابهام.

***

أقرأ، ولا يأخذ بي الاطراء والثناء في كلام يؤسس لمراوغة. آثرت البقاء خارج التلاعب بالمشاعر والعواطف، حتى إذا أحببت خرج القلب والعقل معًا بصدق المشاعر والعواطف، وطاب الكلام عليهما.

***

أعيش في رعاية الحبر والورق، تحت السحاب وليس فوقه، فوق التراب وليس التصاقًا به، فوق كفي شمس الظهيرة، وعلى شفتي كلمة تقي، وتحفظ، وتضبط حماسة، وتلتهب شوقًا، وتعلن هوية.