الأفعــــى

ســـوزان ضــوّ قرأها 752
 

الأفعــــى

ســـوزان ضــوّ

تفاجئك المقاييس أحياناً بانقلابها: عوض أن تكونَ الصياد، تتحوّل طريدة.

وأحياناً يفاجئك العمر: مرةً يتحوّل، بكل ما يحمل، هنيهةً تحمل أسمى المعاني، وأُخرى تختفي معانيه فيبقى مفرغاً من أيّ معنى، مشلوحاً على حافة الزمن، ينتظر وصول القطار الأخير.

سوزان

ما أصعب أن يتحوَّل الليل أفعى تتسلّل حافيةً فوق أجسادنا. تزحف بطيئةً فلا نجرؤ على التحرك ولا هي تسرع في الرحيل.

يسكننا الخوف منها، يجتاحنا شوقٌ مؤلم الى لحظات الأمان، لكن كل هذا لا يغير في المعادلة شيئاً.

يبقى الليل ليلاً، تتمطى ساعاته في لزوجة، ترتاح الأفعى على الجسد المرهق، ثم تعيد زحفها الهادر من جديد، وعوض أن ترحل، تعود الى نقطة البداية، زحفاً مطاطاً قاتلاً بُطْؤُهُ، كأنها ساعة الموت تتربص بنا.

تلحس الأفعى كل ذرة فينا. يتعاظم الخوف، يعلو صراخٌ أخرس يشق الضلوع. تواصل الأفعى زحفها ببشرتها الملساء. تقترب من القلب الذي لسعتُها إياه قاتلة.

تتجمّع الدّموع في العينين، تتهيَّأُ كما لموكب عرس، تقترب من الجفنين، تتقزّز لحظةٌ كأنها على مفترق طرق.

تستدير الأفعى كي تعود الى وكرها في الغابة الموحشة. تُفلتُ من الموكب دمعة يتيمة تنبّهها الى حياة نائمة على مرمى سمومها. تعود الأفعى وعلى طرف لسانها الحادّ لسعةٌ قاتلة. تتهيّأ. يحمل لهبَ لسعتها الصمتُ الخانق الذي يلُفّ الليل.

يكبر الخوف. يكبر. يكبر. يتكدّس في الحلق جمودٌ يشبه الاستسلام. وصلت مواكب الدمع، انشقّت الرموش ببطء، بدأت رحلة البكاء الى ما تبقّى من العمر، تدحرج صوت الدمع على الخدين هادراً أقوى من صمت الليل. سمعتْه الأفعى، أنشبَت لسعتَها، أصابت القلب، تسارعت مواكب الدمع. ازداد المكان برودة ورطوبة.

حلّ صمت وسيع.

قفلت الأفعى تتسلل بعيداً.

أسدلت الرموش على جفاف العينين.

سكت القلب عن الخفقان.

ماتت الأميرة، ولم ينته الليل.