أَصْطادُ الأَيائِلَ التي تَدُوسُ شَواهِدَ القُبُور
أَصْطادُ الأَيائِلَ التي تَدُوسُ شَواهِدَ القُبُور
مصطفى ملح
سَوْفَ أَخيطُ عَظْمَةَ البِلادِ إِنَّني أَرى بِها ثُقُوباً :
مارَّةٌ يُهَرْوِلُونَ لايُبالُونَ ،
حُكُومَةٌ تَنامُ دائِماً إِلى طُلُوعِ اللَّيْلِ ،
أَمَّا البَرْلَمانُ
فَهْوَ مَشْغُولٌ بِإيجادِ حُلُولٍ لِمَشاكِلِ السَّرابِ ،
بَيْنَما الأَحْزابُ كُلُّها فَقَدْ أَثْخَمَثْها وَلائِمُ الجَرائِدِ الصَّفْراءِ ،
أَمَّا التِّلِفِزْيُونُ
فَمَسْكُونٌ بِباعَةِ الضَّميرِ وَالنِّفاقِ الفَلْسَفِيِّ غَرْبِهِ وَشَرْقِهِ ..
... سَوْفَ أَخيطُ
لِلْمَلايينِ الحَيارى كَفَناً
لَطالَما أَتْعَبَهُمْ حُبُّ الحَياةِ ،
رُبَّما المَوْتُ يُريحُ رُوحَهُمْ ..
سَوْفَ أَخيطُ للْغَريبِ التَّائِهِ ابْتِسامَةً
كَيْ يُحْسِنَ المَسيرَ في الصَّحْراءِ ،
سَوْفَ يَلْتَقي بِالنَّخْلِ وَالنُّسُورِ وَالأَطْلالِ وَالزَّواحِفِ التي
تَعُضُّ الرَّمْلَ :
مُشْطٌ وَبَقايا مِنْ ضَفائِرِ النِّساءِ
هاهُنا مَرَّ الحَبيبانِ وَماتا ...
أَيُّها الغَريبُ واصِلْ ؛
لَنْ تَمُوتَ قَبْلَ إِكْمالِ النَّشيدْ ..
سَوْفَ أَجُوبُ اللَّيْلَ شَرْقَهُ وَغَرْبَهُ ،
سَأَجْني رُبَّما فاكِهَةَ الظَّلامِ
أَرْميها كَما يُرْمى الحَصى فَوْقَ الرَّصيفِ ،
رُبَّما أصْطادُ بِالقَصيدَةِ الأَيائِلَ التي تَدُوسُ دائِماً
شَواهِدَ القُبُور،
أَصْطادُ الخَفافيشَ
أَدُسُّها بِعُنْفٍ في ثُقُوبِ القَفَصِ الضَّيِّقِ ،
أُطْلِقُ الرَّصاصَ رُبَّما
عَلى صُفُوفِ البُومِ وَ العَناكِبِ السَّوْداءِ وَالأَشْباحِ ،
سَوْفَ أَقْتُلُ اللَّيْلَ
أُبيدُهُ كَما تُبادُ أَسْرابُ البَعُوضْ ...
سَوْفَ أُذيبُ في قَرارَتي كَثيراً مِنْ حَنينٍ .
وَطَني أَحْواضُ نَعْناعٍ ،
وَفَدَّانٌ مِنَ الحَكْيِ على لِسانِ جَدَّتي ،
وَسَجَّادٌ عَلَيْهِ صُورَةُ الكَعْبَةِ ..
مَنْ يُرْجِعُني يَوْماً إِلى الماضي ؟
أُريدُ حُضْنَ جَدِّي
وَزَوايا بَيْتِنا القَديمِ
وَالمُوَشَّحَ الأَنْدَلُسِيَّ في صَباحِ العيدِ
وَالرَّغيفَ مَطْلِياً بِدَمْعِ العَسَلِ الصَّافي
وَإِبْريقَ الحَليبِ السَّاخِنِ الحُلْوِ ..
.. فَمَنْ يُرْجِعُني إِلى ضِفافِ الوَطَنِ البَعيدْ ؟
سَوْفَ أُقيلُ حاسَّتي وَأَسْتَقيلُ ،
أَتْرُكُ الإِمارَةَ الكُبْرى لَكُمْ :
أَخْلَعُ زَوْجاتي ،
وَأَهْوي بِفَمِ الفَأْسِ على كُلِّ تَماثيلي ،
وَأُعْفي جَوْقَةَ الحُرَّاسِ وَالحُجَّابِ مِنْ حِراسَتي ،
وَشَاعِرَ المَديحِ ،
وَالعَشيقَةَ التي سَباها الجُنْدُ مِنْ رُوما ،
وَأُعْلِنُ السَّلامَ بَاسِما مَعَ العَدُوِّ وَالطَّبيعَةِ الرَّؤُومِ ،
وَانْتِفاضَةِ الشَّهْوَةِ في دُوَيْلَةِ الذَّاتِ ؛
أُريدُ هِجْرَةً سَريعَةً إِلى طُفُولَتي
إِلى نَفْسي
إِلَيَّ ..
المغرب