منى مسُّوح تقلا... شمسٌ دافئة تتسلَّل من (مساكب الحنين)
منى مسُّوح تقلا... شمسٌ دافئة تتسلَّل من (مساكب الحنين)*
الأنوار
بقلبٍ خافقٍ بالحنان، ويراعٍ كلماتُه كشجيِّ النايات، تكتب منى مسّوح تقلا خوالجها بفيضِ عاطفةٍ تنساب جرحاً دافئاً فيه من لوعة شمس الغياب، ومن فرحة انبثاق العشب الحييّ من أحشاء الأرض. والكاتبة حصنّت نفسها ضد إغراءات العالم الخارجي بما فيه السياسة الطنّانة، والموضوعات الملتبسة المثيرة، وإذا هي كالشرنقة تطلع منها فراشاتٌ تهفو الى النور، وإذا دائرتها الضيقة غنيّة تسع الكون ولكن من خلال المحبة البانية، فلا عجب أن تختص بدفء المشاعر في زمن داس عليها وعربد على أضرحتها. ان النفس المرهفة ربما تكون حزينة أحياناً تقطف عناقيد الهموم وتحيا بأسراب الأمل. غير أنها ترقّ وتشفّ وتحيا بجوى رهيف: (في القلب يا دهر أمان واسعة/ لو كان لديها جناح/ لكانت في فضا الهناء تطير/ ولكنكَ قسوتَ عليها/ وفوق الأوهام مهَّدتَ لها المسير). هي رحلة العمر الخائب، وكم في هذه الخيبة من أويقاتِ سعادة هاربة تُقتنص من بين شباك هذا الواقع المرير!
* * *
والخريف الكئيب صدى لهذه النفس المرهفة ذات الأجنحة المثقلّة بقيود من حديد. ثمة غربة في النفس لا تلامس حدّ الإغتراب الكامل، غربة الزهرة في قفر صلد وصخور صمّاء: (نفسي أخت الخريف، فهو رمز التقلّب، وهي رمز الشك والحيرة). على أن النفس غامضة مهما برع المحللون، ومهما أوغلنا في عالم المعرفة فإن شيئاً يتفلّت من إدراكنا. والمؤلفة تعي جيداً أن بعد الخريف ربيعاً، وأن الورود سترفع رأسها وتسمع أغنيات الطبيعة، ولكن يبقى سرّ الكآبة وهو أعظم من أن يغوص في لججه انسان). ولكن نفسي! نفسي يا خريف! هل تعود إليّ كما أتاك الربيع). ملامح رومنطيقية تعانق الحزن الهادئ الماتع، وتنفر من الواقع الكالح، وتغيب وراء احساسات جمالية لعلّها أبهى من الفرح الوثاب الصيّاح المراوغ كالسراب.
والطبيعة بأسرها مرآة منى مسوح تقلا فلا فاصل بين العالمين: الخارجي والداخلي عند من تطهّر بالألم وتصفّى بالمكابدة: (الى متى تمرحين أيتها الغيمة الصغيرة في أرجاء السماء؟)، تخاطب الغيمة وهي أرقّ الكائنات، ثم تمزج المملكة الانسانية بالمملكة الطبيعية فهما واحد: (ايتها الغيمة الصغيرة/ أنت كنبتة الطموح في قلبي/ يغرق بينكما اللون/ فأنت بيضاء وهي خضراء).
* * *
والحق أن المؤلفة منجذبة الى دائرة النور الأعلى حتى لتحسب أن النفس السفلية، بما تنطوي عليه من مطامع وأحقاد، لا تراودها بأدنى إغراء. انها تغنّي الحب الجميل وتتوق الى ان تتلاشى في نورة السماوي. الحب هو الغذاء الروحي عند الشعراء، والمادة هي الأمان عند أهل الدنيا: (أحبك رؤى خضراء ترفّ على هدبي/ فتشيع الدفء في روحي/ وتضمخ بالطيب آمالي/ فأغفو على حلم هنيء/ وأصحو على جنون الخيال).
وللعائلة نصيب من أشعتها الهادئة الحزينة. فها هي صورة الأم تطلُّ وسادةَ حنانٍ، فتصير الكاتبة فراشة بلون السماء، وهي تتمنع عليها يوماً وتصبو الى النضج مع احتفاظها بالرباط الوثيق الذي يشدّها الى والدتها. والأمر ينطبق على بدائل الأم، وعلى الذكريات السعيدة والطفولية، كما ينطبق على ابنتها التي صارت أماً وهي صارت جدة.
منى مسوح تقلا تغنّي أشياء (صغيرة) لا تسترعي انتباه العاديين، فمن يكتب عن الحبقة الخضراء وعن الشرفة، وشجرة المشمش، وعن الميلاد؟ ولكنها تكتب أيضاً عن الأشياء (الكبيرة) كالحرب وهي غولٌ يفترس الرياحين. وعلى الرغم من ان الحياة تتراءى أحياناً محنة قاسية أو اختباراً مريراً، فالمؤلفة لا تفقد قلبها الوسيع الذي يساع الكون، ان ما حولها سجن خانق، ومع ذلك تتسلل من القضبان شمس من غير هذا العالم.
* * *
(مساكب الحنين) لمنى مسوح تقلا كتاب يتنوع بين القصائد والنصوص النثرية والرسائل، كتبت في مراحل عمرية مختلفة بعضها يعود الى ما قبل الخمسينات، وينتظمها نفس واحد، ولئن كانت هذه المساكب جوهرة نادرة من أرق العواطف فإن بعض صورها تحتاج أحياناً الى بعض نضج وجرأة. لكنها تنضح بماء روحي ترتشفه الشفاه الظمأى الى مملكة ليست من معدن وصراع، وإنما هي صنو النور، ومجلببة بلحظات هي أخت السعادة السماوية. والمساكب لا تعرف يأس الجحيم وإن عرفت مرارة الألم لأنَّ جذورها نبتت في السماء حتى لو اعتصرها وادي العذاب والدموع.
* منى مسّوح تقلا: (مساكب الحنين)، دار نلسن، بيروت، 2006