التربية العاطفية في الفن الرحباني

عباس بيضون قرأها 34
  

كثر هم الذين يبدأون نهارهم بأغنية لفيروز. يفضلون ان يصحوا على موسيقاها. ليس هذا مجرد حب لغنائها. فيروز في هذا ليست كسواها من المغنيات ليست صوتا فقط وأغنية.

الأرجح ان من يبدأون نهارهم مع صوت فيروز يريدون لنهارهم ان يبدأ مباركاً. ذلك شيء كالصلاة. إنهم يسمعون كنوع من رياضة روحية. يعطون انفسهم مساحة من التأمل والاستبطان يتفرغون هكذا من مشاعر الغضب والاستياء والعدائية. يستدعون الى حياتهم عالم الجبال الحرة وأمداء الطبيعة. يدخلون اليها تياراً من الحلم، يمونون قلوبهم ونفوسهم بذكريات حقيقية وغير حقيقية وبحنين الى معلوم والى مجهول. يستدعون شعراً وموسيقى الى يومياتهم ويشففون دواخلهم ويتذوقون روائح الثمرة الحلوة لقلوبهم، يمتلئون ماءً ونسيماً وشفافية ويقتربون من روائج الجنة. بكلمة يبتدئ الناس بفيروز لا كمغنية اي مغنية فحسب. بل كوسيطة، كدليل جمالي وروحي وكإعلاء للحياة والنفس ومعنى أول وأولي لوجودنا واستشفاف لحقائقنا. هذه البداية مع الصباح تشبه ان تكون صلاة ودنيا لكنها ليست أيهما، ما تغنيه فيروز ليس رسالة الى الله، ليست استحضاراً لقوة من خارج العالم، ما تغنيه موجود في انفسنا وفي العالم وعلينا ان نبحث عنه فيهما. بل الاغنية تستدعيه من داخلنا ومما حولنا. انه الشعر الذي يدخل على الحياة العادية او هو الحياة العادية التي تتحول شعرا. الحلم داخل يوميات العالم وتفاصيله. الجمال في اللحظات العابرة ايضا. الحقائق والكنوز المهملة في دواخلنا، درس الحب البسيط وكنز الذكريات والطعم المر والإلهي مع ذلك لقلوبنا المكسورة وأحلامنا المقصوفة. تغني فيروز باستمرار ما هو حق الحلم وحق الحب وحق الحرية وحق الكرامة. ما تغنيه هو الثمن المؤلم لكن ليس اليائس لها. الكائنات الفيروزية الرحبانية هي ايضا كائنات يومية. بل هي بنت الحلم اليومي اذا جاز القول. سحرها، اذا كان لها سحر، هو في تحويل التفاصيل اليومية من لحظات وأشياء الى ذخائر. هنا بالتأكيد سطوه الاغنية الفيروزية. إنها اغنية أحياء يقطنون عالما كثيراً، كثير الطبيعة، كثير الاماكن وكثير الناس، ليسوا وحيدين ولا يكتفون بتصعيد الآهة الجارحة لوحشتهم ووحدتهم، هم موجودون في الحقل كما يمكن ان يوجدوا في الشارع. موجودون في عالم مليء بالذكريات والذخائر والأشياء والناس والعمل وليسوا مجرد رغبتهم المكسورة المجوفة المتصاعدة كجرح متكرر كما هي الحال في أغان عربية اخرى. العالم الذي تقدمه الاغنية الرحبانية الاولى هو بالدرجة الاولى عيد، انه احتفال، لقاءات وسهرات ومواعيد، ما يترك دائما لدى غروبه اكثر من رغبة عقيم. يترك ذخائر وهدايا وذكريات هي التي تعيد من جديد ملء العالم، ربما كان هنا فارق فعلي، الشعر الذي تغنيه فيروز ليس مجرد توتولوجيا عاطفية. ليس هذا التكرار الذي يلوب حول طلب واحد. ليس هذه المشاعر الادمانية التي يتجلى فيها الآخر مرضا وجنونا وكرها للذات كما في غناء عربي عريق. في الشعر الرحباني والغناء الرحباني هناك دائما او غالبا هذه الرقصة الكامنة. هذا الانتظار الخصب. هذا الاختيار المبارك والحكيم للعالم. هذا العيد وذلك الفتى، لا أشك ان مستمعي الاغنية الرحبانية الأوائل كانوا لا يشكون ان هذه الاغنية ممكنة. انها قابلة للتداول في الحياة اليومية. انها درس وربما تعويذة للمحبين. انها علاج فعلي للاكتئاب والاحباط والخيبة وربما الكره والعدائية. كان المثقفون العرب واللبنانيون الشغوفون بالأغنية الرحبانية يجدون فيها، لنقل موسيقى حياتهم الخاصة، بل يجدون فيها تقريبا، الايقاع الفعلي لأيامهم بما فيها من جرح انفصال وخزان من الاشواق والرغبات. ربما يسعنا لهذا ان نفهم لماذا تحولت الاغنية الرحبانية الى إنجيل للمثقفين العرب. ولماذا كانت بالنسبة لهم اكثر من أغنية. أكانوا يستقبلون الشمس بها ويتخذون منها ذخيرة ليومهم كله، انها هكذا تمرين روحي نفسي. قوة دافعة، مباركة، تعويذة شافية، انها هنا حجر حظ وأمل. اذا قارناها (اي الاغنية الرحبانية) فإن هذه لأواخر الليل. للحظة الخلاء والسكون والوقت المتطاول والسهر والشرب والمنادمة والعشرة والصحبة. ليست اغنية أم كلثوم اغنية يتزود بها المرء وحيداً قبل ان يخرج من فراشه ويذهب الى عمله، انها اثقل وأكثف من ذلك وتحتاج بالطبع الى وقت بل تحتاج الى فراغ وصحبة. مع سماع أم كلثوم طقس ليلي. يحتاج الى وقت ليصل التصعيد الى ذروته، انه حلقة ذكر ينفذ فيها الكلام الى الجسد والمخ شيئا فشيئا. يتحرك فيها الكلام واللحن ببطء حتى يغدو في النهاية دورة للجسد والنفس. يحتاج السماع الكلثومي الى هذا الليل المديد والخلاء والى الحلقة. يمكننا القول ان السهرة الكلثومية هي نوع من الانهاك العاطفي، لا شك ان في الصوت العمقي والتأوهات نضجاً عاطفياً وجسدياً والغناء مثول لهذه التجربة المنهكة التي ابلت الجسد والروح. الجسد مع التشديد. مع التصعيد يتوحد المغني والسامع مع هذا الألم العضال، في الغناء تبديد للنفس وتسييل لها حتى الغناء. الغناء هو غاية الاغنية. يغني المغني في ألمه وشوقه بغنى المستمعين في الذكر والصوت، يغني الجميع في الذكر الواحد، يغنون في الوقت المتطاول.

الاغنية الرحبانية غير ذلك. يلتقي الجمع في الرقص لا في الذكر. اللقاء ليس تبديدا للنفس. انه غالبا انعاش لها. تزويد لها بذكرى خاصة. فالأغلب ان خصوصية الاشخاص ذاكرتهم الخاصة تنتعش بالغناء الرحباني. الارجح ان شيئا من الفرح بالنفس. بشفافيتها وبترقرقها وبتوقها يحصل لدى السماع. لنقل ان لحظة التوحد والغناء لا تأتي. العيد هو الذي يأتي غالبا، العيد والرقصة معا في الغالب. انها لحظة باخوسية اذا استعرنا من نيتشه. الوحدة في الغناء الرحباني تقال كما "ما في حدا" مثلا في مناداة عميقة وفي ايجاب تام وفي دعوة صاعدة، تقال ايضا من ذاكرة ملأى بالمصابيح والعناوين والمواعيد التي تنتظر الغريب. ليست التوتولوجيا العاطفية مدار الاغنية الرحبانية. الاغلب ان هذه الاغنية هي نوع من التدريب العاطفي. من تمرين النفس على الحب، من تعداد ذخائره وهداياه ومواقفه ولحظاته ومصاعبه وإشكالاته. انها تحرير للنفس باتجاهه. بل هي في النهاية تعليم الشفافية والرقة والجمال اللغوي. نعم فالاغنية الرحبانية قبل كل شيء درس في اللغة الحساسة، اللغة التي تدخل الشعر على اليومي وعلى العادي وتحيل الكلام كله الى موسيقى. الاغنية الرحبانية، اذا توسعنا، نوع من الاتيكيت العاطفي. نوع من الحياة باحساس. واذا شئنا ان نستعير من فلوبير لقلنا ان الاغنية الرحبانية نوع من "التربية العاطفية".

يمكن القول ان الاغنية الرحبانية نتاج لبناني. لو قارناها بأدب سعيد عقل وميشال طراد وأمين نخله وحتى جبران خليل جبران او قارناها بفن عمر الأنسي وأمين الباشا ورفيق شرف لفهمنا ماذا نعني بأنها لبنانية. ليست الخفة والتنميق والتقطير اللغوي واللعبة الايحائية والحرية البلاغية وحدها نقاط التقاطع بل اكثر من ذلك، هناك ايضا درس الحساسية وشعر الحياة اليومية، هناك ايضا تلك البراءة الملعوبة والتعليم الرقيق، تعليم الحياة وتعليم الحقيقة، هناك ايضا الخلفية الطبيعية وبقايا الريف، اذ ان الاغنية الرحبانية كما الشعر اللبناني يومذاك تستمد من ريف فولكلوري، ريف تحول لغة قبل ان يختفي. لبنانية هي الاغنية الرحبانية لكنها حملت هذا الانفجار اللبناني الذي منذ جبران لا يتوقف عن تأسيس ديانات خاصة وإعطاء دروس في الحياة وإنتاج فلسفات شخصية في كل يوم وتعليم اتيكيت للحياة وللحب. هذا الدرس اللبناني كان اساس حساسية خاصة ما لبثت ان تعممت وشاعت في ثقافتنا العربية كلها، لم يصغ هذا الدرس بجمال فحسب ولكنه اوحى بأن تعليم الجمال ممكن، وكذلك تحويل الجمال الى شأن يومي، لقد جمع ما بين البساطة والأناقة الى حد بدا معه ان الرقة يمكن ان تغدو عادة وان الشعر يمكن ان يسكن التفاصيل، بل بدا ان في المستطاع إنتاج الحساسية والفن بوفرة وبسهولة آلية. لقد اغوى الدرس اللبناني لأنه لمّح في كل لحظة الى امكانية حياة موازية، ولأنه اوحى بأن في المستطاع انتاج "سحر" يومي، لم يمنع المصطلح الريفي واللبناني جداً من الاحساس بهذا، فالمصطلح الريفي نفسه كان متحولا ومسحورا بحيث فقد تقريباً قرويته وغدا مجرد لغة لبراءة مهجورة، لا بد ان الحياة اللبنانية بدت مغوية من خلال الاغنية الرحبانية ولا بد ان الريف الظاهر فيها يشبه اي ريف. انه نوع من اكزوتيكا من حياة اخرى

 
بدت اغنية الرحابنة وكأنها انعكاس للحياة اللبنانية، الارجح ان هذه الموسيقى حملت الى العالم العربي "السحر" اللبناني. فقليل هي الاعمال التي نجد فيها مدرسة لبنانية، وأعمال الرحابنة من هذا القليل بل من خواص هذا القليل. في اغنية الرحابنة بعض خلاصات هذه المدرسة. هناك هذا الزمن الافتراضي الذي ليس ريفاً ولا مدينة ولا خرافة ولا تاريخا ولا واقعا ولا خيالا. انه زمن من كل شيء بدون ان يكون شيئا معينا. هذا ما يمكن ان نسميه قفزا على الزمن والارجح ان المدرسة اللبنانية هي غالبا هذا القفز على الزمن. لعل عمل الرحابنة المسرحي تجلى ذلك فالأوبريتات الرحبانية، او هكذا يسمونها، قفز على المسرح والارجح ان الشعر والرواية تقريباً هما ايضا ذلك القفز على الشعر او على الرواية وان بتفاوت، يمكننا الكلام عن خلل زمني في اعمال كهذه بيد انها جميعها تبدو تحفا بسبب هذا الخلل، يمكن القول ايضا ان قوة التركيب في الاعمال اللبنانية، وأحيانا فوضاه من نتائج هذا "الطرد" الزمني فالتركيب هو دائما على حد السيف والتوازنات تقوم على هذا الخلو الزمني او تتكسر بسببه. إن الموزاييك اللبناني او الفن الموزايكي الذي يقف قبالته. التركيب يعلو على العناصر المشتتة وكأنه يتم خارجها. لربما كان هنا "سحر" العمل. انه دمج شتات لا يندمج. دمج افتراضي يقوم بما يشبه المعجزة. قد تكون المعجزة في الظرف والمرحلة اكثر منها في العمل نفسه. ففي احيان تبدو المحاكاة الفنية قادرة بسهولة على ان تكون مطابقة، انها ازمنة تملك المعاني التي تمنحها للأعمال، تملك إرادة جمع وإرادة وحدة. ثمة ازمنة توضح الاعمال التي تقابلها. تجعلها تنفرط لدى اول احتكاك. هذه تقريبا دراما الفنون اللبنانية. إنها الافراط في الشكل بدون تشكيل فعلي.

20 سنة مضت على وفاة عاصي. لم نشهد الكثير بعده، لا أتكلم هنا عن تراجع او تقدم لكن عشرين سنة لم تكن منعطفا كبيرا ولا وجهة. من المناسب القول إن الرد الأكبر جاء من ابنه. لكن في زمن لا يسهل ردوداً متكاملة ويخشى على الردود الناقصة من ان تشكل روافد ثانوية. تزيد احيانا من مناعة الاصل او لا تزحزحه كثيراً عن موضعه. عشرون سنة مضت على غياب عاصي لكن عاصي لم يبدأ الغياب من يومها. الأرجح ان الحرب كانت غياباً كبيراً بحد ذاته. لقد رسمت حدوداً زمنية وغير زمنية. من ذلك الحين غدا الفن في حال من صدام دائم بزمنه والنتيجة كانت في غالب الاحيان تعثرات وسقطات. طارت كفترة الأسطورة الرحبانية. وبدت فجأة بلا موضوع. لكن للزمن دوراته. وها نحن نسمع زياد وفيروز الثانية وترجع معهما الى الرحابنة الاول وفيروز الاولى. ليست الراديكالية نفسها سوى مزاج. وحروب الفن قد تغدو بلا موضوع كالحروب الأخرى. ربما يزداد تقديرنا لعاصي لكن من الظلم له ان يكون هذا بسبب صعوبة زمننا وصعوبة الابتكار فيه. لا نمالئ زياد اذا قلنا اننا بتذكيره بالنقص نقصد فقط ان ينجز اكثر، لا نمالئ فيروز الثانية اذا قلنا لها انها مع عاصي وزياد كسبت ثورتين، هذا الملف هو فقط لنحب انفسنا ونحب بلدنا عبر كبير كعاصي قد لا نكون جديرين بتكريمه.

 

المقال منقول عن "الملحق الثافي" لصحيفة "السفير" اللبنانية – عدد 16 حزيران 2006 الخاص بإحياء ذكرى عاصي الرحباني