"إعجازاتنا العلمية" الوهمية وفقرنا العلمي المدقع...
ما يثير الاعجاز اننا نتبادل النقاش بطريقة تذكرني بالنقاش السفسطائي في الفكر اليوناني القديم. حتى ذلك النقاش ساهم بتطوير العقل، "واعجازنا العلمي" ثرثرة على صفحات ما انتجته الحضارة الغربية.
أعزائي المتحاورين، هل تعون ما تقولون؟
ما علاقة العلوم والتكنولوجيا والأبحاث والتجارب بالديانات كلها؟
ألم يثبت التاريخ ان للدين دوره وقيمته في الحياة البشرية وللعلم دوره ومجاله الآخر؟
لا تحمّلوا الكتب السماوية ما ليس لها.
تتحدثون عن الإعجاز العلمي بنفس العقلية الكنسية من القرون الوسطى... في النهاية سقط الفكر الكنسي، واعترف الفاتيكان قبل فترة قصيرة، حتى بصحة نظرية دارون عن أصل الانسان. هذا هو عالمنا الذي نعيش به، بلا رتوش تحافظ على مصالح طبقية وقبلية تخنق شعوبنا العربية وتمنع رقيها الحضاري في عالم لم يعد لنا فيه من المنجزات الا انتاج التخلف والفقر والأمية وادعاء مبكي مضحك عن "اعجاز علمي" اكتشفناه بعد أن استنفذ خلاصة قيمته في الغرب.. وما زلنا عاجزين على جعله آلية لتطوير مجتمعاتنا.
تعالوا نفحص واقعنا.. اليس واقعنا حالة من الإعجاز الانساني في التخلف؟ كيف ونحن نتفاخر بأننا أصحاب أفضل إعجاز علمي؟
حتى حوارنا يا أحبائي نجريه على صفحات إعجاز علمي أنجزه الغرب (الشبكة الألكترونية).. ولا نستعمل في حياتنا أي انتاج علمي من إعجازنا العظيم الين طرشنا العالم بالثرثرة حوله.
قبل الحديث تعالوا ننتج ونحقق ما يتلائم مع الإعجاز العلمي الذي نثرثر حوله.
تعالوا نثبت القول بالفعل.
تعالوا نحقق من خرافات زغلول النجار جزءاً من مليون...
نصوص لا تنقصنا.. ولكننا، وأقول هذا بأسف وألم... ندور في حلقة مفرغة من التأويلات ومحاولات إثبات ما نعجز عن إنتاجه وما نقصّر في تعليمه للأجيال الناشئة.
يتهمني بعض الزملاء أني غاضبة... أجل، ليس لأني غير مؤمنة.. بل لأن ايماني أعمق من الخرافات التي نحمي بها تخلفنا.
بدل الحديث عن الإعجاز تعالوا نحول هذا الحديث الى إنتاج حضاري لشعوبنا ومجتمعاتنا. لو كرسنا في صناعتنا الوطنية في العالم العربي جزءاً من الجهد الذي نبذله في اكتشاف الإعجاز العلمي للقرآن.. لأصبحنا دولاً منتجة لا يستغني العالم عن منتوجاتها، ولأصبحت الشعوب العربية ودولها من أكثر المراكز العلمية تقدماً وانتاجاً وطلباً متزايداً على منتوجاتها وليس على نفطها فقط الذي جاء بدون أي إعجاز علمي!!
ما زلنا نستعمل إنتاج الغرب الحضاري في كل ما يخصنا ويلزمنا في حياتنا، من وسائل مواصلات، ونشر وطباعة واتصالات وأجهزة وتجهيزات صناعية (حتى لاستخراج نفطنا) حتى ملابسنا الإسلامية والشرعية تنتج في "الغرب الكافر"..
حتى مسابحنا صنعت في تايوان والصين.. وأحذيتنا انتجت في الصين وسياراتنا من اليابان وأوروبا وأمريكا.. واذا مرض رئيس عربي لا يتعالج في وطنه بسبب التخلف العلمي في الطب... يذهب الى ألمانيا أو أمريكا أو اوروبا. واذا مرض المواطن كيف ينفعه إعجاز دينه العلمي..؟ لا يجد الا القبر علاجاً لأمراضه!!
زميل أديب وصديق لعائلتي، كان سابقاً مديراً للانتاج في مصانع الحدادة الكبيرة في إسرائيل، حدثني ان مصنعه أنتج تجهيزات لتحلية مياه البحر لمصر والكويت والسعودية ودول الخليج، وأوضح لي ان الطريقة الإسرائيلية تعتبر الأنجح والأفضل والأرخص تكلفة في تحلية مياه البحر، وان الإرساليات كانت تصل لتلك الدول إما مباشرة من إسرائيل، أو تحت إسم شركة فرنسية وهمية... والسؤال هل يجد لنا زغلول النجاز طريقة علمية لانتاج تجهيزات تحلية المياه (تسمى في اسرائيل طريقة زارحين) وان يعد لنا من الإعجاز العلمي الذي يثرثر حوله، خرائط تفصيلية لبناء صناعة عربية نحن بأمس الحاجة اليها اليوم؟
لا أقول هذا بسخرية، بل بألم.. لدينا "إعجاز علمي" ؟! ما قيمته اذا كنا لا نعرف استعماله وتوظيفه في بناء حضارتنا الحديثة؟!.. لدينا حضارة ونحن بحضيض الحضارات المعاصرة. لدينا جامعات وجامعاتنا من أدنى الجامعات حسب المقاييس العلمية الدولية، لا نجد أي جامعة عربية في ال 100 جامعة الأولى، بينما نجد جامعات ومعاهد إسرائيل في أول أفضل 50 جامعة من جامعات العالم. لدينا مليارات الدولات (بل ترليونات) موظفة في بنوك الغرب، تدعم اقتصاد الغرب، وتبقي اقتصاد العرب بالحضيض وأدنى مستويات التخلف العلمي والتكنلوجي، وأدنى مستويات الفقر والتخلف التعليمي. حين يوظف معهد اسرائيلي واحد، معهد وايزمان مثلا (2) مليار دولار للأبحاث العلمية كل سنة، نجد ان كل جامعاتنا العربية لا توظف أكثر من 800 مليون دولار... وحسب إحصائيات عالمية، اسرائيل توظف 15 مرة أكثر من كل العالم العربي في الأبحاث العلمية، هل هذا بسبب الإعجاز العلمي في القرآن، الذي يجعلنا بغير حاجة لأبحاث علمية في جامعاتنا، لأننا نملك العلوم كلها في القرآن، ونظن اننا السباقون والمتفوقون؟؟ هل هكذا يقاس التقدم العلمي والحضاري، أم بالعمل الملموس، وانعكاسه على الواقع العربي في العلوم والتعليم والرقي الاجتماعي والاقتصادي والتكنلوجي ومستوى الخدمات الطبية والاجتماعية والتأمينات التي تقدمها الدولة لمواطنيها؟
حتى اليوم طرشتونا بالاعجازات العلمية التي لا نراها في الواقع العربي.. تعالوا لمرة واحدة نستبدل الثرثرة بالفعل.. موقفي ليس إنكارا للاعجاز القرآني، ولكنه إنكار لعقولنا التي تكتفي بالقول والثرثرة وتستبعد الفعل التطبيقي والعملي الملموس. لو كرسنا ميزانيات وجهوداً مساوية لثرثرتنا وما نصرفه عل نشرها وترويجها، للبحث العلمي والانتاجي، لتغير حالنا من مجتمع يبحث عن الطعام في القمامة، ويعاني من التخلف التعليمي والعلمي الى مجتمع متنور، ضامن للخدمات الأساسية لمواطنية، ومنافس اقتصاديا للدول المتطورة.. ويجد مكانا للعقول العربية في مؤسساته العلمية والبحثية، بدل تهجيرها وخسارتها.
أعرف مواقف زغلول النجار من قضايا عديدة ولم أجد في مواقفه الا ما يجزء الأمة ويضاعف التحريض والحقد الطائفي. خاصة تشويهه للانجيل المسيحي في حديث تلفزيوني. ماذا يفيدنا كمسلمين هذا التخريف الزغلولي؟ هل من مصلحتنا مضاعفة العداء في مجتمعاتنا بين الأديان والعقائد السماوية؟ شخص هذه مواقفه لا يستحق ان يعطى منبراً.. وقد أثبت في جميع منابره انه ليس أهلاً للرأي، وليس أهلا للعلم!!
الحذار الحذار من هذه العقليات على مستقبلنا وعلى ديننا!!
ميرا جميل – صحفية – حيفا gmeara@walla.com