في ذكرى رحيل العبقري نجيب سْرور – "مأساة العقل"
مقالٌ قديم قيِّم كتبه صديق نجيب سرور الدكتور أبو بكر يوسف
أرسلها: د. أحمد الخميسي
نجيب سْرور .. مأساة العقل
" قل للمهرِّجين المجانين: لقد ضاعت أرزاقُ أهل الفكاهة والمُجون.. ضاعت لأنَّ أهل العقل أنفسَهم قد أصبحوا من المجانين. خلطوا في تصرُّفاتهم وارتكبوا الأعمال الشاذَّة ،فأضحكوا الناس جميعاً "
المهرِّج في مسرحية "الملك لير" لشكسبير
فى أواخر ديسمبر 1978، وكان نجيب سرور قد فارق الحياة منذ بضعة أشهر، وصلني آخر دواوينه (رباعيَّات نجيب سرور) مرسَلاً إليَّ مع رسول من القاهرة .
وحينما قرأتُ كلمات الإهداء: "إلى ولدي وأخي وعزيزي أبو بكر يوسف.. نبضاتٌ من حبنا المشترك لمصر" داهمني إحساسٌ طاغ بأنها رسالة بعث بها نجيب إليَّ من العالم الآخر، حيث استقرَّت أخيراً روحه الحائرة المعذَّبة! كان الإحساس واقعياً إلى درجةٍ أرْعبتْني. ولم أستطع التخلُّص من وطأته إلا بعد تحامُلٍ على النفس أعادني الى توازني الذي كدت أفقده ... و انْهالت الذِّكريات.
فى عام 1959، و كنا مجموعة صغيرة السنِّ من مبعوثي "الجمهورية العربية المتحدة" ندرس في كلية الآداب بجامعة موسكو، جاءني زميلى السوري عدنان جاموس، وكان أنضجَنا خبرةً وأكثرَنا معرفةً بشؤون الحياة والأدب، بعدد من مجلة "الآداب" البيروتية قائلاً: هل قرأت هذه القصيدة؟ وللصَّراحة، فقد كنت أرى هذه المجلة لأول مرة، إذ غادرتُ مصر إلى موسكوعام 1958 بعد أن أنهيتُ الدراسة الثانوية لتوِّى، وعمرى 18 سنة، وكانت قراءاتي خارج المنهج الدراسي لا تكاد تحيط بما يصدر من روايات وقصص، فلم يبق للمجلات الأدبية وقت أو نقود. كانت القصيدة بعنوان "التراجيديا الانسانية" لشاعر لم أسمع عنه من قبل هو: نجيب سرور. و كان مطلعها لافتاً وجاذباً:
كانوا قالوا: إنَّ الحبَّ يُطيل العمرْ ..
حقَّـاً، حقَّـاً.. أنَّ الحبَّ يُطيل العمرْ!
حين نحسُّ كأنَّ العالمَ باقةُ زهرْ،
حين نرقُّ كبسمةِ فجرْ،
حين نشفُّ كما لو كنا من بلَّور،
حين نقول كلاماً مثلَ الشِّعر،
حين يدفُّ القلب كما عصفور،
يوشِك يهجُرُ قفصَ الصَّدر،
كى ينطلقَ يعانقُ كلَّ الناس ...
كانت قصيدة مختلفة عن كل ما قرأت حتى ذلك الحين، وأثارتْ في نفسي العديد من الأسئلة.. سألت صديقى عن هذا الشاعر فقال إنه مصري، و هو هنا فى موسكو، فأبديتُ تشوُّقا للتعرُّف به. فوعدنى عدنان الغامض -الذي بدا لي آنذاك لُغزاً لا يفصح إلا عن قليل مما يعرف- بأخذي معه إلى نجيب سرور فى المدينة الجامعية الجديدة لجامعة موسكو على تلال لينين، و كنا نحن نسكن في المدينة الجامعية القديمة على أطراف موسكو.. فى نفس المبنى الذى كان يسكن فيه قبلنا ببضع سنوات ميخائيل جورباتشوف عندما كان طالبا فى الجامعة.
استقبلَنا نجيب سرور بابتسامة عريضة كشفتْ عن فجوة وسط اأسنانه العليا (علامة الشبق!)و كان حاجباه معقودين بتقطيبة طبيعية، وعيناه الضيِّقتان، الشديدتا الذَّكاء والمكر، تشعَّان بالمرح والثقة بالنفس، وتنقلان إليك إحساساً بأنَّ صاحبهما ينظر الى ما حوله ومَن حوله نظرةً فيها الكثير من السخرية والمرارة الدفينة. وكان ثمة تناقض هائل بين هذا الوجه البشوش الممتلىء والضاحك، وهاتين العينين بنظرتهما الثاقبة والسَّاخرة.
لفتتْ نظري فى ذلك اللقاء تفصيلة خارجية. فقد كان الحاكي يعمل طَوال جلستنا، ونجيب يغيِّر الإسطوانة بين الحين والحين، وكانت كلها موسيقى كلاسيكية لموسيقيين لم أكن سمعتُ حتى بأسمائهم. وكنا قد تعوَّدنا منذ صغرنا أنْ نسرع بإغلاق المذياع أو تحويل المحطة ما أنْ يعلن المذيع عن فاصل من الموسيقى الكلاسكية التى لم نكن نفهمها بنغماتها المشوشة التى لا تسير على إيقاع واحد بل تزعج آذانَنا الشرقية بهذا التخبط بين الأنغام صعوداً وهبوطاً، طولاً وقِصَراً، ونحن نبحث فيها عبثاً عن مستَقَرٍّ للإيقاع المطَّرد المطْرب! وأسارع فأقول إنَّنى مَدينٌ لنجيب سرور بتعرُّفي على الموسيقى الكلاسيكية الروسية والغربية وتذوقي لها. فمنذ ذلك اليوم، و طوال وجوده فى موسكو، كان نجيب يعلِّمني كيف أتذوَّق اللَّحن الغربي ويشرح لي مواضيع السمفونيات، ويلفت انتباهي الى هذه النغمة أو تلك، والى خصائص الأسلوب الموسيقى لهذاالموسيقار أو ذاك. كان يفعل ذلك بتلقائية وحماسة وحب غير مصطنع للموسيقى جعلنى لا أشعر بأننى تلميذ فى حضرة معلم. وعندما سألته عن سبب تعلُّقه بالموسيقى الكلاسيكية قال إن المخرج -و كان نجيب سرور قد جاء فى بعثة حكومية لدراسة فن الإخراج المسرحي- ينبغي ان يكون على اطلاع واسع بكافة ألوان الثقافة والفنون، لأن المسرح هو مجْمع الفنون، والجهل أو قلَّة الدراية بأي لون منها يؤثر سلباً على قدرات المخرج الإبداعية وعلى مستوى حرَفيَّته.
ومنذ أن تعرَّفتُ بنجيب سرور أحسسْت بأنَّني مشدود الى هذه الشخصية الفذَّة كقطعة حديد الى مغناطيس قوي. كان فارقُ السنِّ بيننا غيرَ كبير، إذ كنتُ في العشرين، وكان هو في أواخر العشرينيات، ولكنَّ الفارق فيما عدا ذلك كان هائلاً.
كان نجيب- بالنسبة لي على الأقل - كنزاً لا يفنى من المعرفة، وشخصية متعددة المواهب الى درجة خارقة. فقد كان ممثلاً، وشاعراً، ومخرجاً، وناقداً وكاتباً. وكانت معرفته بالأدب العربي والغربي واسعة. ولكثرة ما لاحظتُ فى أشعاره من استشهادات بالتاريخ والأساطير المسيحية ظننْتُه في بداية تعارفناً مسيحياً، خاصة وأن الاسم (نجيب سرور) أقرب الى الأسماء المسيحية فى مصر. وتحرَّجت أن أسأله، ولكنه ملأ أمامي ذات مرة استمارةَ إقامة فرأيت جواز سفره، وكان اسمه فيه: محمد نجيب محمد سرور هجرس! وفيما بعد لمسْت كيف كان يستلهم فى أشعاره التاريخ والأساطير الفرعونية والإغريقية والشعبية المصرية والفلكلورية العربية، إذ كانت الرَّوافد الثقافية المختلفة تمثل لدى نجيب نهراً إنسانياً عريضاً يغترف منه كيف يشاء. أما الانتماء الديني فكان مسألة تركها وراء ظهره!
وكان نجيب شخصية معقدة، ولكنها فى غاية الغنى والعمق، منطلقة ومرحة الى أقصى حد. كان لا يكف عن إلقاء النكات والقفشات الفورية، بنتِ الساعة. وحتى فى ذروة الجد واحتدام النقاش كانت القفشة تفلتُ رغماً عنه, فينفجر الحاضرون بالضحك، وينفرط عقد التزمُّت والجدية.
ولم يفلح نجيب في تعلُّم اللغة الروسية حسب القواعد، فكان يخلط خلطاً شديداً بين حالات الإعراب الستّ فى اللغة الروسية، حتى أشاع أنه اخترع حالة جديدة، سابعة، للإعراب، هي الحالة التي يتكلم بها! ولكنه كان دائم القراءة باللغة الروسية ودؤوباً -كتلميذ- فى استخراج معاني الكلمات الجديدة من القواميس، وكأنما كان يريد أن يسبق الزمن ليطلع على الأدب الروسي بلغته الأصلية. وعندما يعجبه كتاب، سواء فى الأدب أم في الفلسفة أم في التاريخ .. كان ينكبُّ عليه وينقطع له، فلا ينام أحياناً عدَّة ليالٍ ولا يأكل إلاّ لماماً، ولكنه لا يكفُّ عن تناول الشاي والقهوة. ويظلُّ في هذه الحمأة، وهذا التوتر الذهني والعصبي حتى يفرغ من قراءة الكتاب المكتوب بلغة لا يكاد يعرفها!
وتلك كانت إحدى خصال نجيب سرور التى عرفتها فيه فيما بعد.
وكان نجيب سرور لا يكتب الشعر كثيراً.. قصيدتين أو ثلاثاً فى السنة.. ولكنه كان يعاني مخاض القصيدة بالأسابيع.. يكتب و يشطب ويمزق، و يشْرد كثيراً، ويدنْدِن لنفسه بإيقاعات ما، وأحياناً يصبح غير قادر على تحمل هذه الحالة النفسية وحده، فيبوح لي بمطلع القصيدة أو ببضعة أبيات منها، وكأنما ينفِّس عن زفْرة جاش بها صدره.
ولم يكن لنجيب سرور مثيلٌ فى إلقاء الشعر.. وشعره خاصة. وقد اجتمعتْ له ملكةُ الصوت الجهير العميق، المتوسط النَّبرة ما بين "الباص" و "الباريتون" مع القدرة على التحكُّم بمخارج الألفاظ التي اكتسبها عن دراسة فى المعهد العالى للفنون المسرحية بالقاهرة. لم يكن يقرأ الشعر بل يمثِّله، مؤدياً بصوته أدوار الشَّخصيات المختلفة إذا كانت القصيدة درامية، أو مختلفَ العواطف، اذا كانت القصيدة وجدانية. وحتى الأبيات العادية، التي ما كانت لتحرِّك فيك أحاسيس قوية لو قرأتها بنفسك، كانت تنبض بالمشاعر الجياشة في إلقاء نجيب سرور وبصوته المتفرد، وتهزُّك إلى الأعماق. و قد عرفتُ شعراءَ عديدين لا يجيدون إلقاء شعرهم، فيضيْعون الكثير من جماله، ويهدمون بصوتهم ما بنتْه قريحتُهم...
كنا نلتقى ثلاثتنا - نجيب وعدنان وأنا- فى مقهى من مقاهى موسكو, حيث يختلف الجو عن مثيله فى المقاهى الشرقية.. فالمكان هنا مغلقٌ دائماً بسبب الجو البارد وهو أقرب إلى المطعم منه إلى مقهى المشروبات الشرقي، والروَّاد يأتون ليأكلوا ويشربوا ويرقصوا. أما نحن فكنا نختار طاولة فى أحد الأركان، وننفصل بها عن كل ما كان يحيط بنا من صخَب الموسيقى، وضجَّة الأطباق والملاعق، وشهقات الثَّمالى، ونظرات الشقراوات الداعية، ودقَّات أحذية الراقصين المدوِّية. كان نجيب يقرأ لنا من أشعاره، ونحن نصغي إليه فاغري الأفواه، وعندما يلقي قصيدة حزينة كقصيدة "ألحذاء" عن والده الذى ضربه الإقطاعي أمام ابنه (نجيب) كان صوته يتهدَّج، وتنساب الدموع على خديه، وما أن ينهي القصيدة حتى نهبَّ لعناقه وتقبيله ومواساته، والدموع تسيل على خدودنا نحن أيضا!...
وكنا لا نغادر المكان إلا بعد انْفضاض جميع الروَّاد وجمع الكراسي والمفارش، وإطفاء أضواء الصَّالة، بينما نحن مندمجين مع أشعار نجيب سرور، غيرَ عابئين بما يفعله خدم المقهى لإجبارنا على الانصراف. وفي ليالي الصيف القصيرة في موسكو، إذ يحلُّ الفجر في الثانية صباحاً وتشرق الشمس فى الرابعة، كنا نَمضي متسكِّعين في شوارع موسكو النظيفة والخالية، وخاصة في وسط المدينة، ونجيب يواصل إلقاء أشعاره تحت تماثيل الشاعرين بوشكين وماياكوفسكي والأمير يوري دولجاروكي مؤسس موسكو. ونظل نضرب في الشوارع حتى الساعة السادسة، موعد افتتاح محطات المترو، لنستقلَّه فى اتجاهين متعاكسين: هو الى المدينة الجامعية الجديدة، وعدنان وأنا الى المدينة القديمة.
وسرعان ما أصبحتُ راوي أشعار نجيب سرور فى مجموعة الدارسين المصريين والسوريين فى موسكو. ورحْت أقلِّده فى طريقة إلقائه المتميزة، ونجحتُ فى ذلك الى حد ما، فقد لاحظتُ ان السَّامعين لا يعجبون بالأشعار فحسب، بل وبطريقة إلقائي لها. وشيئاً فشيئاً تجمَّعتْ حول نجيب سرور مجموعة من الطلبة الشباب المصرين والسوريين، فانتعش وارتفعت معنوياته، وبدأ يخرج من عزلته التى كان قد ضربها على نفسه عند مجيئه لموسكو، لاقتناعه -كما قال لي فيما بعد- بأن المبعوثين المصريين آنذاك( عام 1959) كانوا منتقين بعناية من أجهزة المباحث بحيث لا يفلتُ منهم تقدميٌّ واحد. أما هو فأفلتَ بأعجوبة، لأنه وصل الى موسكو فى قمَّة الحملة المعادية للشيوعية في "الجمهورية العربية المتحدة"، وهى حملة صاحبتْ إقامة الوحدة بين مصر وسوريا. ولعبتْ هذه الصدفة دوراً مأساوياً فى حياة نجيب سرور فى موسكو.
فما أنْ أفصح نجيب سرور عن انتمائه للفكر الماركسي، وأشاع انه كان عضواً بأحد التنظيمات الشيوعية فى مصر (جماعة حد تو) حتى وجد نفسه محاصَراً بشكوك وريب قوية من قادة التنظيمات الشيوعية العربية فى موسكو، وخاصة تنظيم الحزب الشيوعى السوري الذى كان يقوده فى موسكو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب اللاجئين الى الاتحاد السوفييتي. وكان مبعث الرَّيبة هو: كيف يتمكن شخص يقول انه شيوعي من المجيء الى موسكو فى هذه الفترة بالذات، ويفلت من أجهزة المباحث المصرية التى كانت فى أوج عنفوانها، بل وفوق ذلك يأتي طالباً في بعثة حكومية!
وفي محاولة منه لتبديد هذه الشكوك جنح نجيب الى التطرُّف، فلجأ الى تشكيل مجموعة من "الديمقراطيين المصريين" لإصدار البيانات واتخاذ المواقف المعادية للنظام الحاكم، واستغلَّ ذات مرة فرصة انعقاد أحد المؤتمرات التضامنية مع الشعب الكوبي فى جامعة موسكو فقفز الى المنصة واستولى عليها، وأطلق بياناً نارياً ضد "النظام القمعي الديكتاتوري" فى مصر وسوريا. وبينما هدرت القاعة المملوءة عرباً وأجانب بالتصفيق ظهر الحرج والضيق على أوجه المسؤولين في الجامعة، الذين وضعهم نجيب في ورطة شديدة. ونجحوا أخيراً في تنحيته عن المنصة ولكن بعد فوات الأوان! ففي اليوم التالي احتجَّت السفارة المصرية على جامعة موسكو، وفُصل نجيب من البعثة (هو وماهر عسل الذى ترجم له البيان وألقاه بالروسية) وألغي جوازا سفرهما، وطالبت السلطات المصرية المسؤولين السوفييت بترحيل نجيب سرور وماهر عسل إلى القاهرة فوراً!.
بهذه الحركة نجح نجيب فى كسب ثقة الشيوعيين العرب فى موسكو فدافعوا عن بقائه فيها وتكللت مساعيهم لدى السلطات السوفييتية بالنجاح فظل نجيب فى موسكو، ولكنه نُقل الى مدينة جامعية أخرى حتى لا يحتكَّ بالمبعوثين المصريين الهائجين ضده. وبمرور الوقت أدرك نجيب انه ارتكب حماقه، ولم يعد يدري ماذا يفعل بهذه المجموعة الصغيرة التى التصقت به. واعترف لنا صراحة بأنه لا يفقه شيئا فى السياسة، وأنه لا يريد أنْ يُلحق بنا الضرر، ولذلك قرَّر تركنا والانصراف الى الدراسة، ونصحَنا أنْ نحذو حذوه.
حتى ذلك الحين لم أكنْ قد ادركتُ مدى تعقد شخصية نجيب سرور فأزعجنى منه هذا السلوك الذي اعتبرتُه "غير رجولي"، ولم أستطع ان أفهم سبب هذه الأزمة التى داهمته، فى الوقت الذي بد وكأن أموره تسير الى الأفضل، بعد تبدُّد سُحُبِ الشكوك فيه وانتصاره فى المواجهة مع السلطات المصرية، وفشل الضغوط التى مورست ضده. وأخذ نجيب يبتعد عنا ويغرق في الشراب والديون. وفي هذه الفترة بدأ يكتب قصيدة "العودة" التى أورَد مقاطع منها في ديوانه "لزوم ما يلزم" وهي قصيدة مغرِقة فى اليأس والضياع والحنين إلى الوطن:
"يا مصرَ يا وطني الحبيبْ!
يا عشَّ عصفور رمتْه الرِّيحُ في عشٍّ غريبْ،
يا مَرْفئي .. آتٍ أنا آتٍ ..
ولو في جسمي المهزول آلافُ الجراح ..
وكما ذهبتُ مع الرِّياح ..
يوماً أعودُ مع الرِّياح ..
ومتى تهبُّ الرِّيح .. أو هبَّتْ ..
فهل تأتي بما يهوى الشِّراع ؟
ها أنتَ تصبحُ في الضَّياعْ ..
في اليأس.. شاةً عاجزةْ ..
ماذا لها، إنْ سُلَّتِ السِّكِّينُ، غيرُ المعجزة ؟!.. "
وهجرَ نجيب سرور المسرح الذى كان يدرس فيه تحت إشراف المخرج الكبير نيكولاي أخلوبوكوف متعلِّلا بأن أخلوبوكوف مخرج شكلي يهوى المؤثرات الصوتيه والضوئية ولا يغوص فى أعماق النص المسرحي. وقد شاهدتُ بالفعل مسرحية "هاملت" من إخراج أخلوبوكوف فأصمَّ أسماعنا دويُّ الطبول في أوركسترا المسرح، وأغشتْ أبصارنا الأضواء الباهرة التى كان يسلِّطها على الصالة. ومع ذلك لم يكن هذا هو السبب الحقيقي الذي نفَّرَ نجيب من دراسة المسرح، وإنما كانت الأزمة الحادة التي أخذت تتفاعل في أعماقه، والتي لم أستطع -رغم كل ما بذلتُ من جهد آنذاك- أن أدرك أسبابها وبواعثها. كنتُ لا أرى غير ظاهرها: الإغراق في الشراب، اليأس المُطبِق، الإحباط المطلَق. كل ما استطعت ان أدركه هو أنَّ إغراقه فى الشراب كان الوسيلة التي لم يجد سواها للهروب من أزمته. وذات مرة سألته مستنكراً -و كنت أجالسه فى أحد المطاعم-:
- لماذا تفرط فى الشَّراب الى هذا الحد؟
فأجاب:
- لكى أنسى!
قلت له:
- وما الذى تريد أن تنساه؟
فأجاب بروح دعابته الحاضرة دائماً:
- وهل تراني أذكر!
في أواخر فترة وجوده فى موسكو، حوالي عام 1963 بدأ نجيب يُكْثر من الحديث عن النفوذ الصهيوني فى الاتحاد السوفييتي. واستنكرْنا منه ذلك بشدَّة، إذ كنا نعيش في "عصر الأممية"، ولم نصدِّق ان الاتحاد السوفييتي العظيم يمكن ان يكون خاضعاً للنفوذ الصهيوني، و اعتبرْنا -أنا وزملائى- أن نجيب يغالي كعادته، وخاصة في ظل تفاقم أزمته الشخصية. وبعد ذلك بسنوات أدركتُ مدى صواب ما يقال عن عين الفنان التى ترى ما وراء الظَّاهر وتغوص الى أعماق الاشياء، وتكشف لنا ما لا نراه مثل عينى زرقاء اليمامة! و أنا لا أريد هنا ان أقول أن نجيب سرور كان محقَّاً تماماً آنذاك، بيد أنه رأى بوادر الظاهرة التى لم تتكشف لنا إلا فيما بعد.
ثم وقعت الحادثة التى وضعت نهايةً لبقاء نجيب سرور فى موسكو...
كان يسامر أحد الأصدقاء اليمنيين فحدثتْ مشاحنةٌ بينه وبين أحد الرواد الذي ظنَّهما يهينانه. وتدخَّل رجال الشرطة وحاولوا اقتياده بلَيِّ ذراعيه. وكان نجيب قوى البنية، فتخلَّص منهم بقوة اعتبروها مقاومة، فاجتمعوا عليه واقتادوه الى مبنى الشرطة حيث أوسعوه ضرباً. وقال لي نجيب وهو يروي هذه الواقعة: لقد بكيت آنذاك ليس من الألم بل على انهيار المثال، وأحسسْتُ أنه لا فرق بين شرطة سوفييتية ومباحث مصرية، فكلها أجهزة قمع، وإنما نحن الذين صدَّقنا الأوهام عن "إنسانية الإشتراكية".. وكعادته "نظَّر" ( بتشديد الظاء) نجيب لهذا الحدث واختزل فيه كل جوانب الظاهرة!
وسافر نجيب الى بودابست بدعوة من أحد اللاجئين السياسين المصريين هناك، حيث عمل في القسم العربى بإذاعة بودابست، والتفَّ حوله العرب ورحَّبوا به، ولكن سرعان ما عاودتْه أزمته التى لم يفلح تغييرُ المكان في إطفاء جذوتها، وكان يتصل بي من هناك هاتفياً، مؤكداً على استفحال النفوذ الصهيوني لا في القسم العربي في الإذاعة فحسب بل وفي معظم أوجه الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في المجر. وبالطبع أخذتُ ما قاله على محمل المبالغة المعهودة فيه...
وذات مرة اتصل بي من بودابست، و كان ذلك فى ربيع عام 1964، وطلب من عاملة البدَّالة أن تكون المكالمة على حسابي، فوافقتُ مستغرباً، وعندما تمَّ الاتصال أخبرني انه طلب ذلك لأنه لا يملك ثمن المكالمة، وقال بصوت متهدِّج أفجعتْني نبرته المتهالكة إنه جائع ولم يأكل منذ أيام، وسيذهب غداً الى السفارة المصرية "ليسلِّم نفسه" (كما قال) لأنه لم يعد يحتمل الزيف المحيط به، ويريد ان يعود الى مصر ليموت فيها، مثل سنوحي!
رجوته انْ يهدأ وألا يتسرع وسنحاول تدبير الأمر، ولكنه أصرَّ قائلاً انه لم يعد ثمة معنى للاستمرار في لعبة الخداع، فالعالم كله لصوص ومخدوعون، وما المذاهب الا أساليب يلجأ اليها اللصوص لتغطية سرقاتهم. وبهذه المناسبة فقد كتب نجيب سرور فى بودابست قصيدته الشهيرة "المسيح واللُّصوص" حيث "اتَّهم" فيها المسيح بأنه السَّبب في ظهور اللصوص الذين أخذوا يتاجرون باسمه، وباسمه يحكمون!
وحين يحاول "مسيح نجيب سرور" أن يرد على الشاعر بأنه سيعود ليصحِّح الأوضاع يجادله الشاعر:
- الآبُّ قال بأنني حتماً أعودْ
مَلِكاً على أرض البشرْ
لتَسودَ في الناس المسرَّةُ و السَّلامْ!
- لو عُدْتَ.. مَن ذاَ يعرِفُكْ؟
- سأقول: جئْتُ أنا المسيحْ!
- سيطالبونَكَ بالدَّليلْ
- ستكونُ في جيبي البطاقةُ والجوازْ
- هذا قليلْ ..
ما أسهلَ التزويرَ للأوراقِ في عصرِ اللصوص
ولديهمُ (الخبراءُ) سوف يؤكِّدونْ
إنَّ الهويَّةَ زائفةْ!
- لكنْ عليها الخِتمُ .. خِتمُ الآبّْ!!
- يا بئسَ الدليلْ!
سيؤكدُ الخبراءُ أن الخِتمَ برهانٌ على زَيفِ الهويَّةْ!
- سأريهمُ هذي الثقوبْ ..
فى جبْهتي -انْظُرْ- وفي الكفَّينِ,
في الرِّجْلَينِ ..
جئتُ أنا المسيحْ!
سيقول لوقا: قالَ مُرْقصُ
إنَّ متََّى قال، يوحنَّا يقولْ:
"فى البِدءِ كانَ الأمرُ "إصلبْ
والآن صار الصَّلب أوجَبْ!"
حتماً ستُصلبُ من جديدْ
همْ في انْتِظاركَ-كلُّ اتباعِكَ، قطعانُ اللُّصوص-
همْ في انْتظاركََ بالصَّليبْ ..
ماذا؟ أتبكي؟ كلُّ شيءٍ مضحكٌ حتى الدُّموعْ!
ألعصْرُ يَضْحَكُ مِن دموعكَ, مَِن دموعي, عصرُنا
عصرُ اللُّصوصْ,
بل أنتَ... حتى انتَ لِصٌّ!
لو لم تكنْ ما كان في الأرض اللُّصوصْ!
حتى أنا لِصٌّ.. ألمْ أُخْدعْ طويلاً باللُّصوص؟!
ونقول، بين قوسين، إن الأديب المصري الكبير يوسف إدريس كتبَ فى نفس الفترة تقريباً مسرحية "المخطِّطين" التي تتصدَّى أيضاً لظاهرة استيلاء "جماعة المنتفعين" على الحكم, ومنع أيِّ محاولة لتصحيح الأوضاع حتى لو كانت مِن صاحب الفكرة نفسها! وهذا دليل على انتشار ظاهرة عدم الثقة فى الأنظمة الحاكمة آنذاك، والتي كانت تتشدَّق بالشعارات الديماغوجية عن الحرية والديموقراطية والاشتراكية فى غيبة تامة لهذه المثل.
على أنَّ نجيب سرور قد كتب فى نفس الفترة فى بودابست روايته الشعرية الرائعة "ياسين و بهية" التى حوَّلها المخرج كرم مطاوع الى مسرحية قُدِّمتْ على "مسرح الجيب" فى القاهرة عام 1965 بعد عودة نجيب سرور الى مصر. وتمثل هذه الرواية رؤية جديدة لقصة "ياسين وبهية" المعروفة فى الأدب الشعبى المصرى, إذ يجعل نجيب من بطلها مناضلاً ضد الإقطاع وثائراً على الظلم, ومضحيَّاً بحياته في سبيل تحرير الفلاحين، كاسبارتاكوس مُحرِّر العبيد في روما.
فكيف اجتمع فى نفس نجيب ذلك الضياع الخانق واليأس المطلق مع هذا الإيمان الحار بعدالة النضال من أجل الحرية، والثورة على الظلم والاضطهاد؟ أهي أصداء مرارته القديمة من الإقطاع الذى أهان الوالد أمام ابنه الصغير؟.. أم هي روح الفلاح المصرى الكامنة فى أعماق نجيب سرور, والتى تتجاوز الإيمان أو الكفر بالنظريات والمذاهب، لأن النظريات تقوم وتسقط, أما الأرضية الفلاحية الضاربة في عمق التاريخ المصرى لآلاف السنين, فتبقى هي الأساس الراسخ الذي ينقذ من اليأس والضَّياع. وبالفعل فلو تجاوزنا الخط المتعرج والمتأزم لحياة نجيب سرور, فسنجد خطَّه الإبداعي، ممثَّلاً في مسرحياته التالية لـ"ياسين و بهية", "آه يا ليل يا قمر", قولوا لعين الشمس.." , هو خط نضال العامل المصري والجندى المصري - بعد الفلاح في ياسين وبهية- ضد الظلم الطبقي والإستعمار الأجنبى. ولهذا فبوسعي أن اقول إن نجيب سرور, رغم كل شطحاته وتقلُّباته وضياعه وأزماته, كان فناناً ملتزماً بقضايا شعبه ووطنه على المستويَين المصري والعربي, حتى الرَّمق الأخير...
و كم مرة طرحتُ على نفسي هذا السؤال: ما السبب فى الأزمة التى لازمتْ نجيب سرور طوال حياته القصيرة وكانت السبب فى رحيله المبكر؟
فى البداية ظننتُه الاضطهاد.. ولكن نجيب عاد الى مصر فلم يتعرض للملاحقة والسَّجن.. وكنتُ أظنه الظُّلم وحرمانه من فرصة تحقيق مواهبه.. ولكنه نشر دواوينه ومسرحياته، ومثَّل على المسرح وفي التليفزيون، وأخرج للمسرح وأُخرِجَتْ له مسرحياته.. ربما لم ينل كل ما كان يريد.. و لكنه لم يُحرم تماماً... ثمة تفسير منطقى واحد لهذه الأزمة, لا أجد غيره..
إنه الصراع فى نفسية الشاعر بين الواقع المرفوض.. والمثال المستحيل..
انه مأساة العقل, الذي يحفر كالمثقاب في طبقات الزيف والأكاذيب ليصل الى الحقيقة, ولكنه للأسف يواصل الحفر حتى يخرج الى الجانب الآخر, محْدثا ثغْرة في السدّ تتَّسع مع الزمن لتندفع منها المياه المخزونة مدمِّرة كل شىء!...
الفنان شمعة تحترق.. لتضىء لنا الدرب الى الحقيقة, والخير, والجمال... ونجيب سرور فنان لم يدَّخر ضوءَه, فاحترق سريعاً كشهاب مَرَقَ في سمائنا, ولكنه ترك في نفسي, وفي نفوس الكثيرين غيري, أثراً ساطعاً لا يُنسى.. لأنه أثر الموهبة المبدعة...
د . أبو بكر يوسف – موسكو