ماركس الفيلسوف يتألق من جديد

عطية مسوح قرأها 6
 

ماركس الفيلسوف يتألق من جديد

عطية مسوح

بعد انهيار النظام السوفييتي كثرت الكتابات عن (انهيار الماركسية). فدعاة الرأسمالية وجدوا انهيار عدوّهم التاريخي فرصة للإجهاز على الأفكار التي أعلن تبنّيها والاسترشاد بها.

وكثير ممن كانوا ينسبون أنفسهم إلى الماركسية تخلوا عنها، وارتدّ بعضهم إلى ضفاف فكرية أخرى، مثالية أو غيبية أو تقليدية، بينما تشدَّد ماركسيون آخرون في دفاعهم عن تجربة الأنظمة التي انهارت والحركة التي أقامتها أو دارت في فلكها على امتداد ثلاثة أرباع القرن.

كان هذا التشدّد ردّة فعل دفاعية، قد نجد لها ما يسوّغها في ظروف الهجمة الرأسمالية على الفكر الاشتراكي وكثير من مكتسبات الفئات الشعبية، وفي ظل السعي لفرض قطب عالمي واحد يتحكَّم بالبشرية وينشر رايات الاستغلال والعدوان على الكرة الأرضية بأكملها.

لكن هذا التشدّد الذي قد نجد له ما يسوّغه، ليس هو الطريق النافع والمفيد للحركة الاشتراكية واليسارية في الظروف الحاضرة، وليس هو طريق النهوض والعودة إلى الفاعلية في هذا العالم الذي تغيّر تغيّراً جذرياً بدأ في الربع الأخير من القرن العشرين، ولا يزال مستمراً في تغيره العميق. بل إن التشدد ذاته، واتخاذ الماركسية ديناً لا يقبل النقد أو التجديد، كان أحد العوامل الجوهرية في انهيار الأنظمة وتراجع الحركات التي نسبت إليها.

هذه المسألة تثير اهتمام الماركسيين في زمننا، ويبدو أن الكثيرين منهم بدؤوا في طريق البحث التجديدي، من منطلق قناعتهم بأن الفلسفة الماركسية، بوصفها فلسفة حرية، ولأنها تجد العدل طريقاً إلى الحرية الحقيقية، ما تزال هي الفلسفة الأقدر على التعامل مع قضايا الواقع والتغيير في ظل الأنظمة الرأسمالية والاستغلالية، وما تزال تشكل قاعدة فكرية ومنهجية أساسية لحركات التغيير.

وإذا كان بين من قالوا بانهيار الماركسية، منظّرون رأسماليون يعملون في مؤسسات بحثية تابعة لكبرى الاحتكارات الرأسمالية، فإن بينهم من ساقتهم الموجة بسبب عدم فهمهم العميق لحقيقة النظام الرأسمالي، وعدم ثقتهم بقدرة الناس، ولا سيما المتنوّرين، على السعي لإيجاد البدائل الأفضل للأنظمة والحركات التي انهارت، لأن السعي إلى العدل والحرية لم يتوقف منذ أن بدأ الناس يعيشون في مجتمعات منظمة ميّزت عالمهم من عالم الحيوان، ولن يتوقف أبداً، لأن العدل والحرية بلا سقف، ولأن ثمة من يسعون، في كل زمان ومكان، إلى الالتفاف عليهما مدفوعين بمصالحهم الضيقة.

لقد أثبتت تجربة العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين أن الناس لا يقبلون أنظمة تمنع الحرية الفكرية والسياسية، وتلغي التعددية والتنوع الفكري والسياسي، وتضيّق حرية الرأي والتعبير، وتضع ما عرف بـ (المساواتية) محل المساواة في الفرص والعدل في توزيع الثروة. لكن تجربة البشرية وأحداث السنوات الأخيرة بينت أيضاً أن الناس لا يقبلون الأنظمة التي تلغي العدلَ تحت اسم الحرية، وترى الحرية هي حرية إفقار الناس ونهبهم، بل نهب الدولة والالتفاف على كل القوانين التي لا تُيَسِّر لهم الإمعان في ذلك النهب.

الأحداث المالية الأخيرة في الولايات المتحدة، وما بدأ ينجم عنها من آثار خطيرة على المؤسسات المالية في أوربا وجنوب شرقي آسيا، وما ستخلّفه من أذى للشعوب كلها، دلّت على أن تحليل ماركس الفيلسوف لطبيعة النظام الاستغلالي الرأسمالي، والكوارث التي قد تنتج عن (فوضى الإنتاج) وتجاوز الضوابط، لا يزال تحليلاً صحيحاً في أساسه وهيكله العام، وأن منهج ماركس الفلسفي لا يزال صحيحاً، ذلك المنهج الذي أوصله إلى الاستنتاج بأن الاستغلال الرأسمالي هو العامل الحاسم في اغتراب الإنسان، ولا سيما الكادح، وأن تجاوز الاستغلال هو الحلقة الحاسمة في مسيرة الإنسان نحو الحرية، التي لا تكون بغير العدل، لأن الحرية أساساً هي العدل بين الناس، ولأن العدلَ أساساً هو توفير الحرية للفرد كي يكون عنصراً فاعلاً في الحياة الاجتماعية.

إن النضال من أجل العدالة، عبر إجراءات وتدابير وخطوات تراكمية متزايدة، لا يمكن أن يثمر إذا أطلق العنان للمتحكمين بثروة المجتمع، كي يعملوا ما يشاؤون، فالجشع والتوحش سمتان ملازمتان للاستغلال الرأسمالي، وحماية الفئات الشعبية من الكوارث التي يسببها هذا الاستغلال، هو من واجبات الدولة حتى في النظام الرأسمالي ذاته.

أما الحركات اليسارية والاشتراكية، فهي ـ في ظل أنظمة الاستغلال ـ العين الساهرة على مصالح الكادحين. وكي تكون فاعلة ومؤثرة، عليها أن تكون مواكبة للزمن متفهمة للتغيُّر الجذري الذي أصاب العالم في ظل ثورة المعلومات والاتصالات والتقنيات وغيرها، أي عليها أن تكون جديدة كل الجدة، فالقديم لم يعد صالحاً ولا فعالاً.

أما ماركس الفيلسوف فلم يكن متألقاً في يوم من الأيام كما هو متألق اليوم.