المدرسة التي بناها تولستوي لتعليم الفلاحين فن الكتابة

د. أحمد الخميسي قرأها 6
 

المدرسة التي بناها تولستوي لتعليم الفلاحين فن الكتابة

د. أحمد الخميسي

Ahmad%20Al%20Khamisi%2001.jpg

مازالت المدرسة التي شيدها الكاتب العملاق ليف تولستوي في ضيعته ياسنايا بوليانا قائمة شاهداً على عبقرية روحية وعقلية جمعت إلى عظمة الأدب نبل الدعوة الفكرية والأخلاقية.

تذكّرتْ صحفٌ روسية تلك المدرسة خلال الاحتفال في التاسع من سبتمبر بمرور مئة وثمانين عاماً على مولد الكاتب العظيم الذي قال عنه أنطون تشيخوف إنه "بوصلة الحركة الأدبية الروسية التي نهتدي بها جميعاً".

بنى تولستوي المدرسة لتعليم أبناء الفلاحين مجاناً، واستمرت التجربة ثلاث سنوات من 1859 حتى 1862 ، كان تولستوي خلالها يقوم بنفسه بتدريس مادة "فن الكتابة الأدبية" التي قررها على أبناء الفلاحين الفقراء ضمن اثنتي عشرة مادة أخرى من اختياره. وكان تولستوي يطلب من الصِّبْية أن يكتبوا فقط عما يعرفونه، عن حياتهم، وعن القرية، وما يعنّ لهم مما يشاهدونه. وفي تلك الأثناء أصدر مجلة تعليمية دورية باسم ضيعته "ياسنايا بوليانا" شرح على صفحاتها فكرته في التعليم. وله ضمن مقالاته المنشورة فيها مقال ممتع بعنوان "من يعلم من الكتابة؟" قال فيه: "يفاجئني أحياناً صبيٌّ فلاح نصف متعلم ويظهر بلا حدود قوة فنان مدرك، لايستطيع أن يبلغ مداها المدهش حتى كاتب مثل جوته"! ومازال متحف تولستوي يحتفظ بمئة وثلاثة وأربعين ورقة من التعبير الأدبي الذي كتبه الأولاد حينذاك، واحدة منها تحكي عن فلاح مخمور تتشاجر معه زوجته بسبب الخمر وتضربه، وأخرى يصف فيها الولد تولستوي وكيف دخل قاعة الدرس إليهم بوجنتين مترهلتين وهو يحك رأسه، فصاح فيه الولد مدهوشا "لماذا أنت عجوز هكذا؟" فأجابه تولستوي "نعم أصبحت مثل جوال مثقوب يتساقط منه الدقيق".

وفي عام 1862 تزوج تولستوي وشغلته حياته الجديدة عن المدرسة التي مازالت قائمة تشهد بأن الإنسان قادر على خيانة طبقته، مرة حين يكون إقطاعياً ثريا مثل تولستوي ويتخلّى عن كل شيء متجهاً إلى الشعب، ومرات بلا نهاية حين يتخلّى عن طبقته الفقيرة صاعداً إلى أعلى.

وبمناسبة الاحتفال بمرور مئة وثمانين عاماً على مولد الكاتب العظيم توافد إلي موسكو أحفاد أحفاده وعددهم مائة وعشرون من إيطاليا وبريطانيا وألمانيا وغيرها واجتمعوا في"ياسنايا بوليانا" مسقط رأس الكاتب الذي يمتد تاريخ عائلته إلى القرن الرابع عشر. وافتتحت العاصمة الروسية متحفاً باسم "تاريخ عائلة تولستوي هو تاريخ روسيا".

ويجتمع أحفاد تولستوي مرة كل عامين، وهو تقليد تم إرساؤه منذ عام 1991. وقد أشار أحد أحفاده – وهو ميخائيل تولستوي - في لقاء تلفزيوني إلى ثلاثة آخرين يحيطون به قائلاً: "لم تمت جرثومة الأدب في عائلة تولستوي، فهذا يكتب الروايات، وهذه تكتب الشعر وأنا أكتب القصة القصيرة، وهكذا فإن تولستوي لايغادر مسرح الأدب"!.

جدير بالذكر أن ابن تولستوي مباشرة، وهو ليف لفوفتش تولستوي، كان أديباً وكاتباً ، وله مجموعة قصص للأطفال في جزئين، وكتاب بعنوان "سنوات الجوع" وغير ذلك، وقد ترجمت أعماله إلى لغات عديدة.

وقد استعدت السينما الروسية لهذه المناسبة منذ أبريل هذا العام بالعكوف على فيلم عن السنوات الأخيرة من حياة تولستوي، معتمداً على وثائق تاريخية وشهادات وذكريات من عرفوا الكاتب حينذاك ومراسلاته وذكرياته. وقد خرج إلى النور منذ عام ونصف فيلم يتناول الفترة التي قضاها تولستوي منذ أن هجر بيته وأسرته وهام على وجهه وصولاً إلى محطة القطار، من إخراج ألكسندر باسوف.

يارب عقبى لنا ، شويّة أفلام واهتمام بحياة يحيي حقي، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ. إذ لا يمكن أن يقتصر الاحتفال بالثقافة على المهرجانات والموائد الحافلة بالسندويتشات، وتبادل المجاملات، وإهدار المال العام فيما لا نفع منه ولا طائل وراءه.

Tolstoi%2001.JPG

أحمد الخميسي . كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com