.. و"كورال الفيحاء" في قصر "الأونيسكو": - تراثنا بأسلوب الأكابيلا

سحر طه قرأها 6
 

.. و"كورال الفيحاء" في قصر "الأونيسكو":

تراثنا بأسلوب الأكابيلا

سحر طه

بدعوة من "تيار المستقبل" أحيا "كورال الفيحاء" بقيادة المايسترو باركيف تاسلاكيان، أول من أمس حفلاً غنائياً بطريقة "أكابيلا"، في قاعة قصر الأونيسكو، بحضور فعاليات لبنانية وديبلوماسية عربية وغربية ومتابعي الفرقة التي بات لها جمهورها، آتية من طربلس الفيحاء لتقدم وجه المدينة الحقيقي، الثقافي والحضاري.

أن نستمع إلى كورس جماعي فهو ما ألفناه مراراً، إلا أن فرادة "كورال الفيحاء" وتميزه يأتي من كونه الوحيد من نوعه في منطقتنا العربية، حيث يقدم غناء يحمل معاني الرقي والروحانية، غناء يمجد الصوت البشري، حسب قول الشاعر هنري زغيب في مقدمته التي ألقاها معرِّفاً بها الحضور على مسيرة الفرقة، إذ رافقها في مراحلها المتعددة، وصولاً إلى الجائزة الأولى كأفضل كورس في العالم، حازتها العام الماضي في وارسو عاصمة الغناء المتقن في العالم، حين تبارت مع 47 فرقة من سبع وأربعين دولة.

هذا الغناء غربي المنشأ، وتحديداً من إيطاليا، يعتمد على الأصوات البشرية فحسب في أداءاتها لأنماط الغناء المتنوعة، من دون آلات موسيقية، حيث تحل الحناجر مكانها، بعد أن يتم تقسيم الأصوات حسب التقنيات الغربية إلى طبقات، فللرجال تحدد حناجر طبقة التينور على حدة وهي ذات النبرة الحادة، وطبقة الباريتون ذات النبرة المتوسطة، ثم الباص ذات النبرة الخفيضة العريضة، فيما تحدد حناجر النساء ضمن طبقات: السوبرانو وهي الحادة والميتزو سوبرانو وهي المتوسطة، والألتو وهي الخفيضة، وهي ضمن هذه التقسيمات باتت قادرة على تقديم الوجه الآخر للألحان العربية، بقيمة أخرى، ووجهة نظر مختلفة، ما يدل على قدرة موسيقانا على التأقلم مع أي أسلوب موسيقي وغنائي تقدم به، وبالتالي إمكانية الوصول إلى الأذن أينما كانت ومن أي بيئة أتت، ولو لم يكن الأمر كذلك لما استطاعت الفرقة الوصول إلى المرتبة الأولى عبر أربعة ألحان كانت مطلوبة منها من قبل لجنة المسابقة، إضافة إلى تنويه خاص وتقدير لقائدها تاسلاكيان من من هذه اللجنة التي ضمت يومها كبار الموسيقيين من العالم.

من هنا فإن "كورال الفيحاء" تقدم التوزيع الجديد الذي يكتب خصيصاً لأصوات الكورس على أغنيات والحان قديمة أو حديثة معروفة، فاستمعنا منها إلى التراث الشعبي العربي والأرمني والغربي معاً بطريقة الأكابيلا، ونجد لمسة الموسيقي المتخصص إدوارد طوروكيان، في إعادة كتابة غالبية الأعمال التي تؤديها الفرقة، وأحياناً يقوم سالم بالي بهذه المهمة، في حين يقوم المايسترو باركيف تاسلاكيان بتدريب الأعضاء عليها وبشكل صارم لكي تخرج بتقنية بالغة لا تقل احترافية عن الفرق الأجنبية بل توازيها وتبزها أحياناً.

برنامج طويل من 24 أغنية، قسمه تاسلاكيان إلى قسمين جال فيه وفريقه على العراق ومصر ولبنان وسوريا وارمينيا، وأغنيات مثل: "فوق النخل"، "في قهوة عالمفرق"، "نحنا والقمر جيران"، "يالأسمر اللون"، ثم "خمس معزات" من الأرمني الشهير كومتياس، "طل وسألني وبعدك على بالي"، في غناء منفرد من السوبرانو رولا أبو بكر، والتي أسند إليها تاسلاكيان كل الغناءات المنفردة، بخاصة في أغنيات فيروز والرحابنة.

فيما أدى الكورس أغنية الراحل زكي ناصيف "مهما يتجرّح بلدنا" من كتابته ولحنه وتوزيعه معاً، وأيضاً "فراشه وزهرة"، ثم عرّج على موشّح "لما بدا يتثّنى"، في غناء من التينور رامي دندشي وعودة إلى الرحابنة مراراً، و"نسّم علينا الهوى"، ولحن أرمني "ليلة هادئة".

أغنية "يا بيروت يا ست الدنيا" قدمها الكورال تحية للشهيد رفيق الحريري، وكانت المشاركة الموسيقية الوحيدة مع ماريا بارازيان على البيانو، في الأغنية التي لحنها فاروق سلامة لماجدة الرومي وغناء منفرد لرولا أبو بكر، وكأن الفريق اعتاد عدم دخول الآلة الموسيقية دخيلة بين الاصوات، فأحسسنا ببعض التفاوت بينهما.

ولفتنا تقديم أغنية شعبية "سوق النورية" عبر طريقة الأكابيلا، حيث شاء تاسلاكيان أن يأتي بعبارات شعبية ومن عمق الأحياء إلى خشبة المسرح ليقول ان فن الشعوب يمكن أن يحضر أينما كان.

أما الألحان الأربعة التي حدّدتها لجنة المباراة فهي: لحن دينيي، فلكلوري، من ملحن جديد ولحن حر، فأما الأغنية الحرة فاختار المايسترو من أستاذه كوميتاس، الأرمني، تحكي أوجاع الشعب ومعاناته، ومن لحن لبول مكارتني اختار "ميشيل" لفريق البيتلز التي اشتهرت في الستينيات، ومن ثم اختار لحن الرحابنة "أنا وشادي" كتحية للقضية الفلسطينية، وأخيراً ختم بـ"زهرة المدائن" تحية للقدس قدم فيها "كورال الفيحاء" وقائده وموزعو الغناء مهارات شتى وتقنيات حرفية عالية، اكدت على حرص على النجاح، ففي لحن واحد استمعنا إلى تراتيل سريانية ومارونية والأذان في الجوامع وصلاة لاتينية أرثودكسية وكأنها بانوراما أو صورة حقيقية لما عليه مجتمعنا العربي عامة واللبناني خاصة، وبخاصة هذا الكورس الذي ضم كل الطوائف والانتماءات والأديان والأحزاب، اجتمعوا بنغمة روحانية تمجد الله والإنسان والصوت البشري.

ولم ينس باركيف تاسلاكيان أن ينوه بالدعم الكبير الذي تلقاه الفرقة من مؤسسة الحريري خاصة ان النائب سعد الحريري رئيس تيار "المستقبل" نوّه بجهود المايسترو والكورال، إضافة إلى دعم اتحاد بلديات طرابلس الفيحاء وكذلك مؤسسة الصفدي، ولولا هذا الدعم لما تمكنت الفرقة من الاستمرار والعطاء.

المستقبل