لهـذا.. أنا متفـائـل!

عطية مسوح قرأها 6
 

لهـذا.. أنا متفـائـل!

عطية مسُّوح

أذكر أن الرفيق الراحل، المناضل والمثقف الشيوعي ظهير عبد الصمد، كتب في إحدى مقالاته في أواسط ثمانينيات القرن العشرين عبارة أثارت التساؤل والامتعاض لدى كثير من أعضاء الحزب، الذي كان في ذلك الحين أحد قادته البارزين.

تفيد تلك العبارة أن الحزب كالكائن الحي، يولد وينمو ويشبّ ويقوى ويضعف ويشيخ ويموت. وقد علّق الكثيرون ـ على ما أذكر ـ تعليقات رافضة محتوى هذه العبارة، ورمى بعضهم الرفيق عبد الصمد (بتهمة) اليأس، وقالوا: إنه يبشّر بموت الحزب، ووجدوا أن مثل هذه الكتابات تنشر اليأس بين أعضاء الأحزاب التقدمية والثورية، وتدفع بهم إلى الانكفاء.

فيما بعد، تبيّن من سلوك الرفيق ظهير ومقالاته، ومن أحاديثه الشفوية، ومن رسالته التي وجّهها إلى المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي السوري، وكان حينذاك على فراش مرضه الأخير يلوح للدنيا والحزب والأهل والأصدقاء تلويحة الوداع، تَبين أنه لم يكن يائساً، وأنه ظل حريصاً على انتمائه، بل على تفاؤله، إلى آخر لحظة من حياته.

وتبين، حتى للذين انتقدوا عبارته تلك، ووجدوا فيها تعبيراً عن اليأس ودفعاً إليه، أن هذا المناضل المفكر، اعتاد أن يعرض أفكاراً بجرأة ووضوح، غير آبه بما قد يقال له من التهم وغير متذمّر من النقد، بل واجداً في النقد والحوار ضرورة لنمو الفكر وتصحيح المواقف، وأن أمثاله يحمون حرية التفكير في الأحزاب، ويشجعون أعضاءها على إبداء آرائهم دون خوف، كما يشجعونهم على قبول النقد والاستمرار في الحوار وعدم غلق أبواب الاجتهاد والتفكير.

لماذا أسترجع عبارة ظهير عبد الصمد تلك؟

أقول صراحة، إنها من العبارات التي توقفت عندها طويلاً، ولا أزال أرددها وأفكر بها، وقد استلهمتها في كثير من كتاباتي وأبحاثي المتصلة بالأحزاب الشيوعية والاشتراكية وحركة اليسار عامة، وأنا مقتنع بها قناعة كاملة، تعزّزها عودتي إلى تاريخ الحركات الإنسانية المناهضة للظلم والاستبداد والاستغلال، والداعية إلى الحرية والعدالة، عبر التاريخ.

في كل زمن ومكان كانت تنشأ حركات مضادة للظلم والتفاوت الاجتماعي والطبقي، داعية إلى الحرية والعدل، وفي كل مرحلة كانت تلك الحركات تقوم بدورها، مشيرة إلى مواقع الظلم والاستغلال وأسبابهما، مقترحة البدائل، مقدمة التضحيات. وكانت تلك الحركات تترك أثراً إيجابياً في ساحة نضالها، وتترك أفكاراً وقيماً تبقى حية في الضمائر، وترسخ في عقول الناس وثقافاتهم، وتنتقل من جيل إلى جيل، ويضيف إليها مناضلو كل جيل أو مرحلة لاحقة ما يضيفون، ويسقطون منها ما يسقطون، فتكون حركات الحرية والعدل في كل مرحلة، حلقة من حلقات النضال الإنساني المتصاعد.

وإذا نظرنا إلى مآل تلك الحركات بعمق، نظرة تاريخية وفلسفية متبصرة، فسنجد أنها، وإن ماتت ككيان محدد، حلّت فيما أتى بعدها من حركات وأثرت في الأفكار التي استولدها الناس من الواقع  ومن تجربتها، وما موتها إلا نوع من أنواع التحول المعروف في الطبيعة والمجتمعات الإنسانية والكائنات الحية.

بمثل هذه النظرة، يظل المفكر والمثقف والمناضل متفائلاً، حتى وهو يشاهد حزبه، والأحزاب الأخرى، تعيش حالة من الترهّل والتراجع والضعف. وحتى إذا استنتج أنها تسير نحو نهايتها، فليست النهاية هنا إلا تعبيراً عن ضرورة تاريخية، أي عن مقتضيات استمرار النضال الإنساني متكيفاً مع التبدلات والتغيرات الموضوعية.

النضال الإنساني، عبر العصور، كانت تحكمه مقولة موت القديم وولادة الجديد، ولا يخرج عن ذلك مجتمع أو حركة أو حزب أو فلسفة أو ثقافة. لكن الموت لا يعني انتفاء الأثر، فالأثر موجود كما ذكرنا في كل جديد يولد، وما الجديد إلا حلقة تراكمية في سلسلة السعي الإنساني إلى الحرية والعدل.

الكثيرون من المناضلين، أعضاء الأحزاب والحركات التي أخذت على عاتقها مهمة التغيير التقدمي، قد يجدون في قولي هذا ما يدعو إلى الألم، وقد يستفزّ عواطفهم ومشاعرهم، وقد يتحرك الموروث والمخزون الفكري لديهم باتجاه رفض هذه الفكرة، وهم على شيء من الحق، وكثير من الإخلاص، فليس سهلاً أن يقتنع المناضل أن حركته ستصاب بما يصاب به الكائن الحي، وقد يعلّل نفسه بأن الترهّل والرّكود والتراجع ليست سوى ملامح آنية لها ظروفها، وأن النهوض آت لا محالة. لكن هذه الرؤية المشروعة لا تقود ـ باعتقادي ـ إلى الصواب، والصواب ـ باعتقادي أيضاً ـ هو أن تدرس الحركات والأحزاب، ويناقش المفكرون والمناضلون والسياسيون، تطورات الواقع ومستجداته، وأسباب الهوة التي تزداد اتساعاً بين حركات التغيير ومقتضيات الواقع وأفكار الناس. وإذا وجدوا أن حركاتهم لم تعد هي المطلوبة تاريخياً وواقعياً، فمن واجبهم أن يقوموا بدورهم التاريخي أيضاً، وهو الإسهام في تهيئة المناخ المناسبِ لولادةِ جديدٍ يحلُّ محلَّهم، وحركات تتابع مسيرة النضال من أجل العدل والحرية.

لقد تبدل الواقع تبدلاً جذرياً، وليس الانتقال من قرن إلى قرن مجرد مسألة زمنية، فنحن في قرن جديد، له ملامحه وخصائصه، ولا بد لحركات النضال من أجل الحرية والعدالة، والأحزاب الاشتراكية والشيوعية خاصة، من أن تكون جديدة كل الجدة، استجابة لفكرة موت القديم وولادة الجديد. وأعود للقول، إن الموت ليس عيباً، بل هو قانون الحياة، كالولادة والنمو، وكما أن موت الأب بكل ما يثيره من ألم في الابن، هو أمر موضوعي، وهو لا يعني أن ذلك الأب كان سيئاً، فكذلك لا تعني نهاية حركة ما، وولادة بدائلها، أنها كانت حركة سيئة، بل يعني أنها قامت بدورها، نجحت وقصّرت، أصابت وأخطأت، وقدم أعضاؤها الجهد والتضحيات، وسيظل ذلك كله خالداً وحياً في الضمائر، وستجد كل إيجابياته طريقها إلى الحركات البديلة التي تتواصل معها، وتختلف عنها بالضرورة.

بهذا المنطق أجدني على درجة عالية من التفاؤل والثقة بالمستقبل، فالناس يعرفون في كل زمن كيف يُنشئون حركاتهم المناضلة، ويطوّرون أفكارهم، وإذا شاهدنا تلكؤاً أو تراجعاً أو انبعاثاً لأفكار رجعية هنا وهناك، وإذا وجدنا توحُّشاً يمارسه قطب عالمي متسلّط، فما ذاك بالأمر الخالد المستمر، لأن مسيرة الإنسان نحو الأفضل، أي نحو الحرية والعدل، نحو الاشتراكية، لا تتوقف، برغم التعرجات والعثرات.