قصَّتنا في الشرق ..
|
نامت المدينة كعادتها كل ليلة.. احتضنتْ فقرها، بؤسها، أنين أطفالها الجياع وأغمضت عينيها لتحاول أن تنتزع حلماً من هذا العالم وهو ينام.. كان عسَسُ الحاكم الساهرون يرصدون أنَّات الناس يحصون حركاتهم.. في بيتٍ كسائر البيوت حاول شابٌ أن ينام.. لكنَّ عينيه كانتا تدمعان.. كان يبكي.. يمر الليل في المدينة كما فعل منذ قرون.. كلُّ شيء هادئ حسب عسَس مولانا.. قام الشاب حاول أن يصرخ أراد أن يصرخ كان صوته متقطِّعاً ضعيفاً أوَّل الأمر.. ثم اشتدَّ صراخه وبدأ يوقظ الناس مِن نفاق أحلامهم.. حاول العسَسُ معرفة مصدر الصَّوت دون جدوى.. قرَّر ضابط العسس المناوب أنَّ هذا الصراخ ليس بآدميّ. وسْطَ الموكب البهيج الرَّهيب جلس مولانا يتصدَّر عربته المذهَّبة يرمق الناس بتعالٍ.. مرَّ الموكب بهدوء و تثاقل أمام الناس.. حدث كل شيء بلمح البصر.. اعترضه الشاب الذي ملأ صراخُه المدينة ليلة أمس. صرخ من جديد، صراخه أصبح أعلى.. كان صوته طليقاً يقتحم السماء لا يتردَّد و لن يوقفه الحراس.. رفع الناس عيونهم ليتأمَّلوا هذا الغبيَّ الذي يصرخ.. تابعوا صوته يحلِّق عالياً في سماء لا تعرف حدوداً.. تخيَّلوا مطراً قادماً أو جسد امرأة تريد أن تموت لتحصل عليها.. لم يدْرِ العسسُ كيف جرى ما جرى.. كيف قفز الشاب ذو الوجه الحزين إلى عربة مولانا, اختلفتِ الأقوال في هذا و لم تتَّفق.. أولا اختلفتْ في الشيء الذي كان يحمله، أكان سكيناً أم ساطوراً أم سيفاً أم كان ذلك قلبه أم مجرَّد حجر.. وعاد الناس فاختلفوا كيف مزَّق الشاب صدر مولانا وألقاه أرضاً و كيف انحنى كلُّ من في المدينة في تلك اللحظة أمام ذلك الشاب.. كلُّ العسس، حتى آمر السجن الأعلى و رجُل الدين الأكبر.. يومَها أُعلن الدِّين الجديد ديناً لمدينتنا.. يومَ قضى مولانا على يد نبيِّنا الجديد، نبيِّ مدينتنا .. نبيِّ أمَّتنا.. رفض الشاب أن ينتقل للسكن في قصر مولانا رغم إلحاح سدنة الدين الجديد واكتفى ببيته القديم بين أكوام القمامة وسط المدينة.. أخذ الناس يحجُّون إلى النبي الجديد يسألونه البركة، السعادة في الدنيا والآخرة.. جاءه الفقراء أولا ثم عادوا من جديد مع أطفالهم ثم مع نسائهم.. كان النبي الجديد نادراً ما يبتسم لكنه توقَّف عن الصراخ.. تكاثر السدنة على بابه و أصبح من الصَّعب للغاية زيارة نبينا.. وأخيرا جاء أثرياء مدينتنا جاءوه مع هداياهم فردَّهم أولا.. ودَّعهم السدنة بابتسامة معتذرة عند باب نبينا.. عادوا من جديد دون هداياهم.. في حضرة نبيِّنا اعتذروا سألوه الصفح سألوه أن يبارك لهم في أموالهم.. تلعثم نبيُّنا وحار في الرَّد لكنه، في زيارتهم التالية منحهم بركته.. تكاثر زوَّار حضرة نبيِّنا و تعاظمتْ هداياهم وغيَّر السدنة ملابسَهم الرثَّة و لغتَهم العامية السوقية.. عاد العسسُ للظهور من جديد في شوارع مدينتنا ليحموا قصور الأثرياء ومن ثم عادوا لفرض خوَّاتهم على الناس وأخيراً اختاروا آمراً جديداً للعسَسِ.. تكاثرت السَّرقات من جديد و قيل أن نبيَّنا أفتى بإعادة بناء سجن كبير للمدينة.. اختار سدنة حضرة نبيِّنا من بينهم رجلاً أعلى للدين.. سرعان ما عاد الناس في مدينتنا لسماع تلك الصرخات تدوي في ليل مدينتنا.. ذلك الصراخ الذي حيَّر كل ضبَّاط العسس المناوبين وخبرائهم و مستشاريهم من وراء البحار.. قيل أن نبيَّنا مات ذات ليلة بعد نوبة من الصراخ العنيف التي فسَّرها رجُل الدِّين الأكبر على أنها لحظةَ وصْلٍ مع الإله و قيل أن الإله رفعه إليه ليمتِّعه بجنانه التي لا فقر فيها ولا جوع، والتي على راغبها من الفقراء أن يعملوا ليستحقوا الدخول إليها يوم الدينونة فلا يرتابوا ولا يشتموا ملكا أو رجلا من العسس أو ينتقدوا بطش القدر.. وشُيِّد مكان بيت نبيِّنا مرقدٌ ضخم هائل وزاد عدد العسس وأصبح السجن أكبر من سابقه.. لكن ما حيَّر كلَّ العسس و سدنة المرقد أن الصراخ كان يعلو ويعلو كل ليلة. وفي ليلة ما كان شاب مصاب بالأرق يحلم يغتصب حلما من هذه الأرض أمنا التي لا تفعل إلا أن تضم رفاتنا بعد أن تراقب سني عمرنا تسحقها العذابات والآلام, كالأم التي تأكل أولادها.. طاف بي هاتف أنَّ هذه هي قصة الشرق من أول الزمان وحتى يشاء الله.. |