|
أشاهد لقطاتٍ من المسلسلات المصرية وأنا في الطريق من حجرتي إلى المطبخ لأعدَّ فنجان قهوة، أو أثناء رجوعي بالفنجان. مرةً واحدة أو اثنتين جلستُ ربع السَّاعة أمام أحد المسلسلات، ولم يسعفْني الصَّبر والجلد وقوة التحمُّل على أكثر من ذلك. ذلك أن الفكرة الرئيسية في كل فنٍّ هي التكثيف والتركيز، ولهذا فإن قصة قصيرة من عدة صفحات قد تضع بين يديك حياة كاملة، بل ومغزى تلك الحياة، كما أن رواية غير طويلة قد تجعلك تتابع مولد وتطور وزوال وموت وإخفاق ونجاح عشرات الشخصيات الإنسانية. الفنُّ تركيزٌ وتكثيف، بينما يعمل التلفزيون بمبدأ آخر، مضاد للفنّ، أي بالاعتماد على التمطيط والإطالة و"فرشحة" الأحداث والتفاصيل ليستكمل بها المؤلف ثلاثين حلقة متواصلة، يتجاوز حجمُ صفحاتها المكتوبة حجمَ رواية الحرب والسلام لتولستوي، ويتخلَّف معناها وأثرها عن موضوع إنشائي لطالب ثانوية غُرِّم أهلُه مصاريف تعليمه دون أمل. وكما أنَّ في وكالة البلح مكاناً خاصاً لقطع غيار السيارات، وآخر لمواتير الثلاجات القديمة، فإن في الثقافة المصرية مكاناً مخصَّصاً لمؤلِّفي التلفزيون، عليكَ أن تقصده إذا أردتَ الحصول على مسلسل جديد، أو مستخدَم، أو معدَّل. وعادة فإن مؤلفي المسلسلات يتمتَّعون بصحَّة جيدة تساعدهم في الجلوس فترات طويلة لاستحضار كل المَشاهد التي مرت من قبل في جميع الأفلام والمسلسلات السابقة ، وكل العُقد الفنية، وحلولِها، والمصادفات، وأطراف الحبكة، وما شابه، ولا فرق لدي المؤلف بين مسلسَل و فيلم أجنبي، أو آخرَ مصريّ. ولهذا فإن أغلب أفلامنا ملطوشة، ويعاد لطشُها، كما أن تسعين بالمئة من الألحان الآن التي نسمعها مسروقة من ألحان هندية وتركية. الشرط الأول في المؤلف التلفزيوني هو التمتُّع بصحة وذاكرة جيدة وليس الموهبة والثقافة، والشرط الأول في التأليف هو التمطيط والإطالة وليس التركيز والتكثيف، هناك أيضاً اعتبارات أخرى تساعد على نجاح المسلسلات في استدعاء التثاؤب والنوم بعمق. منها أنَّ التلفزيون صناعة، وكل صناعة تحتاج إلى عمال لإنتاج السلعة، عمال وليس فنانين، ومن ثم خرج علينا جيش من الممثِّلين الذين يتَّسمون بالجرأة والتَّحدي والإصرار على التمثيل بالمُشاهدين! والسبب الأساسي في ظهور هذا الجيش العرمرم هو أجور المسلسلات المرتفعة المغرية مع غياب أية شروط فنية من أي نوع. وإذا علمنا أن بعض النجوم يتقاضى أكثر من مليون جنيه عن المسلسل، وأن الذي يؤدي الأدوار الثانوية يتقاضى فوق المائة ألف، لأدركْنا السبب في اندفاع الشباب النَّهم إلى الفن! وهكذا أصبح الفن، غناءً وتمثيلاً، حرفةً سهلةً، مربحةً، ومرموقةً اجتماعياً، لا تحتاج على الأغلب إلا لقصِّ شعر الرأس بطريقة مميزة، أو إطالته، وارتداء القمصان المفتوحة، وتسبيل العيون، وأرجَحَة الرأس بشكل عاطفي! كأنَّ الولد نجمٌ لكنه يذوب تواضعاً وحساسية! وقد لاحظتُ مؤخَّراً كيف تفشَّى داء الفن مثل إنفلونزا الطيور بين أغلب من صادفتُهم من الشباب أقربائي ومعارفي. الأولاد يريدون أن يصبحوا عمر دياب، والبنات يردْنَ أن يصبِحْنَ منى زكي. وقد رأيت بنفسي شابة من أقاربي عاديَّة جداً، لم ير أحدٌ على وجهها حتى الثانوية العامة سوى الغباء المقيم والنوم والأكل بشراهة. وفجأة ارتدَتْ جونلة قصيرة، وقصَّت شعرها، ولفَّتْ مؤخِّرتَها الضَّخمة في سروالِ جينز وأمسكتْ بسيجارة وقالت لي: "أنا مش مُتَخَيِّلة حياتي خارج الفن" ! وأصبح الفنُّ عندها أنْ تلازم المقاهي الملاصقة للمسارح طيلة الليل مع شبان فنانين مثلها، ينقلون الوهم لبعضهم البعض، ويدخِّنون، ويتساءلون: حَ نعمل إيه في المسرحية الجايَّة؟ مع أنهم لم يشاركوا في مسرحية من قبل. لكن حياة الفن لذيذة، ومغرية، طالما لاحتْ في نهاية الطريق تلك الأجور الخيالية. هناك شاب آخر من أقاربي، أمسك جيتاراً، وأطال شعره، وأصرَ أنه مؤلفٌ موسيقيٌّ . أمُّه تقول له: يا ابْني التِفِتْ لدراسْتَك إنْتَ عندكْ ثانويَّة. فيرد عليها: "مش قادِرْ يا ماما .. أنا ح أموتْ لو ما كَتَبْتِشْ موسيقى". وبعد أن كان شاباً عادياً جداً، أصبح يدخل إلينا الشقة صائحاً ملوِّحاً بكفِّه من بعيد بمرح: هاي. وتبدَّلتْ طريقته في الكلام فلم نعد نسمعه بوضوح لأنه صار يغمغم كالبلبل، ثم أصبح يصغي إلينا إذا تكلمنا بانتباه وتواضع يفرضهما عليه وضعه كنجم كبير! جيوشٌ من الممثلين والمطربين غمرتْ سطح حياتنا الفنية، لأن الفن في حقل التلفزيون يختلط بالصناعة، أي بتأجير الكاميرات والاستديو والميزانية وتسويق المسلسل والإعلانات وغير ذلك. والصناعة مثل محل البقالة لابد أن تعرض سلعة، وأن تبيع، وأن تربح. وحينما يكون الربح وبيع السلعة هو وحده المحرك الأول، فإننا لن نرى لا ثقافة، ولا فنون، ولكن المزيد من كتَّاب المسلسلات الذين أكرمهم الله بصحة وعافية تكفي لذلك اللتأليف، والمزيد من الممثلين الذين لا يتخيلون حياتهم "خارج الفن" على إيقاعات مئات المطربين إيَّاهم، في مسلسلات تلفزيونية تمتاز بقدرة طبية على تسليك الأنف بفضل الشخير المنبعث من النائمين عند مشاهدتها.
|