المصابيح الزرق وريادة الرواية السورية
المصابيح الزرق وريادة الرواية السورية
د. جهاد عطا نعيسة
كثيراً ما يحيل مؤرخو الأدب السوري الحديث الريادة الروائية السورية على عمل شكيب الجابري الأول ”نهم 1937 ”م.
وفي ذلك قدْر من مجانبة الدقة، ومن الإجحاف بحق “المصابيح الزرق” (1954) م؛ باكورة المبدع الكبير حنا مينة؛ ذلك أن البحث في الريادة الحقيقية للرواية السورية جنساً أدبياً ناضجاً فنياً له جملة من المقومات والخصائص، لا بد أن يقف عند هذه الرواية بوصفها العمل الروائي الرائد فعلاً، الذي جعل من “مينة” مؤسسَ التقاليد الناضجة للرواية السورية، وفقاً لتعبير المستشرق والباحث الروائي الأمريكي “ألان روجرز”، فيما يتصل بتوصيف ريادة محفوظ للرواية العربية. إن المسافة الروائية الكبيرة التي تقوم بين إرباكات تجربة “الجابري” في “نهم” ونضج تجربة “مينة” في “المصابيح الزرق”، تجعل من إنكار ريادة الثانية مكابرةً يعوزها المنطق والموضوعية تماماً. على الأقل فيما يتصل باغتراب عمل الجابري فضاءَ وأحداثاً وشخصياتٍ، إلى الحد الذي يجعل منه عملاً غربياً مترجماً إلى العربية، أكثر منه عملاً عربياً، كما يلاحظ د. حسام الخطيب محقاً. ناهيك عن الحدود الذاتية الضيقة في بناء شخصياته المحورية: “إيفان كوزاروف”، و”هيلدا كارد” وسواهما، وخروج مفارقاته ومصادفاته المسرفة، على منطق السرد الروائي وعقلانية مساراته وقضاياه، إزاء انتماء عمل مينة الوطني والبيئي، وغنى أحداثه بالأبعاد التاريخية والاجتماعية، وتعدد شخصياته، وقوة بنائها، وقابليتها للإقناع والتعميم. وإذا ما كانت الرواية في جوهرها تنهض ـ أولاًـ على الرؤية الواقعية الدقيقة لما تقاربه، مهما تنوعت التقنيات والأساليب في أنماط أدائها، فليس تبسيطاً للمسألة القول: إن التجربة الأكثر قدرة على رصد الواقع موضوع السرد مكاناً وزماناً وشخصياتٍ وأحداثاً هي التجربة الأكثر فنية، ومن ثَمَّ الأكثر روائية، دون أن يعني هذا إغفال المقومات الأخرى في العمل الروائي، كالحبكة، والبناء المتقن للمنظور، والنسب الدقيقة في تخليق العناصر السردية واللغوية المتعددة والمتباينة، وتفاعلها وتناغمها... فكما أن كمية المادة الذهبية هي المعيار الأهم في قيمة الحلية الذهبية، كذلك فإن الجذورَ الواقعيةَ وتفصيلاتِها الأكثرَ ثراءً دلالياً هي المعيار الأهم في قيمة العمل الروائي، مهما حلّق هذا العمل في عوالم "فانتازية" مفارقة؛ ذلك أن غياب هذه الجذور الذي يتلمّسه القارئ الكَفِيّ ينفي روائيةَ أي نص سردي، ويدخله في نطاق أنماط سردية أخرى كـ "الرومانس"، أو الحكاية، أو الخرافة، أو ما شابه.
هذا ما تؤكده "المصابيح الزرق" بجدارة، وهي تكشف منذ صفحاتها الأولى، في عدد من التفصيلات الصغيرة الدالّة سلسلةَ التأثيرات العامة والخاصة، التي خلَّفها إعلانُ الحرب العالمية الثانية على مدينة اللاذقية وحيّ القلعة الشعبي فيها. بمثل هذه التفصيلات الواقعية، بشّرت "المصابيح الزرق" بعين روائية نفّاذة تعرف كيف تعاين الواقع وتتبصّره، كي تقف على الجوهري فيه وفي خصائص الجنس الأدبي الذي تمارس، عينٍ تصدر في رؤيتها عن تمرّس عميق ومتعدد الحقول بالحياة والتجارب الإنسانية. ومهما قيل في تطوّر تجربة "مينة" الروائية، منذ " الشراع والعاصفة " (1966م)، وتحليقها بعيداً عن "المصابيح الزرق"، نحو عوالم جديدة كالتجربة المجرية في "الربيع والخريف"، أو التجربة الصينية في ثلاثية "حدث في بيتاخو" و"عروس الموجة السوداء" و"المغامرة الأخيرة"، أو نحو عوالم "فانتازية" في "النجوم تحاكم القمر"، و"الرجل الذي يكره نفسه"... إلخ، فقد بقيت هذه الجذور الواقعية بتفصيلاتها الدالّة الضمانةَ الروائية الأهم التي منحت إبداع مينة الروائي في كل أعماله اللاحقة قيمتَه وفذاذتَه غير المسبوقتَين في السرد الروائي السوري. ومع تقدير الريادة الزمنية للجابري في "نهم"، أو في لاحقتها الثنائية: "قدر يلهو" (1939)م، و"قوس قزح" (1946)م، التي تزدحم بالمفارقات والمصادفات والفجائع والنزعة التبشيرية المسرفة، فإن "المصابيح الزرق" تتصدّر بجدارة الموقع الذي لا يمكن منازعتها عليه بوصفها رائدة الرواية السورية ذات التقاليد الفنية الناضجة. وهو ما يتبدّى واضحاً على المستوى البنائي في القضايا الآتية:
1ـ للمرة الأولى تُقارب الروايةُ السورية الحياةَ الواقعية بأمانة تفصيلية، ولأول مرة يغدو الحي الشعبي بملامح بؤسه المعيشي، وخصائص شخصياته وحواراتها، ونمط حياتها وتفكيرها ـ بعيداً عن أي هاجس لتجميله، أو تجميل شخصياته ـ مادةَ العمل الروائي.
2ـ للمرة الأولى يتم تطويع النثر لأداء روائي يجد في اللغة حاملاً أميناً للمعنى، متجنباً استهداف جمالياتٍ شكلية، أو تشاعر مجّاني، أو تَعَمُّلٍ بلاغي من أي نوعٍ كان. وبذلك فإن مسافةً شاسعة من وعي الدور الوظيفي للغة الروائية، الذي تحققه قدرتها على إيصال المعاني على المقدار الذي يتطلبه المقام السردي ويقتضيه، ومن الأداء الحواري اللصيق بخصائص الشخصيات، يقوم بين لغة "الجابري" الأحادية ذات النزوع الرومانسي والتعملّ البلاغي الملحوظ في "نهم"، أو "الثنائية"، ولغة "مينة" الوظيفية المرنة متعددة الأصوات في "المصابيح الزرق".
3 ـ الكثير من شخصيات "المصابيح الزرق" مرسوم بأمانة غير مسبوقة في السرد الروائي السوري، فيما يتصل بالملامح الشكلية والنفسية لها. إن كلاً من: "مريم السودا"، و "أبو رزوق الصفتلي"، وصقر و أم صقر، ونايف الفحل"، و"عازار الإسكافي"، و"جريس المختار"، و"بشارة القندلفت"،و"أبورشيد"...إلخ، شخصياتٌ تنبض برهافة خطوط بنائها الواقعي، الذي يُحيلنا فعلاً على نظرائها في تجمعات السكن الشعبي وغرفه البائسة، وصحون دوره الحميمة .. أو في أروقة المؤسسات والكنائس والمصالح العامة، وحوانيت الأحياء الشعبية وشوارعها وأزقتها...إلخ.
4 ـ الكثير من شخصيات"المصابيح الزرق" شخصيات نامية تتجاوز سكونية شخصيات الروايات السابقة ذات النزوع الرومانسي، أو تحولاتها المفارقة والمفاجئة واهية الارتباط بالسياق المنطقي للسرد؛ فيترابط نموها بحراك الشرط التاريخي الذي تعيشه ونتائجه وتأثيراته؛ أي الحرب، الشرط المدمّر على المستوى الفردي، على الرغم من دفعها حركةَ التاريخ إلى الأمام على المستوى العام. هذا النمو والحراك مؤشران مهمان على تعيّن الشخصيات والأحداث مكاناً وزماناً، وهما خاصيتان روائيتان لا تقبلان الالتباس، وقيمةٌ جديرة بلفت النظر إليها في إقرار ريادة هذا العمل.
ومهما قيل في بعض هِنات "المصابيح الزرق" بوصفها العمل الروائي الأول لمبدعها، فهي عمل فارق في مسيرة الرواية العربية، والسورية بخاصة، وفي تجربة حنا مينة نفسه ،أَسَّسَ لمرحلة جديدة في مسار الرواية العربية السورية، في الوقت الذي كان يرسم بأمانة وكفاءة ملامحَ حقبة زمنية مهمة، وضعتْ الوطنَ ومواطنيه على عتبة زمن تاريخي مغاير. عمل استطاع بحِرَفية عالية أن يخلق تفاعلاً وتواشجاً وتنقلاً خصيباً بين العام والخاص؛ بين مصير وطن، ومصير شخصيات إنسانية من القاع الاجتماعي، دمّر بعضَها شرطُ الحرب الوحشي، لكنه لم يستطع أن يدمّر إرادة الكفاح والمواجهة الوطنية لدى أبناء المدينة و الحي، الذين خرجوا في مظاهرة عارمة رافعين هتافاتهم بجلاء المحتل أو موته. لكن، وعلى الرغم من كل الاحتفاء الذي حظي به نتاج "مينة" الروائي على الأصعدة كافة، فإن قدْراً من الإجحاف قد لحق بهذا النص الجميل، من اليمين والشمال على السواء، إذ ووجه ببعض النظرات التعميمية التي تعوّدت أن تستبق النص بنزعة أيديولوجية ناجزة تمضي بها إلى مضمون ما يقال، بعيداً عن الخصائص الجمالية لقوله، وخصائص الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه. نقرأ، مثلاً، في كتاب "عالم حنا مينة الروائي" (1979)م: "رندة حبيبة فارس تموت دون موت وظيفي في البناء الروائي لموتها. إن رندة تموت موتاً رومنتيكياً ميلودرامياً وبالسل. ماذا يعني، وعلى ماذا يدل، موت "رندة" في الرواية؟ ما هي وظيفته في المضمون العام؟ إن موت "الصفتلي" موظف توظيفاً جيداً، أما موت "رندة" فمجاني". ويبدو أن مبدعنا حنا مينة نفسه يرفع حمايته عن رندة في مرحلة نضجه العمري، فيقول في نقده لرومانسية الشباب في كتابه "هواجس في التجربة الروائية" (1982)م: "آثار هذه الرومانسية ستظهر في "المصابيح الزرق". رندة، حبيبة فارس، عملت في مستودع التبغ، ورائحة النيكوتين تؤذي الصحة، وهذا قادني، حباً بالمأساة، إلى البحث عن مرض خطير، وكان السل خطيراً آنذاك، فأصيبت رندة بالسل، وذهبت إلى مصح ضهر الباشق في لبنان لتموت بائسة، خاملة، غريبة... لقد كان هذا تلفيقاً. كان تزويراً. كان خيانة للطبيعة التمردية في الناس. وإذا كان الفقر والعمل في مستودع التبغ يبهظان العمال، فما كان هؤلاء بالخانعين، وكانت الحركة العمالية، في شركة الريجي نفسها، تتبلور، وتتكشف عن وعي، وعن إرادة في تأليف نقابة، وفي المشاركة في النضال الوطني والاجتماعي، وهذا ما لم أره ولم أذكره في "المصابيح الزرق". وإذا كنا لا نمتلك تصوراً وافياً للموت الوظيفي والموت غير الوظيفي، في جنس أدبي يلتمس أولاً المسوّغات الموضوعية والسياقية للإقناع بصواب خياراته السردية. ولأن وجود النقابة أو عدم وجودها لا يحول واقعياً دون موت رندة بالسل أو بأي مرض آخر، ولأن رندة لا يمكن أن تُجتثّ من محدودية شرطها العام والخاص فتخلق لنفسها أو لطبقتها شفاء متعذراً، وهي تعاني العوز، وسوء التغذية في زمن الحرب، ورقة البنية والطبع، والغبار الفاسد في مستودع التبغ، و سفر الحبيب وضعف الرجاء في عودته سالماً، فقد ماتت في زهو شبابها وبالسل تحديداً. وموتها على هذا النحو يحمل إقناعه في الشرط المعطى سردياً، لا سيما أن السل كان آنذاك المرض الأكثر تفشياً وفتكاً في الأوساط الدنيا، حتى لو كان خيار الموت بالسل خياراً رومانسياً تقليدياً في المسار الروائي العام، بدءاً من "غادة الكاميليا" لألكسندر دوماس الابن، إلى "زينب" لمحمد حسين هيكل، إلى "قوس قزح" لشكيب الجابري. ولو أن "المصابيح الزرق" قد عُنيت بالنضال النقابي لرندة لكان الأمر على قدر من الافتعال والتوجيه التبشيري المتعسف في بناء شخصيتها. أليس كافياً، حين يكون علينا أن نتجنب المبالغة والإسراف في بناء الشخصية الروائية، تصدّيها لجبروت أبي رشيد كاتب المعمل وعدو العمال والفلاحين فيه، وردّها شتيمته بمثلها أمام عمال وعاملات المستودع...؟ وقياساً عليه، فقد كان موت "الصفتلي" في القبو الرطب القاتل الذي عاش فيه وزوجتَه بالمجّان، وهو الستيني الناحل، الذي تنخر روحَه الوحدةُ والترقب المرير لموت الزوجة في مشفاها، موتاً مسوغاً تماماً. وليس مهماً بعد ذلك أن يكون هذا الموت رمزاً لموت نمط قديم من الحياة، كما يرى كتاب "عالم حنا مينة الروائي" أو لا يكون، مادام موته وموت رندة قد قوربا بكل المقدمات المقنعة التي تجعلهما واقعيين بما فيه الكفاية؛ بوصفهما مصيرين بشريين طبيعيين تماماً في السياق السردي المشروط زماناً ومكاناً وخصائصَ شخصيةٍ. أما الرمز واستقراء دلالاته لدى هذه الشخصية أو تلك فهو قضية لها شأن آخر في السرد الروائي؛ حيث تتحقق قيمة الرمز أو لا تتحقق في درجة إشباعه الواقعي أولاً. أما تقصدّ المبدع بناءَ شخصياته بوصفها معادلاتٍ ترميزية لهذه القضية أو تلك، فربما كان واحدأً من أشد أسباب تدمير النص والشخصية في آنٍ معاً، مهما بلغت قناعتنا بصواب مقولات الكاتب أو قضاياه وعدالتها. ولعله لا يزال رائزاً في هذا الخصوص تحذيرُ "فيرجينيا وولف" في مقالتها الشهيرة "الروائي والشخصية" (1925)م: من انشغال الكاتب بما يجب أن تكون عليه شخصيةٌ ما، ونسيانه ما هي عليه فعلاً. فالحياة تقوم كما يقوم السرد الروائي بوصفه حياة أولاً، كما يقوم الجمال والفن بعامة، على جدل القضايا والشخصيات والألوان والخطوط والأصوات... إلخ. مثل هذا الجدل الخصيب هو الذي يجمع في "المصابيح الزرق" تحت سقف سردها الحيّ، بين شخصيات من طراز محمد الحلبي في قوته وصلابته، و"الصفتلي" في هشاشته وهُزاله، وبين مريم السودا في قسوتها وقبحها وقدرتها على التحمّل، ورندة في رقتها وجمالها وضعف مقاومتها، كما يجمع في قضاياه بين سقوط فارس الشخصي وموته، والنهوض العام في ممارسة الشعب في المدينة والحي وخروجه في وجه الاحتلال. وهذا عامل آخر من عوامل جمال هذه الرواية وإقناعها وقوة تأثيرها وريادتها، يساهم مع العوامل الأخرى التي تقدّمتْ في جعل كل إحالة لريادة الرواية السورية على نص آخر مسألة تعوزها الدقة والإنصاف في آنٍ معاً، حتى لو عنَّ لمبدعنا الغالي أن يرفع أصابعه العشرة احتجاجاً على رومانسية الشباب فيها.
عن الملحق الثقافي في صحيفة الثورة السورية