يوميات البحارة.... من على ظهر "الفينيقية"

هشام عبد الرزاق قرأها 6
 

يوميات البحارة.... من على ظهر "الفينيقية"

هشام عبد الرزاق


تحدثوا بعد عودتهم
كيف أبحروا حول ليبيا
و كانت الشمس إلى يمينهم
وثق بهم البعض
غير إني لم أصدقهم
هكذا تحدث هيرودوت عن البحارة الفينيقيين.(1)


طبعاً لم تصل "الفينيقية" إلى ليبيا بعد, فبعد تأخر دام لأكثر من ثلاثة أسابيع انطلقت "الفينيقية" من أرواد في 22-8-2008 الساعة السادسة والنصف مساءً.

كنت من بين أفراد الطاقم المكون من ثلاثة عشر بحاراً, ثلاثة سوريين, كندي واحد, و الباقي من انكلترا , كان قد انضم إلينا مؤخراً الصديق العزيز الدكتور أمين كنفاني من جزيرة أرواد حيث أراد المشاركة معي إلى بور سعيد.

بعد أن عمل الطاقم بجهد كبير لأسابيع طويلة تحت أشعة شمس آب الحارقة, وسط إحباط وغضب متلازمين , حيث جرى تعديل الشراع و دفتي القيادة,  وسط بعض المشاكل التقنية وروتين الوثائق الخاصة "بالفينيقية" من تسجيل و رقم " IMO"  وتسجيل البحارة في إدارة الهجرة والجوازات.. إلى الوصول لنتيجة مرضية بانتظار ساعة الصفر.

أما "فيليب بيل" قائد السفينة فكان يتحين ساعة الصفر ألا وهي هبوب رياح الشمال وهي الرياح المناسبة للإبحار إلى بور سعيد والتي تأخرت هذه السنة على غير عادة , فكان أمام خيارين لا ثالث لهما, إما الذهاب مسحوبين بواسطة سفينة لداخل البحر علنا نصادف رياح الشمال في الطريق, أو المراهنة والانتظار إلى منتصف شهر أيلول حيث من المفترض أن تهب الرياح المناسبة, و كان في الخيار الثاني مخاطرة في أن لا تصل السفينة إلى قناة السويس في الموعد المحدد لها..  فأختار الخيار الأول.

بدأت الرحلة في ذلك اليوم , يوم الجمعة المنتظر, و في الساعة السادسة و النصف مساء من جزيرة أرواد نحو بور سعيد باتجاه (جنوب غرب) بوصلة (210 درجة) اتجاه ( نجم القطب جنوباً أعلى الساري) (2) التوجيه (الدفة اليمين).

كان مشهد الخروج من الجزيرة مؤثراً جداً.. حيث تجمع أهالي أرواد  كبارها و صغارها يزرفون الدموع يلوحون بأيديهم مودعين "الفينيقية" يصيحون: "باي... جوليا... أليس... ماريان... باي يا شباب... إلى اللقاء... نراكم الصيف القادم", وكأن الفينيقية قد سلخت من بطن أرواد, وترى "السبيحة" الأطفال الصغار, يسبحون من حولها يحاولون لمسها بحنان بأيديهم مودعين, وكأنها أختهم الصغيرة تنتظر مصيرها المجهول في رحلتها الخطرة هذه...

ما إن خرجنا من الجزيرة باتجاه الغرب, بدأت حياة جديدة علينا لم نعتد عليها من قبل, إنها حياة البحارة على متن "الفينيقية", حيث أصبحنا تحت قانون جديد صارم تحت إمرة القبطان فيليب قائد "الفينيقية".
بدأ الوقت واليوم يقسم وينظم على شكل "ورديات" تستلم كل مجموعة أوقات محددة للعمل على مدى النهار والليل, حيث تتناوب كل مجموعة لاستلام مختلف الأعمال من حراسة والإشراف على أجهزة الاتصال المختلفة ومراقبة بدن السفينة من أي تسرب محتمل للمياه والتناوب على قيادة دفّة التوجيه على طريقة السفن الفينيقية المتمثلة في القيادة الجانبية.. كل ذلك في جو يسوده الاحترام والمودة والتعاون والتضامن المتبادلان.

بدا المنظر مهيباً, كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلاً, إذ بدأت اليابسة بالاختفاء انه لشعور رائع مصحوب بالرهبة الإثارة والذهول والخشوع, وبدأت النجوم تظهر بوضوح وبشكل غير متناسق في قبة السماء لتشكل مجموعة نجميه ثابتة, بلا شك, أعطتها الفانتازية الشعرية لسكان الأرض منذ القدم أسماء خيالية.

مضى الليل سريعاً وأطل الصباح وأصبحنا "سماء وماء", تُبدل "الورديات" كل أربع ساعات وبانتظام, "أليس" تحضر طعام الإفطار, أمين على الدفة, والآخرون للمراقبة وسحب المياه..
لم أستطع النوم أبدا حيث بدأت "الفينيقية" تهتز يميناً ويساراً  بشدة كان ذلك بفعل الأمواج التي ظهرت منذ الصباح الباكر.

فجأة تظهر من بعيد بارجة حربية عملاقة, بدأت تقترب رويداً رويداً إلى أن أصبحت بجانبنا تماماً وعلى بعد 100 م وبسرعة فائقة, سارع "مايك" لإنزال علم "الفينيقية" وإصعاده عدة مرات وهو أمر متعارف عليه في قوانين الإبحار كإشارة للترحيب والتحية, ثم بدأ القبطان فيليب بالاستماع إلى الأسئلة على جهاز الاتصال: من أنتم؟ كم عدد البحارة؟ وما هي جنسياتهم؟, ما هو رقم السفينة, هل تعطل معكم المحرك ؟؟!!

ما كان من القبطان فيليب إلا أن يجيب: إنها "الفينيقية" السفينة الشراعية, ستبحر حول افريقيا, معنا كندي واحد, وتسعة انكليز, وثلاثة سوريين...

وبعد استجواب دام لأكثر من عشرين دقيقة على جهاز الإرسال, قال لنا فيليب إنها اليونيفل بارجة الأمم المتحدة... قدموا لأجلكم أنتم السوريون الثلاثة... لكن كل شي على ما يرام...

لم تكن الرحلة سهلة أبداً فلا استحمام إلا بالمياه المالحة حيث كمية المياه تكفي للشرب والطبخ وغسل بعض الصحون رغم كل المصاعب يستمر الإبحار ويمضي اليوم سريعاً على الرغم من قلة النوم لمعظمنا (حيث يقضي بعضنا نومه على ظهر السفينة في العراء)  نقضي وقتنا في العمل ونحضر طعام الغداء والعشاء كل بدوره في جو يسوده التعاون والصبر حتى مراسلة قناة  الـ BBC  المرافقة للرحلة كانت تعمل كأحد أفراد الطاقم دون كلل أو ملل, وفي أوقات الفراغ القليلة نقضيها في القراءة عن الفينيقيين ومآثرهم نتبادل الآراء وما يعرف كل منا عن هؤلاء العظماء.
على جهاز "الرادار" نرى بيبلوس وبيروت وصيدون وصور وعكا وعسقلان ويافا, لا نراها بأعيننا لكن نحس بها وكأنها أمامنا..

تمر الساعات و قد أصاب بعضنا دوار البحر لأوقات قصيرة لكن الحماسة والإثارة تنتصر فيعود كل منا إلى عمله دون أي تردد أو ملل.

أتى اليوم المنتظر, والسماء صافية, جاءتنا "زهرة الرياح" أي الرياح الشمالية المواتية, استيقظ الجميع وهم منتظرون هذه اللحظات طويلاً حيث أننا كنا قد تدربنا مراراً على رفع الشراع. يقسم العمل هنا إلى مجموعتين, الأمامية لرفع العارضة الخشبية التي تحمل الشراع والتي تزن أكثر من طن ونصف الطن, حيث ترفع بحبل متين جداً صنع من الألياف النباتية والقنب, يقوم البحارة الرجال برفع العارضة إلى الأعلى عبر بكرة خشبية وذلك بشد الحبل رويداً رويداً من ساحة مقدمة السفينة "البلاورة بلغة الأرواديين القدماء" حتى يلامس أعلى السارية الخشبية القابعة في منتصف السفينة على ارتفاع أكثر من 15 متر, أما المجموعة الثانية المكونة من النساء وبعض البحارة الرجال فيقومون بإرخاء مجموعة الحبال(عددها ثمانية) الموجودة في مؤخرة السفينة "الكاتري لغة الأرواديين" لإنزال الشراع من الأعلى  إلى أخفض منطقة على ظهر الفينيقية..

ما هي إلا دقائق حتى تنساب "الفينيقية" وبفعل الرياح، تنساب على سطح الماء برفق وهدوء  وسكينة.. وبالتوجيه المناسب نحو بور سعيد وقناة السويس مستعينين بالدفة..

انه لشعور جميل رائع جداً.

يوم 26 -8-2008 وصلنا إلى بور سعيد بعد إبحار شراعي جميل حيث دخلنا ميناء بور فؤاد الميناء الأسيوي داخل قناة السويس (بعد انتظار دام عدة ساعات خارج القناة) مستعينين بمركب قاطر صغير لازدحام القناة, حيث ركنت السفينة على مرسى القوارب الصغيرة داخل بور فؤاد في انتظار بضعة أيام لإنهاء معاملات العبور.

غادرت "الفينيقية" والصديق أمين كنفاني وبعض أفراد الطاقم البريطانيين, وبقي البحار السوري عدنان العطية, وكلنا حزن على الفراق متمنين لأعضاء الطاقم من بقي منهم السلامة والأمان لباقي الرحلة, حيث كان الفراق صعباً ومؤثراً...

إلى حين كتابة هذه السطور أكملت "الفينيقية" مشوارها وعبرت نحو البحر الأحمر وذلك بتاريخ الخامس من أيلول على خط عرض: 29 34,56 خط طول :32 31,11 بطاقم عدد أفراده ثمانية متجهين إلى عدن في اليمن.

 

بإمكان السادة القراء متابعة رحلة  "الفينيقية" من أرواد طرطوس إلى بور سعيد من على شاشة ال     bbc world news (fast:track program) وذلك ابتداء من يوم الأحد الواقع في 6-9-2008 و لمدة أسبوع كامل ضمن وثائقي يبث على مدار الساعة وبأوقات متفرقة على الأقمار هوت برد وعرب سات, أو على موقع المحطة المذكورة www.bbcworld.com.

هوامش:


1) هيرودوت: عيوننا هؤلاء الفينيقيون على الرغم من أنني أعتقد بعدم احتمال وقوع ذلك, وأعتقد أنه من الصعوبة لغيري أيضاً تصديق ذلك, أنه أثناء إبحارهم إلى ليبيا, تبين فجأة أن الشمس كانت تقع إلى جهة اليد اليمنى...

وما كان لهيرودوت غير محتمل, قد يصبح يوما برهاناً قوي الحجة على حقيقة إبحار الفينيقيين حول أفريقيا.

2) استخدم الفينيقيون اتجاه الرياح والشمس والنجوم وهذه مجتمعة عبارة عن وسائط عظيمة للاسترشاد.

-فينيقيا: مفهوم موحد لجميع المدن – الدول الفينيقية ,أطلقناه على "الفينيقية" في إشارة إلى  وحدة مرجوة... وحدة العالم... وحدة السلام... حاملين غصن الزيتون.


 
 



كتب الصديق الدكتور أمين كنفاني واصفاً إحدى الليالي الفينيقية:

لم يلبث أن مضى على رحيلنا ثلاث ليال, كنت مستلقياً على ظهر السفينة الفينيقية الخشبي, آخذ قسطاً من الراحة بعيداً عن أشعة شمس النهار المحرقة. أخذ مني هيكلها المتين المصنوع من أشجار الصنوبر و الزيتون أفكاري .و بدأ حنيني يتوهج إلى أرض الوطن, حينها بدت لي تلك الليلة كليلة حب تشابكت في ثناياها أطراف البحر مع جذور السماء التي كانت صافية مرصعة بالنجوم و كأن البحر في تلك الليلة قدم لها جواهره و زين لها جسدها بحبات اللؤلؤ تعبيراً عن حبه و احترامه لجمالها , و كرد للجميل قدم قمر السماء لمياه البحر نوره هدية.
سبحان الله في ذلك الوقت تحول صاري السفينة بعد أن انطوى إليه شراعها من بطل شامخ إلى راقص بارع يتمايل تارة نحو اليمين و تارة نحو الشمال على أنغام سمفونية عذبة عزفتها أمواج البحر المتهادية .حينها أغمضت عيني و ابتسامة صغيرة مرسومة على شفتي و قد تأهبت للاستيقاظ في منتصف الليل لأتابع هذا المشهد الرومانسي الرقيق مع جملة ما كلفت به من أعمال على متن السفينة. و لما أنتهي من فترة العمل كنت و صديقي العزيز  هشام عبد الرزاق نروي لبعضنا ما صادفناه خلال فترات اليوم و نتبادل بعض أطراف الحديث الذي كان غالباً ما ينتهي بالنعاس و قليل من النوم.
و هكذا كنا نستيقظ صباحاً لنواجه إشراقة شمس يوم جديد تبعث في أجسادنا النشاط و الحيوية معاً لنكمل مسيرتنا شاعرين بما قام به أجدادنا الفينيقيون مسرورين بهذه المشاركة التاريخية التي نقوم بها.
        

                                                                       أمين فضل كنفاني