المشهديّة في قصص نجيب محفوظ
المشهديّة في قصص نجيب محفوظ
نبيل سليمان
للقصةالقصيرة والطويلة نصيب كبير من إنتاج نجيب محفوظ (ثلاث عشرة مجموعة قصصية) وعبر ذلككان الرهان الفني على المشهدية حاضراً بقوة. ولعل المثال الساطع لذلك جاء في قصة (تحت المظلة) التي كانت كما ردّد الكاتب أحب قصصه إليه. بل إن المشهدية قد صارتالكرنفالية في هذه القصة التي قدمت في مشهد واحد عالماً من الرعب والقتل والجنسوالمطاردة والرقص، تلاطم فيه بدو من الجنوب وخواجات من الشمال وجماعة احتمت بالمظلةوعمال بناء وجثث مشوهة ومطاردون للص ولص يخطب ثم يتعرى وشرطي لا يكترث ثم يطلقالنار...
وفيمجموعة (حكاية بلا بداية ولا نهاية ـ 1971) تتوارى القصة التقليدية، ليبني الكاتبالنص من عدة مشاهد في حواريات تنادي الكتابة السينمائية أو التلفزيونية (السيناريو). ولنجيب محفوظ عددٌ من القصص الطويلة التي أحسبها روايات قصيرة (نوفيلّلا) تشتغل المشهدية فيها اشتغالها في روايات الكاتب.
1ـالتنظيم السري:
ومنهذه القصص قصة (التنظيم السري) (1) التي حملت عنوانها إحدى مجموعاته، وبلغ عددصفحاتها /50/ صفحة، تبدأ بمشهد تنسيب الراوي إلى التنظيم السري، بعد ملخص يبدو فيهصديقه القديم كمن اتخذ من هامش الحياة وطناً. لكن الصديق الذي يستعاض عن اسمهبالحرف (أ) يدعو الراوي إلى المشهد الافتتاحي في محل توت عنخ آمون، وحيث يطغىالحوار بينهما، ليتكلل بانتساب الراوي إلى جماعة سرية متطرفة.
منمشهد إلى مشهد ترسم القصة ـ أم الرواية؟ ـ تجربة الراوي في التنظيم. ففي (الأسرة) الأولى التي ترأسها (أ) تتوالى العقوبات على الراوي: في الاجتماع الأول يحرّم عليه (أ) التدخين شهراً جزاء سؤاله: إن كان يحسن أن يجتمع رؤوساء الأسر بالرئيس الأعلىالذي صار هو وجهازه الأعلى الغامض أسطورة. وفي الاجتماع الثاني تحرم العقوبة علىالراوي استخدام يده اليسرى شهراً لأنه أخذ قلم الرصاص. وإذ يدفعه الضيق إلى مطعمفلسطين ويصاحب فتاة، تأتي العقوبة في اجتماع تالٍ: غرامة بمئة جنيه، فيتيقن الراويمن أن (جهازنا الغامض) يراقب أعضاء التنظيم مثل الشرطة.
بانتظام عمل الراوي بعد العقوبات يكافأ بالنقل إلى الأسرة الجديدةالتي يرأسها (ب). ويأتي الاجتماع الأول في حديقة الوردة البيضاء التي لا يرتادهاعادة إلا طلاب الحرام. وفي هذا الفضاء يستأثر الحوار بالمشهد، فيبدأه (ب) بالإعلانعن أن عمل الأسرة هو التغني بالوجه الجميل المنشود، وبأنه هو من سيؤلف ويلحن،وأعضاء الأسرة سيغنون، وفي الختام دعاهم إلى عشاء من الشواء وإلى شرب النبيذ. ويرويالراوي أن (ب) قبل ذلك قلّب (ب) عينيه في الوجوه متسائلاً:
" ـ هلمن أسئلة؟
وفيالحال سألته:
ـأنعتبر حديثك من المجاز والرمز؟
فأجابببساطة:
ـ بلإنه واقع وحقيقة.
ـ هلحقاً تحفظنا ألحاناً لننشدها؟
ـ بكلتأكيد.
ـلكننا لسنا مغنين.
ـ كلفرد يستطيع أن يغني في حديقة عامة فيسمعه من يشاء أن يسمع.
ـ منناحيتي لا أملك أي موهبة غنائية.
ـ لايهم، العبرة باللحن أما الأغنية فأغنية حب من لون جديد.
ـ قديعتبر الجمهور غناءنا تكديراً لصفوه.
ـربما.
ـ قديسخر منا.
ـربما.
ـ قديعتدي علينا.
ـربما، ولذلك لابد من توطين النفس على التضحية.
فقالزميل منفعلاً:
ـعملنا السابق أخف رغم عنفه.
فأجابباسماً:
ـمحتمل جداً ".
ويعودالراوي إلى فتاة مطعم فلسطين فيحكم عليه (ب) بالزواج منها. ويعود السرد إلى الغلبةفي أغلب المشاهد التالية، ويتأذى غير مرة بالملخص، بينما القصة تؤول إلى اعتقال (ب) وعضو من الأسرة، فإلى انقطاع الصلة بين الراوي والجهاز عاماً بطوله، فعودتها،وأخيراً: حدث تمردٌ في التنظيم السري يدعو إلى إعادة النظر في عمله، مما آل إلىالانقسام واصطدام شراذمه.
في 14 / 10 / 1994 تعرض نجيب محفوظ إلى محاولة اغتيال بتحريض من مثل التنظيم السري الذيكتب عنه القصة السابقة، وعلى يد واحدٍ من أمثال أعضاء ذلك التنظيم الروائي. وكاننجيب محفوظ، ببصيرته التاريخية والاجتماعية، قد التفت إلى ظاهرة التعصب والتطرفبأشكاله الدينية والسياسية، وذلك في مواطن عديدة من تجربته الإبداعية. وكما يليقبالإبداع الروائي، لم تكن التفاتة محفوظ خطابية أو دعاوية. ومن جهة أخرى، لم ينل منالجمالية ذلك التزامن بين الكتابة الروائية أو القصصية للكاتب وبين الزمن الروائيأو القصصي، وليس فقط لما يتعلق بظاهرة التعصب والتطرف أو ما بات يعرف بالإرهابالديني أو السياسي. فالأمر نفسه نجده في قرب العهد بين زمن كتابة (زقاق المدق) أو (ثرثرة فوق النيل) أو (يوم قتل الزعيم) أو (الحب تحت المطر).. مثلاً، وبين الزمنالذي كتبته هذه الروايات، إذ لم يقع الإبداع في فخّ الشعارية أو العابر أو الراهن،بل نفذت البصيرة فيه إلى أعماق الظاهرة أو الحدث، سواء في الرواية أم في القصة كماهي (التنظيم السري)، وكما هي أيضاً قصة (صباح الورد) (2) والتي بلغت /75/ صفحة، فحقالقول فيها بالرواية القصيرة أو النوفيللا أكثر مما حق في (التنظيم السري).
2 ـصباح الورد:
وبمتابعة النظر في المشهدية، نرى (صباح الورد) قد ذهبت في سبيلمعاكس لسبيل (التنظيم السري) التي غلّبت الحوار، بينما غلّبت (صباح الورد) السرد. ففي البداية يتحدد الفضاء في شارع الرضوان الذي لم يبق منه الآن ـ في زمن القصةوكتابتها ـ إلا موقعه. ويعلن الراوي أنه الآن سيكون ترجمان شارع الرضوان فيما لديهمن قصص، فالشارع «هو صاحب الحكايات الأول» و«العبرة في النهاية بما يقال لا بماحدث، ورب كذبة أصدق من حقيقة».
إنهالفن وحده كما تصدح هذه العبارات، حيث يعاد بناء الواقع وصياغة الأحداث. وقد عادالكاتب في (صباح الورد) إلى ما توسل من الفن في روايتي (المرايا) و(ملحمة الحرافيش) حيث قدم السردعشرات الشخصيات، ولكل حصتها منه. سوى أن السرد في (صباح الورد) قدمعدداً من الأسر، وليس الشخصيات المفردة، وكانت لكل أسرة حصتها السردية: آل اسماعيلوآل مراد و... وصولاً إلى آل شكري بهجت.
منهذه الأسرة الليبرالية والمتمردة على التقاليد برز الشاب سامي في جيل يعاني منذكريات الغلاء والهزيمة والمستقبل المسدود، كما يشخّص والده، مما سيبدو تفسيراًلوقوع الشاب في أفخاخ «التيارات التي يتحدثون عنها» أي الجماعات المتطرفة التيعرفتها مصر في ثمانينات القرن الماضي، إبان كتابة (صباح الورد). وقد عادت القصة إلىالحوار في المشهد الذي يعلن عن انتماء سامي إلى واحدة من تلك الجماعات أو واحد منتلك التيارات. واتسم الحوار بشحنة عالية من الانفعال بلونيه: المكتوم لدى والديسامي، والمعلن لدى سامي، تعبيراً عن النزاع بين العاطفة والعماء العقيدي، بينالليبرالية والتعصب. وقد آل الأمر بسامح في هذه القصة إلى أسوأ مما آل إليه في (التنظيم السري)، إذ يقبض على سامي بعد ضلوعه في القتل، ليقاد إلى المشنقة. وسبيلالتطرف إذاً مسدود في سائر الأحوال.
* * *
إذاكان المشهد ـ كما قدّر جيرار جينيت ـ محور الأحداث الهامة، ويقوم على العرض الدرامي وغير الدرامي، كما يتطابق فيه زمن القول وزمن الحدث، فإن كل ذلك قد تحقق في مشهديات نجيب محفوظ الروائية والقصصية. ويمكن لمن يشاء أن يتقصّى في هذه المشهديات ما تحدثعنه النقد الحداثي من تقنيات. فالمشهد المحفوظي قد يكون له أن يفتتح، فيعلن عن دخولشخصية جديدة إلى وسط أو مكان جديد، كما كان شأن نفيسة في بيت العروس. وقد يتعطلالسرد في المشهد المحفوظي لينهض بالحوار كما رأينا في جميع المقتطفات. كما قد تكونللمشهد مهمة اختتام فصل، أو اختتام الرواية كلها، كما بدا في مشهد احتفال الأصدقاءالخمسة في نهاية رواية (قشتمر). على أن المشهد المحفوظي ليس دائماً فقط ذلك المقطعالحواري الذي يرد في تضاعيف السرد، كما يقدر بعضهم للمشهد أن يكون، فنجيب محفوظيُوْلي بالوصف العناية الفائفة غالباً لتأثيث المشهد ولعناصره من شخصيات وأحداث.
بعدكل ذلك، ومرة أخرى، لا مناص من الاختيار أمام إنجاز نجيب محفوظ الروائي والقصصي،سواء أكان الغرض هو النظر في مشهدياته أم كان غرضاً آخر وأغراضاً أخرى. على أنالمأمول أن يكون ما تقدم من الاختيار قد أعان النظر على التدقيق في بناء المشهديةالمحفوظية وتطورها. وهنا أصل إلى القول: إن درجة ما من التجاور الحواري قد تحققت فيتلك المشهدية، إلا أن الحوار ظل يفتقر إلى التهجين. ولعل مرد ذلك إلى إيثار الكاتبالفصحى، وهو الذي كان يقدس الفصحى تقديسه للمسرح، وكان يعد الكتابة بالعامية خيانة. غير أن الكتابة الروائية العربية ما بعد المحفوظية ـ أي منذ عقود، وليس بعد رحيلمحفوظ ـ أخذت تفيد من العامية في تهجين اللغة الروائية بعامة، وليس لغة الحواروحده، تماماً مثلما أفادت من إنجاز محفوظ في المشهدية وفي سواها.
(1) مكتبة مصر، الطبعة الأولى، القاهرة، 1984.
(2) مكتبة مصر، الطبعة الأولى، القاهرة 1987.
جريدة الأسبوع الأدبي السورية