"غاليري ألوان" تعرض لستين فناناً

لور غريِّب قرأها 5
  

ستشاهدون حتماً شفيق عبود وفريد عواد ورفيق شرف

تشعر العين بالامتلاء كلما تصفَّحتْ "أوراق" الواجهات في "صيفي فيلاج"، بما تتكشف عنه من لوحات ومنحوتات وتحف وأدوات تزيينية. كأن هذه العين تلاقي هنا جزءاً من شارعها الفني والثقافي المفضل الذي تقصده كلما رغبتَ في رؤية الفنون أو في الحصول على مقتنيات ذات نكهة مختلفة. هنا قبالة "صيفي فيلاج 2"، تحتل "غاليري ألوان" مجموعة من واجهات المحال المفتوح بعضها على البعض الآخر، وتطلُّ على جهتين من زاوية الشارع. عبر فيترينات عديدة، تطلُّ بعض التحف الفنية التشكيلية، وعلى مقربة منها تحف قديمة ومنحوتات وأوانٍ تزيينية أو وظائفية نادرة. تقول صاحبة الغاليري أوديل مظلوم، أنَّ الحياة عادت تدريجاً وبدفء الى المكان، وأنَّ الزبائن الذين يترددُّون على صالتها الفسيحة يرغبون في اقتناء الفن الحديث او الأعمال التي تشي ببعض الفكاهة أو بموضوعات بعيدة عن التعقيدات والدَّلالات الدرامية، وهم يشترون بسهولة أكثر الأعمال التجريدية أو الشكلانية أو تلك التي تروي ما يتلاءم وأمزجتهم وتطلُّعاتهم وميولهم الخاصة.

نعرف أنَّ ما يشاهده هؤلاء الزبائن يتصل بما يودُّون رؤيته عندما تكون حميميَّاتهم متهيِّئة للتجاوب مع الأجواء أو الألوان أو التشكيلات الهندسية أو الرموز الموزعة على أرض اللوحة، وخصوصاً عندما تتصدَّر الجدار في الداخل فتُليِّن القلوب وتُطرب العين. تقول مظلوم إنها تمكنت من بيع الأعمال التي وقَّعها فنانون شباب، من أمثال زينا عاصي وجينو سكر.gggggggggggggguu.JPG

تجدر الإشارة هنا الى أنَّ اسعار اللوحات كانت مدروسة وتقترب من موازنات الناس الذين يودون تجميل جدران منازلهم فيختارون العمل الذي يعجبهم من دون أن تكون المغامرة مكلفة وتشكل استنزافاً في هذه الأيام الصعبة.

في تجوالنا داخل الغاليري، شعرنا أنها اكتسبتْ مساحة أكبر مما كانت عليه من قبل. قالت مظلوم إنها قلّصت عرض التحف والموجودات بما يمكّنها من توجيه الاهتمام نحو مجموعة من اللوحات تعود الى فنانين لبنانيين وأجانب بلغ عددهم ما يقارب الستين.

 aaaaaaaaaaaaaaaddddddddd.JPG

الأعمال ليست كلها جديدة بل هناك لوحات قديمة لفنانين مشهورين نعرف أساليبهم ونصوصهم التشكيلية، منها ما يذكّرنا بفنان رحل ولم تعد قريحته تمكِّنه من خلق أعمال مدهشة نشتاق الى مشاهدتها بجديدها وعتيقها، على غرار ما تفعله فينا تجريديات شفيق عبود، وتصويرات فريد عوَّاد الواقعية لعالم راقبه ورسمه وسجنه داخل هيئات مؤسلبة. ها هو الطير الأسود المحلِّق في وسط سماء رمادية ومزرقة، يعيد إلينا رفيق شرف الغائب منذ سنوات قليلة. رفيق وقبعته، جالساً في زاوية من الـ"هورس شو"، أيام عزِّ الحمراء، أي قبل حرب 1975. كم هي فرِحةٌ تلك اللوحة، التي وقَّعها جان خليفة، بالألوان الفاتحة الممزوجة بالأحمر والأزرق وأصباغ الهناء المسيطرة على سطح تشكيلي كان آنذاك سبَّاقاً في انطلاقته نحو التجريدية الشكلانية. هذا هو "اسادور" بهندساته المدروسة والدقيقة، كأنها دعوة الى مزاولة مهنة علم الفلك أو الى إلقاء التحية على نصوص تكتسب سحرها من وقوع بعض صورها في مكمن أتاح فرصة الانقضاض على إشاراته عندما قرَّر بسطها على مساحة لها هوية المخطوطة التي تختصر قصص الأساطير القديمة المقدسة. وها هناك حسن جوني يجمِّد أشخاصه في سعادة هاجرتْ وقد تعود. ولا ننسى أنه من الجنوب وقد تركت الحرب بصماتها على محيطه كما على القرى الأخرى.

نرى لوحة كبيرة تشرقط فيها الأزهار البرية. جميلة وإيحائية، فوق الجدار الفاصل بين الداخل والخارج في الغاليري.

نسأل أوديل: مَن رسم هذه الأزهار؟ تجيب: أنا. كأننا كدنا ننسى أنَّ لوحتها تتمتَّع بنص يقترب من الواقع لكنه لا ينسخه ولا يجمله بل يختار منه ما يتناسب مع الرؤية. هي رؤية لا تصف بل تعرض للعين ما قد يغريها من دون الإصرار على لفت الأنظار وعلى إجبار المتلقي على التوقف ولو لبرهة ليتفهم الرسالة او يغرق في سراديب خطوطها وتردادات تشكيلاتها العائدة مرارا. لماذا توقَّفتِ عن إقامة المعارض؟ لأني، تقول، كلَّ مرة أرسم لوحة كبيرة، يجيء من يشتريها ولا يبقى عندي أيُّ عمل لأعرضه. ثم نشاهد لوحة للفنان ستيليو سكامنغا وأخرى لناديا صيقلي. نعرف هذين العملين. لا جديد ولا بهورات.

أين لوحات عيسى حلوم؟ تدل أوديل على الصالة الداخلية، حيث مناظرُ رسمها حلُّوم تمثل رأس العين، وكذلك نجد لوحات فاطمة الحاج الآسرة، وبياض أرضها وحركاتها الخجولة، في تعرُّجاتها وتحوُّلاتها البصرية والمناخية. ننظر الى لوحات ميساك ترزيان ثم الى الوراء.

نفتِّش عن جديد في مكان ما. أين نجده؟ لا أدري إن كنتُ فعلاً أبحث عن جديد أو كنت أحنّ الى إعادة النظر في ما مررت به منذ لحظات. للحنين أدوار خبيثة أحياناً. ننجرُّ من دون أنْ نتحكَّم بخطواتنا. لكنَّنا نصحو فجأة. نتردَّد. نرفض الوقوع في الذاتية الحواسية. نتوقف ونستعيد التحكم بالعقل وبالعين.

هل ما أراه هو على قدر كبير من الابتكارات؟ أعرف جيداً أن الجواب ليس دائماً بالإيجاب، بل عليَّ أن أعود الى الأعمال من جديد، وأنظر إليها وأطالبها بأن تسمح لي باكتشاف بواطن سحرها. ثم أقتنع بأنَّ ما أراه هو صفحة من تاريخ فنِّنا المعاصر.

تفتح الغاليري يومياً، ما عدا الأحد، من الساعة 2 بعد الظهر الى 7 مساء. والمعرض مستمر الى نهاية تشرين الثاني المقبل.

aaaaaaafffffffffffffffffff.JPG