"خميل كسلها الصباحي" لمنى الظاهر: استرجاع نبض القلب

راسم المدهون قرأها 7
  

"خميل كسلها الصباحي" لمنى الظاهر
استرجاع نبض القلب

راسم المدهون

رهان الشاعرة الفلسطينية الجليلية منى ظاهر، يذهب للمرة الثانية إلى ما يمكن أن تصنعه مخيلتها من "مناخ" شعري يمزج النثرية بفانتازيا ولعها بالتعبير عن الواقعي، الصلد والصارم وحتى الجارح والخارج على المألوف. فهي تواصل في كتابها الجديد، "خميل كسلها الصباحي"، ما كانت بدأته في "أصابع"، قبل عامين، الاتكاء على ذاكرة يقظة لاسترجاع مشاهد الحياة اليومية وإعادة رسمها من جديد في لغة "سردية" تقشّر عن السرد صرامته ودقته وحرفيته، وتذهب إلى اعتنائه بالملمح العام، اعتناء ينتقي الخاص والشخصي الفردي الذي يمكنه أن يعبّر عن روح امرأة متوثبة، في مواجهة عالم يطفح بالألم وتمتزج فيه الخصوصية الفردية بالذاكرة مرة، وباللغة في تحوّلاتها مرات أخرى.

Muna%20Zhaher.JPG 

"خميل كسلها الصباحي" (دار أزمنة، عمان، 2008) نصوص يصعب تجنيسها، فهي تقع في المساحة المراوغة بين الشعر "الصريح" والنثر الوجداني بما يضمره من حضور الفكرة ومن قبولها لنوع من السردية، وإن في صياغات مغايرة وبنائيات تفارق النثر وتتمرّد على "عقلانيته" ومنطقه.

يلفت في الكتاب، الحضور الساطع للروح الفردية، فابنة الناصرة الجليلية التي عرفناها خلال سنوات العقد الفائت شاعرة تكتب القصيدة "الصريحة"، تفضل للمرّة الثانية الانحياز إلى "كتابة واقعية" ذات وشائج متينة وحيوية بالراهن والمعيش، ولكن من حدقة المخيلة، ومن رؤاها الحلمية.

هي تجربة تحسن الإصغاء الى هواجس القلب ومرايا الروح المنسوجة من شبه "يوميات" ليست خيالية تماماً، ولكنها ليست واقعية تماما كذلك: "جسدي يسائلني عنك، وانتظاري يهنأ لعذوبة النظر إلى الشوق الملتمع خارج مقلتيك. شوقي لك عمره ألف عام، يقرفص وسط جريان نهر طويل يسيل من شجر التفاح".

كيف يمكن بوحاً أنثوياً بالغ الشفافية كهذا أن يتوحّد بهموم وطنية وإنسانية عامة وفي لغة تقارب الشعر على هذا النحو؟ تنتبه منى ظاهر إلى العلاقة المستترة والنابضة معاً بين وهج الرغبات الأنثوية، العاصفة، والمتدفقة، وبين المخيلة كأداة نظر إلى الأشياء بصورة مغايرة. هي تكتب من شاشة الحلم التي تتراقص في مساحتها صور الأيام مع الآخر، الحبيب الرجل، الذي نراه في الكتاب سيد الكلمات كلها، والذي يحمل صفات ودلالات ترتبط باليومي. فالكتاب كله يقارب اليوميات ولكن ليس بشكلها أو مضمونها المعتادين. فالشاعرة تفارق هذا النوع وتذهب بقوّة نحو استقراء اليومي من الحدقة والمخيلة ومشاعر القلب معا: "حين التقيا تحت شجرة الصفصاف هناك في حاكورة التوت... بعد طريق المشمش، خلف أرض الوادي... كانت شجرة الياسمين تكبر وتكبر بطريقة غريبة، لم تكن تعلو بأغصانها، بل كانت تتكاثف على نفسها بشدّة". هنا بالذات يمكن رؤية جوهر العمل الشعري من خلال التجول الحر، البالغ الحساسية في دروب وعرة وخصوصا لشاعرة فلسطينية تقيم هناك في الجليل، أي تحيط باسمها وبعملها الأدبي أشجار كثيفة من النقد الصارم في ارتباطه بالايديولوجيا الى الحد الذي يجعل الكتابة مشروطة بالوراء ومشدودة اليه. منى الظاهر تفارق ذلك كله، بل تنتخب كتابة وفية للقلب والروح ورغبات الجسد معا، والأهم أنها تنجح في جعل هذه الكتابة أقرب الى روح القارئ ومخيلته بل وذاكرته وحتى مشاهداته الواقعية.

يمكن القول هنا إن "خميل كسلها الصباحي" استفاد الى حد بعيد من تجربة الكتاب الأول، والذي حققت الشاعرة من خلاله جماليات أدبية عالية وإن لم يستقبله النقد الفلسطيني والعربي كما يليق. التجاوز هنا واضح، وبالذات في العثور على لغة تمزج الشعري بالسردي والفانتازي بالواقعي. أعتقد أن الكتابة هي بالذات هذا الخلق البهي والطافح بالوحدة التي لا تنفصم بين ذلك كله.

من المهم الإشارة الى شغف الشاعرة بالنص المفتوح، فنحن نجد أنفسنا في حالة قراءة متحررة من أي اشتراطات مسبقة. هي قراءة تشبه كتابة منى الظاهر تماماً، ومفتوحة على مشاركة القارئ ذاته. نقصد أن متعة القراءة تتجاوز الى إشراك القارئ ودفعه الى زجّ مخيلته لمحاولة تمثل كل ما يقرأ وما يتراقص أمامه في سطور الكتابة.

نقول ذلك ونحن نتوقف طويلاً أمام السيل الناعم من البوح العاطفي والجسدي الذي يفارق مألوف الكثير من "الكتابات النسائية" الجارية هذه الأيام. نقول يفارقه، باتكائه على حرارة الجملة وعلى قدرتها على ملامسة ذواتنا من دون ابتذال أو "تطرف" من أي نوع. هنا أيضا تضيف منى الظاهر لمسة شخصية، تخصّها هي بالذات فتنجح في جعل كتابها كياناً أدبياً قابلاً للتأويل الجميل بما فيه من ظلالِ معانٍ، ومن ظلالِ صور. وتمنحنا متعة التحديق في كهوف روحها بحرية نراها جميلة، نظيفة وتستحق القراءة.

 Al%20Nahar.JPG