دياموند فورإيفير
دايموند فورإيفير
سعيد أبوخيبة
أثلج قلبي خبرٌ هامٌ ومفرحٌ للغاية سمعته في الثاني والعشرين من شهر آب/ أغسطس الجاري من إذاعة بي بي سي يستعرض أسماء أصحاب السعادة والعظمة رؤساء وقادة العديد من بلدان العالم مالكي الثروات الضخمة والأملاك والعقارات والشركات مما رزقهم إياه ربّهم تعالى وجلّ جلاله فوق الملوك كما فوق العبيد خاصة وقد تبين مما وراء الخبر أن جميع هؤلاء القادة التاريخيين يصرّحون بأن مصدر هذه الأموال رزقُ الله الوفير وهي من فضله.
وما دعاني إلى الغبطة والسرور هو زوال القلق الذي انتابني في فترة الأشهر القليلة الفائتة التي انتشرت فيها (إشاعاتٌ) مغرضة عن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية كالرز والسكر والشاي والدقيق والبقول.. إذ خيّل إليّ مدى تأثر أصحاب هذه الثروات من جرّاء ارتفاع الأسعار هذا، إن هو حصل بالفعل.
راح خيالي مع الخبر السّار يتنقل مع أصحاب الأسماء الرفيعة من بلدٍ إلى آخر في أقصى شرق آسيا وشمال إفريقيا فهبط ناظريّ مع مطلع الخبر على قصور الأهالي الفخمة في تايلاند ومنتجعاتهم الفاخرة يستمتعون بإقامات هادئة ومأكولات ومشروبات تفتقر لمثلها موائد أثرياء أوروبا وانتقلتُ إلى مدارس أبنائهم النموذجية ومستشفياتهم العظيمة والتي تكاد تخلو من النزلاء بسبب ارتفاع مستوى الحالة الصحية لأبناء الشعب التايلاندي العظيم الذي يجلُّ ملكه النزيه وقد عاش حياته كفاحاً من أجل شعبه وما بقي له من هذه الحياة، وهو الآن عند نهاية طرفها الثاني، لا يتجاوز الـ 35 مليار دولارٍ جمعها من كدّه وراتبه الرسمي وبعرق جبينه وبعد أن ضمن لأبناء شعبه عيشة فاخرة متألقة لا ينقصهم معها شيء.
من تايلاند اتجه خيالي غرباً فحطّ في بلد مليء بالحدائق الغنّاء تملأ مسطّحات بين قصور أبناء شعبه الطيب ومدارسهم وجامعاتهم ونواديهم ومسارحهم ومعاهدهم الموسيقية ورأيت الناس يسيرون في الشوارع أو يركبون سياراتهم المكشوفة وقد ظهرت على وجوه الآباء والأبناء من الجنسين إيحاءات الرضى والسعادة وكانت الفرق الموسيقية تملأ نواصي الشوارع تعزف للمارة الذين راح بعضهم يرقص فرحاً وطرباً. وإذ تأكدت من العدالة والنزاهة والحرية في بيئة هذه الأرض الطيبة أدركت السبب في كون سيدها واحداً من الذين رزقهم الله ما يشاء بدون حساب.. فمن فتات هذه الرزقة يحيا شعب كبيرٌ بأسره في مستوى علمي واجتماعي وثقافي وترفيهي لا يحلم بمثله أحفاد روما.. حسابات أبناء هذا الشعب في البنوك، والتي تتبقى فائضاً عن حاجاتهم العلمية والثقافية، تشير إلى حياة الرخاء التي يعيشون.
وإذ تذكّرت طائرة السلطان المصنوعة بمعظمها من الذهب (الذي يمثل صورةً من صور احترامه لتقاليد شعبه الذي يعشق الذهب ويمتلك من مصوغاته الأرطال) باركتُ لسيد البلد الذي أغادره وأنا أطير بخيالي فوق بروناي متوجهاً مع الخبر إلى قصور وفيلات أهالي درع الرمال وشواطىء اللؤلؤ ممن تحنّن الله عليهم وعلى قادتهم فمنحهم من فضل ما عنده ما يحتاجونه ويزيد وتابعت الطواف بين إقطاعة وأخرى أنظر بعينيّ حيناً وأستعين بمنظار حيناً آخر وأستخدم في غير مرة برنامج غووغل إيرث لأدخل إلى أماكن عمل الناس.. جميع الناس.. وبيوتهم.. البيوت التي تعرّضت لإثم إشاعاتٍ مغرضة وصفتْها بـ"منازل الصفيح" فوجدتُها بيوتاً راقية شاملة كاملة مبنية وفق أرفع المعايير وهي مليئة بالكتب ووسائل الراحة والثقافة وشاهدت الأطفال.. جميع الأطفال، يلعبون ويضحكون سعداء أصحّاء والأهالي.. جميع الأهالي، يتسامرون لا همّ ولا قلق ولا خوف.. لا تغريهم الأشياء ولا يحتجون على نقص.. فهم لا يعرفون العوز ولا تستفزّ حلمهم أية إغراءات.. حياتهم.. جميعهم (ماسٌ مستدام)..
وإذ رأيتُ أسياد هذه الإقطاعات يتحدّثون إلى شعوبهم وضيوفهم في مجالس عظيمة جمعتهم، تزيّنت أركانها بالورود وتعطّرت بالعود وملئت موائدها بالضيافة التي تبهر العين، وتلوّنت الجدران بصورٍ تشهد على مدى ما حققته هذه الشعوب من مكتسبات وما حظوا به من عطاءات وما وصلوا إليه من تطور وتقدم، فهمتُ حينها سرّ نجاح الأسياد الذين اختارتهم إرادة المولى بعناية فائقة وحوزَهم على نعمة ربّهم التي عنها يتحدثون إرضاءً لطلب المعطي.
كنت أطير بسرعة تفوق سرعة الضوء .. أسابق الخبر وأنا أسمعه وأسجل في ذاكرتي الجارية الأرقام المرعبة لحجوم الثروات مقابل الأسماء والأعمار والتي رحتُ مع كل واحد منها أزور أرض البلد وشعبها ومستواها الحضاري.
على أطراف رحلتي شاهدت ملكة بريطانيا وملكة هولندا اللتين أَشفقَ عليهما وعلى عائلتيهما قلبي إذ استشعرتُ معاناتهما وهما تحاولان ردّ شيء من الاعتبار إلى سجليهما حفيدتين وارثتين لأملاك كانت لا تغيب عن اتّساعها شموسُ الأيام وقد استنزف الضمان الاجتماعي والضرائب الحكومية تلك الثروات فراحت تشحّ شيئاً فشيئاً على طريقٍ ستوصلهما إلى مأوى العجزة مالم تسعفهما أيادي أصحاب الثروات المتنامية من أصدقائهما بحكم الزمالة في المهنة فتقدّم لهما مساعدات نزيهة بدافع من شعوبها السعيدة الغنية الكريمة، ولله في خلقه شؤون.
قبل أن يوقظني الخبر التالي، الذي أفاد بأن مواطنين من أحد البلدان (الثريّة) داهموا المخابز بعد سماعهم خبر ارتفاع جديد في أسعار القمح، وقد وصف العمل مسؤولون من حكومة هذا البلد بأنه حدث تحت تأثير (إشاعات) يروّج لها (مغرضون)، عرّجتُ بذاكرتي بسرعة ومن دون عناء على عشرات الملفّات المتعلقة بالجوع والمرض والأوبئة والعنف والحروب والاقتتال والاحتلال والكوارث المدمرة، الطبيعي منها والمدبّر، والتي يتشرد بسببها ملايين البشر وغيرها المرتبط بالتخلف والأمية وبالقهر والحرمان والاضطهاد وبالقمع وبالفساد بأشكاله وبالثقافات الرديئة وفي قمتها ثقافات الإرهاب الفكري والمسلـّح وبالاستهتار بالإنسان وبأبسط حقوقه.. أبسطِها!!.