هذيان الموسيقى في أحضان الشعر
هذيان الموسيقى في أحضان الشعر
عبد الله امين الحلاق
كان لا بد أن يكون التصريح الصحافي الأخير للفنان مارسيل خليفة موضع تساؤل فكري لكونه يصدر عن فنان رفع شعار التجديد والتحديث في المشروع الموسيقي ويعبّر في الضرورة عن موقف فكري وسياسي يشكل السمة العامة لأعماله الموسيقية في السنوات الأخيرة. بهذا التصريح يعود خليفة إلى موروثات مرحلة من تاريخ لبنان والمنطقة العربية، مرحلة ذات طابع يربط الموسيقى بالبندقية والسلاح، عبر قوله: "الرصاص بمثابة البروتيين الذي يعطيني الدفعة والقدرة على التواصل، ولو لم يكن هكذا لما استطعتُ الغناء تحت القصف في لبنان أواخر الثمانينات، وعلى استعداد لتكرار التجربة نفسها".
كلام من هذا النوع لا يمكن إلا أن يكون مناقضاً لمشروع صاحب "كونشرتو الأندلس" و"مداعبة موسيقية"، و"تقاسيم" الذي سنتوقف عنده في السطور الآتية. فهو يستكمل في هذا العمل الأخير هاجس التجديد الموسيقي، كاستعادة لحوارية الشعر والموسيقى بينه وبين محمود درويش على خشبة الأونيسكو في بيروت عام 2003، في الذكرى الأربعين لتأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية، حين كان العود يحاور قصائد "لا تعتذر عما فعلت" و"جدارية"، فيختلط الإلقاء والصوت الرخامي للشاعر من جهة، مع تناغم الكونترباص وأوتار العود المنفلتة أحياناً كثيرة نحو النوى والماهور، لتبتعد عما أدمنه الجمهور من قصائد السبعينات والثمانينات وأغانيها، يوم كانت الثورة والبندقية والجمهور الملتهب عمادها، "باعتبار لم يعد هناك ثورة ولا ثوار"، كما يقول خليفة عندما جنح متعمداً في إحدى أمسياته الأخيرة إلى غناء قصيدة أدونيس "انهض يا ثائر".
فالمعزوفات التي قدّمها خليفة على خشبة الأونيسكو في تلك المناسبة المشار اليها، أعاد تقديمها على شكل ثلاثة مقاطع احتضنها عمل "تقاسيم"، وهي مهداة بدورها إلى محمود درويش، وكأن الشاعر ورفيق الدرب صار ملازماً للموسيقي، والموسيقي صار ملازماً للشاعر منذ مجموعة "وعود من العاصفة" حتى أعمال ما بعد التسعينات التي برز فيها الشعر البعيد عن المباشرة والجبهوية المحببة إلى قراء "سجل أنا عربي"، وأنصار الثورة المسلحة والعنف والتغيير الانقلابي، وحيث صارت القصائد الموغلة في الرمزية تعيد إنتاج القضية والفكرة والحلم بشكل رقيق ينسجم وثقافة الحياة والحرية، بأعمال من نوع "لماذا تركت الحصان وحيداً" وباقي الدواوين الجديدة، يرافقها غناء خليفة لموشح "أمر باسمك إذ أخلو إلى نفسي"، أو غناء أميمة الخليل يرافقها الكورَس لقصيدة "مر القطار"، وكمنجات الحلم التي تبكي على مجد ولّى عهده في الأندلس، وغير ذلك في أعمال موسيقية وشعرية تؤكد معنى أن تكون اللغة الحداثية حاضرة في مشروع شكّل عدم خوض غماره مقتل الخلاّقين ممن وقفوا على حافة مراحل السبعينات والثمانينات، بالفكر واللغة التي صارت عائقاً في وجه المجددين في الشعر والموسيقى وكل فنون الخلق الإنساني.
لذلك نسأل: ما الداعي الى تصريح مارسيل خليفة الأخير، والعائد بنا إلى ثقافة تقليدية مهيمنة على الفكر والثقافة العربية، والتي وصفها خليفة نفسه يوماً بأنها "تعيش في براثن الماضي بامتياز. ولا تنتمي إلى العصر إلا في روزنامة الحائط"؟ أم أن العنف الإسرائيلي، وتصاعد القتل اليومي في حق الفلسطينيين وممارسات الاحتلال لا بد لها أن تواجَه بتبرير للبندقية والموت والأشلاء الممزقة، حيث يصبح الموت هدفاً في ذاته، وخصوصاً مع تنامي تيار راديكالي ديني يتخذ من القضية الفلسطينية والمقاومة لإسرائيل أرضاً لنمو مشروعه الأصولي؟!
قد توافق فئة كبيرة من المثقفين والمتابعين مارسيل خليفة في أفكاره وآرائه وتصريحه الأخير، وقد يختلف معه البعض، لكن لا بد ختاماً من توجيه التحية اليه والى ريشته وعوده، الذي صنع مع شاعر القضية الفلسطينية الأول وشاعر الثقافة العربية والإنسانية أجمل حكاية إبداع، وكتب نوتة جميلة بعيدة عن المباشرة في الموسيقى والشعر وبهدوء ساحر، وحملت هذه النوتة عنواناً لن يكون الأخير طبعاً في مسيرة الخلق الفني: تقاسيم على العود. من مارسيل خليفة إلى محمود درويش.
جريدة النهار