شهادة عن نفسي؟ بل.. قصتي مع الكتابة

كوليت خوري قرأها 6
 

شهادة عن نفسي؟ بل.. قصتي مع الكتابة

كوليت خوري

Kolette%20Khouri.JPG

ويطلبون مني شهادة عن نفسي!

ويطالبون ويلحّون!

والواقع هو أني طوال حياتي ما استطعت أن أقدم شهادة عن نفسي!

بل أنا لا أعرف أصلاً ما معنى أن أقدم شهادة عن نفسي!

قد أستطيع أن أقدم شهادة عن حادثة رأيتها، أو عن مسرحية شاهدتها، أو عن مرحلة عشتها.

أما عن نفسي؟

* * *


ويهوّنون الأمر عليّ ويقولون:

ـ إذن حدثينا عن تجربتك مع الكتابة!

وأقف مذهولة حائرة!

وهل حكايتي مع الكتابة.. تجربة؟

أكل هذه السنوات المطرزة بالحروف والمنسوجة بالأفكار، والفياضة بالأحاسيس، والمتناثرة حكايات؟!

أكل هذه السنوات التي هي عمري.. تجربة؟

وهذا الدرب الصعب الوعر الذي قطعته.

بسمة تغرق في دمعة، وضحكة تخنقها غصة، وثانية تتعارض مع ثانية، وخطوة تسابق خطوة، بين الزهور والأشواك، وتحت الشمس وفي العتمة.

ورغم الصواعق والعواصف والضباب.

أهذا الدرب بطوله وعرضه.. تجربة؟.

حكايتي مع الكتابة لم تكن في يوم من الأيام.. تجربة!

إنها قصة حياتي..

وقصة حياتي طويلة عريضة مليئة.

من الصعب جداً بل من المستحيل أن أحشرها في شهادة محدودة!

قصة حياتي هي الشهادة على عصر بكامله.

فكيف أسجنها في مقالة؟!

ويعودون بالسؤال:

(أخبرينا إذن لماذا تكتبين؟).

وتتراقص الأجوبة أمامي، ولا أعرف أيها أختار؟ فأنا لا أعرف أيها الصحيح؟

لماذا أكتب؟

ربما لأن القدر شاء لي أن أولد في بيت مفروش بالكتب والمجلات، مطلوسة جدرانه بالرفوف والكلمات، ممزوج فضاؤه بالشعر والأفكار.

وكان كل من حولي يكتب، حتى إنني ظننت الكتابة جزءاً من الحياة اليومية.

فكتبت أنا أيضاً!

* * *

وربما لأنني عندما جئت إلى هذه الحياة صرخت مثل كل الناس، وعندما فتحت عينيَّ للنور تمنيت أن تستمر صرختي حتى هذه اللحظة.

لكنني نشأت في بيت عريق في السياسة، مفعم بالأدب.

يؤمن بالحوار والمناقشة والحجة والإقناع، ويعدّ الصراخ ضعفاً وقلة تهذيب.

ولما كنت ابنة هذا البيت، ومتشربة آراءه..

وكنت في الوقت ذاته في حاجة ماسة إلى الصراخ، فقد صرخت إنما.. بأصابعي!

وكان الورق الأبيض وما زال خير صدر يحتضن صراخي..

* * *

وربما أنا أكتب لأنني أخاف الموت.

هذا الشبح الماثل هناك في نهاية الطريق والذي يتوعّدني..

أنا أتحدّاه بحروفي، وأحاربه بالكتابة، وأجد نفسي سعيدة وأنا أتوهم أنني بهذه الأسطر المضاءة بالكلمات، سأطيل حياتي قليلاً.

* * *

وهناك الكثير من (الربما)!

إنما المهم في هذا الموضوع، بل الأهم والمؤكد هو أنني أكتب!

وأن الكتابة هي هذا الأنا الآخر، الأنا الحي الذي لا أستطيع الانفصال عنه!

هي صديقتي القوية، التي تؤنسني أنا المرأة لحظات الوحدة.

وتشدّ أزري أنا الإنسانة، فترات الشدة.

وتعمّر لي أنا المواطنة عالماً دافئاً، أيام الغربة..

وتكون خلاصي في مراحل الرمال المتحركة..

الكتابة وطني.. عندما يقسو عليَّ الوطن ويجور..

وأنا عندما أكتب لا أحسّ بأنني أقوم بعمل ما، بل بأني أتنفس..

فالكتابة توءمتي النابضة..

ولدت معي..

فإذا ما انفصلتُ عنها يوماً، انتهيت!

النور

السيرة الإبداعية للروائية السورية كوليت خوري