حصين البحر.. المشعّة!

حيدر حيدر ـ النور قرأها 6
 

حصين البحر.. المشعّة!

حيدر حيدر ـ النور

حصين البحر.. تلك البلدة الساحرة بجمال طبيعتها وثقافة أبنائها، البلدة التيتطلّ على البحر من على صهوة جبل أخضر شامخ كقامات مبدعيها، بلدة سعد الله ونوسوحيدر حيدر، كانت على موعد مع مهرجان ثقافي متنوع الفعاليات تُوِّج بتكريم الروائي والقاص حيدر حيدر بحضور حشد كبير من أبناء البلدة ومثقفي المحافظة وسورية.

النور

في ذلك الحفل البهيّ ألقى المكرّم حيدر حيدر كلمة جاء فيها:

اسمحوا لي بداية أن أتوجه بالشكر والمحبة لشاعرنا العظيم أدونيس الذي حضر الأسبوع الفائت إلى ساحة النادي الرياضي، حيث التقى الفنانين والنحاتين لمدة أربع ساعات تقريباً بحضور عدد من الجمهور. لقد أمتعنا وأفادنا بالأسئلة التي أجاب عنها في مجال الشعر والتراث معتذراً عن الحضور في يوم التكريم لضرورة السفر.

في مناسبات عدة يسألونني أو يسألون آخرين من أهل قريتنا: ما هذه الحصين البحر الفريدة بين القرى التي أنجبت سعد الله ونوس وحيدر حيدر؟

لهؤلاء ولكل من يسأل أو لا يعرف أهمية وتاريخ هذه القرية ـ البلدة الآن، أحب بهذه المناسبة الثقافية ـ الصحوة، التي جاءت متأخرة نسبياً، أن ألقي الضوء على التاريخ المتواضع والجوهري لقريتنا الرائعة.

قبل نحو سبعين عاماً، أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات في الزمن الزراعي ـ الرعوي لقرانا زمن ما قبل الكهرباء وقبل الأسمنت، الزمن الذي أسميه في روايتي القادمة بزمن الكاز والحطب والطين والغبار ومياه العيون الشحيحة والينابيع التي نشرب منها، تلك التي تبعد عن الضيعة نحو الميل، حين كانت قرانا محرومة من الماء والكهرباء والطرق ووسائل المواصلات.

في ذلك الزمن الفقير والجاهل كان في القرية مدرسة ابتدائية يؤمُّها تلاميذ القرى المجاورة ليتعلموا مع تلاميذ قريتنا، وينالوا الشهادة الابتدائية، التي كانت توازي في مستواها العلمي والمعرفي الشهادة الإعدادية الآن.

كان هناك معلم واحد لجميع الأقسام والصفوف يأتينا من خارج القرية.

وكان التعليم ونيل الشهادة الابتدائية آنذاك يؤهلنا للالتحاق بالمدينة لنيل الشهادتين الإعدادية والثانوية. مولّداً في نفوسنا الشعور بالاعتزاز والفخر والمباهاة. لقد انتقلنا من غابة الظلمة إلى واحة النور، كما كنا مدعاة فخر لأهالينا وقريتنا.

كان هذا في أوائل الأربعينيات في القرن الماضي، في أزمنة الضيق المادي والفقر والجهل، وما خلفه الاستعمار الفرنسي من المآسي والخراب على المستويات كافة.

من هذه القرية المدهشة والفقيرة، ومن مدرستها التي كانت منارة صغيرة مشعَّة عبر ظلام الجهل والتخلف، لم يتخرج سعد الله ونوس وحيدر حيدر، وحسب. في مدرسة القرية الابتدائية هذه درس عشرات ومئات التلاميذ الذين أتموا علومهم، فكان منهم الأطباء والمهندسون والمحامون والمدرسون وأساتذة الجامعات والصحافيون والدبلوماسيون والضباط الوطنيون الشرفاء والشعراء والفنانون والمترجمون من اللغات الأجنبية إلى العربية، وأخص بالذكر في مجال الترجمة الصديق العزيز إبراهيم وطفي الذي عكف على ترجمة الروائي العالمي فرانز كافكا وذلك خلال أكثر من عشرين عاماً. ترجم كافكا عن الألمانية حيث يقيم منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأنجز حتى الآن مجلدين كبيرين لهذا الروائي التشيكي الكبير.

إذن هذه حصين البحر المشعة والمضيئة والسباقة إلى العلم والمعرفة، هذه القرية التي تستحق أن تقيم مهرجاناً ثقافياً وفنياً، وهي مؤهلة له. وجاء مع الأسف كصحوة متأخرة. إنها القرية التي يليق بها أن تحتفي بالثقافة والإبداع قبل أن تحتفي بالرياضة. وهكذا تنقلب الآية ليتقدم الرأس الخلاق على القدم العمياء، مع الاحترام للرياضيين.

بهذه المناسبة وبعد الشكر الجزيل للمشرفين على المهرجان، وهذا التكريم النبيل، اسمحوا لي أن أهدي هذا التكريم للثقافة العربية الخلاقة والمبدعة والمقاومة. الثقافة التي لا تساوم ولا تدجّن ولا تنهزم ولا تنحني للعواصف. كما أهدي تكريمي لقريتي ومدرستي، مدرستنا جميعاً، المدرسة التي شعّ منها أول حرف من نور أدبي ومعرفتي على مدى نصف قرن من الجهد والدأب. وبهذه المناسبة أقترح على اللجنة المشرفة تأسيس نادٍ ثقافي أو جمعية ثقافية فنية في القرية يتسمى أو تسمى باسم المسرحي الراحل سعد الله ونوس.

إنني على استعداد للتبرع وتزويد مكتبة النادي أو الجمعية بما لا يقل عن مئتي كتاب من مكتبتي الخاصة، طالباً من أصدقائي، وبعضهم معنا، التبرع بالكتب من مكتباتهم الخاصة حسبما يستطيعون، لتضم المكتبة كنوزاً من الأدب المحلي والعربي والعالمي، وبذلك توضع الأمور في نصابها وتأخذ القرية ـ البلدة موقعها الجديد واللائق بها، قبل غيرها، في فضاء الثقافة والإبداع.