محمود درويش.. والعابرون في كلام عابر
محمود درويش.. والعابرون في كلام عابر
د. أحمد الخميسي
رحل عن عالمنا محمود درويش أعظم شعراء اللغة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وأعمقهم أثراً. وهو أثر يرتبط بوضع تاريخي، أصبح فيه صوت الشاعر الفلسطيني صوتاً لكل الشعوب المجبرة على حياتها المُرَّة، وحين كتب درويش "سجل أنا عربي.." كان يعبُر من الحالة الفلسطينية الخاصة إلى القانون العام للوضع العربي، على امتداد وثراء ذلك الوضع، جغرافياً، وثقافياً، وسياسياً، ولغوياً. ومن هنا اكتسب مكانته، ليس فقط بإنجازاته في تطوير الشعر العربي، ولكن أيضاً لأن هذه الإنجازات مرتبطة بقضية تاريخية ضخمة، ومن ثم أصبح درويش خريطة وكلمات كل وطن محتل.
شعراء قليلون عبر تاريخ الثقافة هم الذين استطاعوا أن يصبحوا رمزاً عاماً، مثل بابلونيرودا، ومايكوفسكي، ومحمود درويش، ولهذا يتدفق كل هذا الحزن الجارف على درويش في أنحاء الوطن العربي. ولا أريد هنا أن أعبّر عن مدى حزني العميق لرحيل ذلك الفارس، وشعوري بفداحة الخسارة، لأنني بذلك لن أضيف جديداً إلى كل الأصوات الحزينة التي تفجرت بألمها في شكل قصائد ومقالات ورسائل قصيرة، لكنني أريد أن أناقش العلاقة بين السياسي والشاعر في ظاهرة محمود درويش، ذلك أن البعض انقض على درويش بعد رحيله، وهاجمه بقسوة، وبلا رحمة، بسبب مواقفه السياسية، هجوماً يدل فقط على السطحية الشديدة التي نتعامل بها مع قضية كتلك. أنا ضد التطبيع هذا معروف، وضد الصلح، وأعتقد أن فلسطين لابد أن تعود كاملة لشعبها مهما طال الزمن، وأن تحريرها بالمقاومة سيظلّ الحلّ الإنساني الوحيد ليس فقط للشعب الفلسطيني، بل ولليهود الذين وفدوا إلى هناك بأحلام الغزو والاستيطان والحياة على حساب شعب آخر. لكنني أستطيع أن أتفهم تماماً اليأس والإحباط في قضية معقدة مثل قضية فلسطين، وأستطيع أن أتفهم تماماً موقف محمود درويش الداعي للتسوية والمؤيد لفتح، ومشاركته في حوار علني مع مثقفي "المابام" الإسرائيلي، ودعمه لاتفاقيات أوسلو، وغير ذلك. أستطيع أن أتفهم تماماً أن صوت محمود درويش في مرحلة قصائد المقاومة الأولى قد اختلف، لأن المرحلة صارت أخرى، ولم تعد المقاومة قادرة على إلهام من حولها كما كان حالها في البدايات. لكن موقف محمود درويش السياسي هنا - رغم الخلاف معه - لا يحدّد قيمة محمود درويش. فموقفه هذا، هو موقف آلاف، إن لم يكن عشرات الآلاف، الذين ليس من بينهم محمود درويش واحد. ولا تكمن قيمة الشاعر الراحل الكبير فيما يشترك فيه مع الآخرين، لكن فيما يتميز به عنهم، فيما يكتبه من شعر مشبع بالدعوة لتحرير الوطن بأعمق معاني تلك الدعوة وشتّى أشكالها وثراء تناولها غير المحدود. من غير درويش كتب "عابرون في كلام عابر؟" ومن غيره قال:
"أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا
وخذوا ما شئتمُ من زرقة البحر
ورمل الذاكرة
وخذوا ماشئتمُ من صورٍ
كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء..
فاخرجوا من أرضنا..
من برنا..
من بحرنا..
من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا!".
في هذا الشعر موقف محمود درويش، وليس في غيره. أحيانا ما تنشأ في الأدب مسافة بين ما يعكسه الأدب في واقع الأمر ببنيته وتكوينه ورؤيته ولغته، وبين حركة الكاتب في الواقع الاجتماعي والسياسي. كان عبد الرحمن الشرقاوي صاحب رواية "الأرض" العظيمة مؤيداً لاتفاقيات كامب ديفيد، وكذلك نجيب محفوظ بقامته التي لا تطال، لكن ذلك الموقف السياسي لم يُسقط أبدا قيمة الأعمال الأدبية الفذّة التي قدّمها الإثنان، لأن تلك الأعمال كانت في واقع الأمر توحي بشيء مختلف يكفل لها البقاء والحياة والتأثير. ولن يبقى من الشاعر الراحل الكبير ذلك الشيء الذي اشترك فيه مع الآلاف، لكن سيبقى منه ذلك الشيء الذي تميز به عن الآلاف، شعره، وقصائده، التي مجّدت كلها الحرية، والجمال، وأنبل المعاني. أما الذين وجدوا في رحيل الشاعر فرصة رخيصة لتسوية حسابات، فإنهم "عابرون.. في كلام عابر جداً" لا أكثر.
رحم الله محمود درويش خريطة الوطن التي فارقتنا، وخريطة الشعر، وطرح البركة في شعبه الأسطوري الذي تبزغ في أرضه معجزة البطولة كل ساعة.
***
أحمد الخميسي. كاتب مصري - Ahmad_alkhamisi@yahoo.com