هكذا هكذا نحن في حاجة للخرافة! وداعاً درويش!!
هكذا هكذا نحن في حاجة للخرافة! وداعاً درويش!!
زهير عطا سالم
لست مختصاً ببحور الشعر والأوزان والقوافي، ولكني قارئ بشغف لمعظم ما كتب الراحل. بعض وسائل الإعلام الفلسطينية أصرت على " فلسطنة " محمود درويش، لكن بعض الفضائيات أصرت على عروبته. والأرجح أن درويش سيجد من يرثيه في برلين ولندن ولكسمبروغ وحتى تل أبيب، ليصبح شاعراً كوكبياً مكافحاً لأجل العدل والإخوة والسلام بين الشعوب.
ترى بأي الكلمات يرثى درويش؟ هل نراه في الجراح الغائرة أم في وطن سليب؟ أم لعله عاشق يبحث عن حبيبته المسافرة بلا وطن؟ لماذا أحب الشاعر موسيقى فيروز ومارسيل خليفة؟!
انطلق الشاعر من فضاء المعاناة الفلسطينية وبدأ حياته شيوعياً ذا ميول قومية أحياناً فكتب:
سجل أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
قد نتساءل: هل الصور الشعرية من صنيعة الشاعر أم أن الشاعر كان في بعض الأحيان صنيعة الصور؟ الأدق من الاحتمالين، أن درويش قد اتحد مع القصيدة. مع بحرها ووزنها وقوافيها، فكان من الصعوبة بمكان أن تفرق الشاعر عن وجدانه المتدفق كالشلال بكل أحاسيس الحزن والشجن والغضب والعشق والتفاؤل. لنشاهد مثلاً وصفه لحفلة عزف:
في دمشق:
تدور الحوارات
بين الكمنجة والعود
حول سؤال الوجود
وحول النهايات:
من قتلت عاشقاُ مارقاً
فلها سدرة المنتهى!
كان عاشقاً للسلام الحقيقي، فقال معلقاً على مسخرة أوسلو:
السلام هو الاعتراف علانية بالحقيقة
ماذا فعلتم بطيف القتيل؟
السلام هو الانصراف إلى عمل في الحديقة
ماذا سنزرع عما قليل؟
وكثيراً ما كان درويش يخاطب الإسرائيليين فتراه يعاتبهم قائلاً:
أيها الساهرون ألم تتعبوا؟
من مراقبة الضوء في ملحنا
من وهج الورد في جرحنا
ألم تتعبوا أيها الساهرون؟
في كثير من الأحيان كان الشاعر يهاجم الخرافة، ولكنه يبدو متساهلاً متفهماً المؤمنين بها:
يمر الزمان بنا أو نمر به
كضيوف على حنطة الله
في حاضر سابق، حاضر لاحق
(هكذا هكذا نحن في حاجة للخرافة)
كي نتحمل عبء المسافة ما بين بابين
كان منصهراً في وطن حاضر غائب، يخاطب ما يعنيه الوطن للمهاجرين الذين تركوا أرضهم عنوة:
لو يذكر الزيتون غارسه
لصار الزيت دمعاً
لكن سهل الريح
لا يعطي عبيد الريح زرعاً
يا حكمة الأجداد لو
من لحمنا نعطيك درعاً
إنا سنقلع بالرموش
الشوك والأحزان قلعاً
.....
.....
في خضم المعاناة والحصار يتذكر الناس جوعهم وموتهم، ولكن درويش كان على عكسهم تماماً، يستحضر الحياة وأسطورة الصمود، ويتفاءل رغم كل شيء فيقول:
سيشتد هذا الحصار حتى نعلّم أعداءنا
نماذج من شعرنا الجاهلي
انتهى درويش الجسد، وبقيت كلماته الخلاقة، تنظر غاضبة إلى مجرمين وأغبياء وحمقى يقتلون بعضهم ويسفكون الدماء باسم الرب ونيابة عنه، فيما تزرع تلك الكلمات الأمل الدافق في العشق الأبدي.