الموسيقا السورية المعاصرة عند نوري إسكندر
الموسيقا السورية المعاصرة عند نوري إسكندر
نمرود سليمان
الموسيقا هي أحد أنواع الفنون، لها وظيفة اجتماعية إلى جانب وظيفة جمالية، والإبداعات فيها تتطور مع تطور المجتمع وثقافته وتراكماته، وتدخل في آفاق مستجدة دائماً.
وإذا تأخرت الموسيقا عن مواكبة التطور الثقافي في المجتمع، بقيت في حالة جمود فيها التكرار، مما يؤدي إلى ابتعاد الناس عن هذا النوع من الموسيقا المتكررة، ويسمعون أنواعاً أخرى متعددة وغريبة عن ثقافتهم.
إن فكرة تقديس التراث باستمرار والعمل بعيداً عن التطور، تخلق حالة سلبية في المجتمع، لأن التوقف عند التراث زمناً طويلاً، والابتعاد عن التطور، يؤدي إلى حالة انفصام بين الناس وهذه الموسيقا التراثية.
طرحت (النور) هذه القضايا وسواها، على المؤلف الموسيقي نوري إسكندر، وكان الحوار التالي معه:
· ما رأيك بالتراث الموسيقي؟
o إن فكرة تقديس التراث باستمرار والعمل ضمنه، بعيداً عن التطور، تخلق حالة سلبية في المجتمع، لأن التوقف زمناً طويلاً من جهة، والابتعاد عن التطور من جهة أخرى، يؤديان إلى حالة انفصام بين الناس والموسيقا التراثية. ولا أقصد هنا إبعاده والتقليل من شأنه الموسيقي، بل من الضروري البحث فيه عن خلايا وعبارات وجمل موسيقية لها دلالاتها ومضامينها القيمة، والتي يمكن أن تكون نواة لبناء موسيقا معاصرة جديدة.
إذاً البحث في التراث الموسيقي كدراسة تحليلية، مهم جداً وضرورة لبناء الموسيقا الجديدة المعاصرة والمستقبلية على هذه النواة الموجودة في التراث، ثم إيجاد خط آخر جديد يوازي التراث لخلق عوالم جديدة تناسب تطور المجتمع وطموحاته.
الدارسون الموسيقيون، انقسموا إلى قسمين: الأول يتمسك بالتراث كما هو بحجة الهوية والشخصية. والثاني: يرى في الموسيقا التراثية المحلية (العربية) وجود مقامات وأجناس تحوي مسافات مكروتونية أي (مسافات ذات ثلاثة أرباع البعد بأنواعها). ولما كانت هذه الموسيقا أحادية اللحن تملك نمنمات أي (درجات موسيقية عديدة بشكل تعبيري وتزييني)، تكمن فيها أجواء سحرية وفضاءات جميلة وساحرة.
إن هذه المجموعة الموسيقية لم تستطع اختراق هذه الشكلانيات، خوفاً من ضياع روح المقام، بل حاولت تطوير الموسيقا المقامية في الأقطار العربية، معتمدة على القواعد في الموسيقا الغربية وتطبيقها على الموسيقا المقامية المحلية، فجاؤوا بحالات تطويرية معتدلة لم تكن من صلب المقام في الموسيقا العربية.
· أين تضع نفسك من القسمين؟
o بعد دراستي للموسيقا بنوعيها الشرقي والغربي، حاولتُ وفكرت كيف يمكنني الاستفادة من التأثيرات السحرية، والمضامين الفنية بألوان وتعابير موسيقية، الموجودة في العنصر اللحني وتطويرها إلى العمق أكثر، مستفيداً من المعطيات: الهرموني أي (عزف عدة درجات موسيقية في آن واحد) والبوليفوني أي (وجود عدة ألحان تعزف في آن واحد معاً) في الموسيقا الغربية ضمن قوالب مفتوحة بأشكالها المختلفة. لذلك كان لا بد من:
1. التحرر من الفكر المسبق في كيفية التعامل مع المقامات والأجناس بأسلوبها التقليدي.
2. إيجاد أشكال لحنية جديدة غير التقليدية المعروفة، للحصول على مضامين موسيقية جديدة.
3. الاستفادة من القوالب المفتوحة.
4. خلق علاقات موسيقية جديدة ومن منطقها الداخلي الخاص، وخلق حوارات جدلية وتفاعلية.
5. إيجاد توليفات هرمونية (أكّورات)، وهي (مجموعة أصوات تعزف في آن واحد)، بما يناسب مفهوم الأجناس والمقامات الشرقية، وأيضاً بما يناسب هذه الأشكال اللحنية الجديدة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على روحية هذه المقامات بأشكالها الجديدة على قدر الإمكان.
· لماذا الدخول في علوم الهرموني والبوليفوني وتطبيقها على الموسيقا المحلية العربية، وهل القصد منها تقليد الموسيقا الغربية؟
o ليس القصد كذلك، وإنما الحصول على أحاسيس موسيقية معبّرة بشكل أعمق وأكثر أبعاداً، موسيقانا العربية المحلية كانت وما زالت، تعتمد على المذهب الجمالي في اللحن، معتمدة على الكلمة (الشعر) بقصد التعبير، لكن الموسيقا بشكل عام ليست مقترنة بالشعر. لقد كانت الموسيقا في العالم منذ بدايتها تعتمد على الشعر، ولكن جاء وقت انفصلت فيه الموسيقا عن الشعر وخلقت لغة موسيقية آلية بحتة وتعبيرية عميقة. كما أن الغناء ظل مستمراً إلى جانب الخط الموسيقي البحت، وفي منطقتنا العربية من جديد صارت الموسيقا تأخذ منحى منفصلاً عن الشعر لتدخل في العالم التعبيري التجريبي والدرامي بشكل أكثر.
إن هذا الانفصال خلق طموحات جديدة، للتعبير بشكل أكثر عمقاً في الموسيقا العربية، لكنها ما زالت تحتاج إلى الكتابة العمودية (الهرموني البوليفوني) للتعمق أكثر في التعبير والأحاسيس ضمن قوالب مفتوحة، مثل (قالب السوناتا) وقالب (الروندو) وغيرهما.
إن تراكيب القوالب المفتوحة في الموسيقا العالمية هو من أهم العوامل المساعدة على خلق موسيقا جدلية وتفاعلية، وهذا يعني دخول عنصر الفكر والعقل في المؤلفات الموسيقية البحتة.
· هل الموسيقا العربية التقليدية معظم قوالبها، مغلقة وسردية وتتابعية بعيدة عن الجدل الفكري الموسيقي؟
o نحن بحاجة إلى موسيقا تحرِّض العقل والفكر والروح، ضمن تساؤلات ذاتية عامة كثيرة.
هذه الموسيقا المحرضة سوف تلعب دوراً هاماً، في الابتعاد عن السردية والاستلابية التي جاءتنا من أعمال موسيقية (مقامية) تقليدية. وبقناعتي حتى ندخل في العالم الجديد من الموسيقا المحلية، علينا كما قلت سابقاً التحرر من الفكر المسبق في كيفية التعامل مع المقامات والأجناس بأسلوبها التقليدي. لذلك كان لا بد من تكسير (تفكيك) سير المقام اللحني التقليدي، وإعادة بناء عبارات موسيقية جديدة غير تقليدية للحصول على مضامين موسيقية جديدة.
· هل يعني ذلك الابتعاد عن الجماليات الرائعة في الموسيقا العربية والطرب؟
o قطعاً لا، لأنني في بداية الحوار ذكرت كيف يمكننا الاستفادة من هذه التأثيرات السحرية الموجودة في العنصر اللحني العربي والمقامات والأجناس لغناها.
الطرب في الموسيقا العربية من أهم العناصر في بنائية الموسيقا العربية، له أسراره الخاصة التي لم نستطع حتى الآن تحليلها وتفسيرها، بل نتعامل معه بطريقة عفوية منذ زمن بعيد. هذا العنصر يجب أن يلعب دوراً هاماً في الدراما الموسيقية، يعني توظيف الطرف في مكانه الصحيح. أما الجماليات الأخرى في المقامات، فإنها ضرورة هامة في خصائص الموسيقا العربية، أيضاً ينبغي الاستفادة منها في الدراما الموسيقية بتكوينها الفكري والعقلي.
· هل حالة التوترات التي شهدتها وما زالت تشهدها المنطقة العربية، وحالات المقاومة في لبنان والعراق والكفاح الفلسطيني، كانت وراء إنتاج موسيقا جديدة للمنطقة؟
o نعم.نعم.نعم، مثال بسيط: إن مقام (الصبا) معروف عنه تقليدياً وتراثياً، أنه مقام حزين يائس ورخو، يعبر عن المعاناة والبؤس. ولكن هذا المقام تغيّر مضمونه ومدلوله خلال الحروب والكفاح المسلح، التي خاضها الشعب العربي في هذه الفترة. فقد لُحنت (تأليف موسيقي) أغان وطنية كفاحية لها تأثير العزم والقوة بأسلوب ناري قوي، نجدها في الأغاني الفلسطينية الثورية، وفي مصر وسورية ولبنان أغان وطنية على مثيلاتها أثناء حرب 1967 وغيرها.
إذاً الحالة الجديدة للمجتمع ومعاناته غيّرت مضمون هذا المقام الحزين الرخو، إلى مقام يعبر بقوة وبشدة عن العزم والإيمان في الكفاح، وهكذا سوف يعمل الموسيقيون بالتعامل مع المقامات العربية ضمن إعادة القراءة لهذه المقامات من جديد، واكتشاف منابع القوة والتعابير المختلفة ضمنها والتي بقيت من ثلاثة القرون الماضية في حالة ساكنة وبمضمون أحادي سطحي.
· في المؤتمر الموسيقي الكبير للدول العربية، الذي انعقد في القاهرة عام 1932، وحضره علماء موسيقيون من أوربا، ظهرت إشكالية المسافات الموسيقية في المقامات العربية بشكل واضح، مثال: مقام (السيكاه) في العراق يختلف عنه في مصر وحلب.. إلخ، وكان التوجه إلى توحيد هذه الدرجة (السيكاه) لجميع الأقطار العربية، ما رأيك بهذا الكلام؟
o جرت محاولات عديدة في مؤتمرات أخرى أيضاً، بدءاً من 1932 إلى آخر مؤتمر، وكان الهدف توحيد السلم العربي (المقام) بمعنى توحيد الأقطار العربية موسيقياً. ولكن هذه المحاولات كانت مطلوبة لأسباب أيديولوجية قومية، بينما الحقيقة أن عملية التوحيد سوف تقضي على جماليات موسيقية كثيرة، فاختلاف المسافات تعطينا غنى في الألوان الموسيقية الكثيرة. ثم إن هذه الاختلافات ظهرت في كل الأقطار العربية، نظراً لخصوصيات المجتمعات العربية، وهذا يعني أن لكل قطر عربي في موسيقاه خصوصية غير موجودة عند قطر آخر. نعم هناك قواسم مشتركة بين موسيقا كل قطر إضافة إلى الخصوصية التي يمتاز بها.
· وماذا عن الموسيقا السورية؟
o الموسيقا السورية مكونة من عدة ألوان موسيقية على مرّ التاريخ. فهناك السريانية والبيزنطية والعربية والكردية والأرمنية والبدوية إلخ...
كل هذه الألوان الموسيقية شكّلت نسيجاً للموسيقا السورية، فيها خصوصيات كثيرة، جاءت إلينا من عمق الحضارات المتتالية والمتفاعلة في المنطقة، وكان من حسن حظّي أنني أعرف اللغة السريانية، فتابعت ودرست هذا التراث ودوّنت ألحانه ضمن كتابين (تقليد مدينة الرها) و(تقليد دير الزعفران) وتوابعه.
إن خصوصية الموسيقا السورية تأتي من هذه الجذور بشكل واضح، والتي سترفد الموسيقا العربية وتغنيها بإنتاجها الموسيقي.
· كيف تعاملت مع هذه الجذور الموسيقية خلال مسيرتك الفنية؟
o في مدينة حلب من 1964 ـ 1970 قمت بتجارب موسيقية عديدة، في مجال الكورال الجماعي على المقامات الشرقية، وألّفتُ مسرحية غنائية بعنوان (الملك والربيع). ومن عام 1970-1973 قمت بتجارب ميدانية تطبيقية، وشكلت فرقة غنائية اسمها (فرقة شميرام) في بيروت. وقدّمتُ على مسرح اليونسكو في بيروت احتفالاً موسيقياً ضم أغاني سريانية باللهجتين الشرقية والغربية (سرياني، آشوري) ومجموعة وصلات من الموشحات (الحلبية) مع رقص السماح والدبكات الآشورية المعروفة في قرى الخابور الآشورية بمحافظة الحسكة. وكان الفرح كبيراً باشتراك الفنان الكبير وديع الصافي في هذه الاحتفالية بأغنيتين: الأولى (سريانية بنفَس شعبي) من ألحان الدكتور إبراهيم كورية، والثانية (غناها باللغة الآشورية إيمن يازونا)، ومعناها متى يا زمن، وهي من ألحاني والكلمات للشاعر عمو سلمون.
وأيضاً شكلت فرقة غنائية من بعض خريجي المعهد العالي للموسيقا في دمشق، ومن عناصر أخرى من حلب باسم فرقة (قوقويو)، ومعناها (الفخارون). وقدمنا عروضاً عديدة للألحان السريانية في باريس وجنيف وبروكسل ومدريد وبرلين...إلخ، لتعريف الشعوب الأوربية بالموسيقا السورية القديمة.
في نهاية عام 2002 عملت على المسرح الهولندي (Z. T. Hollandolia) في مسرحية (عابدات باخوس) لمؤلفها اليوناني يوربيدس، التي كتبها عام 400 قبل الميلاد، ولعبنا فيها دور الجوقة في المسرحية باللغة العربية من شباب وبنات خريجي المعهد العالي للموسيقا في دمشق، مع عناصر أخرى من مدينة حلب. وعُرض هذا العمل في عواصم أوربا: أثينا، فيينا، بروكسل، أمستردام، كولن، دوليبورغ.. إلخ، وفي هذه المسرحية كانت مرجعيتي الموسيقية الأولى: الموسيقا التراجيدية السريانية + موسيقا عربية + موسيقا كردية.. إلخ من جميع ألوان الموسيقا السورية، إضافة إلى ألحاني الخاصة.
· هل تُحدثُنا عن الأعمال التي قدمت في 8 شباط 2008 بمناسبة دمشق عاصمة الثقافة العربية في دار الأوبرا بدمشق ومرافقة الأوركسترا السمفونية للمعهد العالي بدمشق.
o حضّرنا هذا البرنامج برعاية من السيدة الأولى أسماء الأسد، وهو يتضمن:
1. كونشرتو لآلة العود مع الوتريات (سولو) محمد عثمان.
2. كونشرتو لآلة فيولونسيل مع الوتريات، (سولو) فادي حتر.
3. مقاطع غنائية (سولو) سوزان حداد.
4. عمل غنائي بعنوان (مدخل إلى الصوفية) شعر ياسر حمود. وقد تقبل الجمهور هذا العمل بارتياح.
* * * * *
نوري إسكندر في سطور:
مواليد دير الزور 1938، بعد نيله شهادة الثانوية العامة من حلب، حصل على منحة دراسية في القاهرة من سنة 1959 إلى 1964، فتخرج حاملاً ليسانس في التربية الموسيقية.
عُيّن مدرساً لمادة التربية الموسيقية في المدارس الإعدادية ودور المعلمين بمدينة حلب، وأثناء عمله، قام بتجارب موسيقية في مجال المقامات العربية، وإمكانات إيجاد حلول لإشكالية (البوليفونية) و(الهرموني) من خلال جوقات في تراتيل الكنيسة السريانية، وتعرف على الموسيقا الإسلامية في مجال الذكر والموالد في بعض جوامع حلب.
درس الموسيقا الشعبية الفلكلورية الآشورية مع دبكاتها، كذلك درس الموسيقا التراثية العربية (الموشحات) والقدود الحلبية.
قام بتأليف أعمال موسيقية تجريبية من خلال الثلاثي الوتري والخماسي الوتري من قبل العازفين (فتحي الجراح، حلمي الجراح، حسام واعظ، وانيس مبيض، جورج هيرابديان).
ألف موسيقا تصويرية للعديد من المسلسلات التلفزيونية وأفلام سينمائية، وشكّل عدة جوقات غنائية أهمها فرقة (قوقويو) ومعناها (الفخارون)، وقدم في سورية وفي بعض العواصم الأوربية الألحان السريانية من طقوس الكنيسة السريانية الأرثوذكسية.
اشترك مع المسرح الهولندي عام 2002، وألف موسيقا للمسرحية اليونانية (عابدات باخوس) لمؤلفها يوربيدس معتمداً على جذور الموسيقا السورية القديمة (السريانية). قام بجمع ألحان الكنيسة السريانية بحسب تقليد الرها (أورفة) من أداء القسّ (توما أداي) والشماس عبد الغني بين عامي 1968 و 1970، كذلك ألحان دير الزعفران وتوابعها من أداء البطريرك يعقوب الثالث، قام بتنويط (تدوين موسيقي) هذه الألحان وطبعها بإشراف ورعاية المطران يوحنا إبراهيم مطران حلب ضمن كتابين، الأول بيت كازو (تقليد الألحان الرهوية)، والثاني بيت كازو (تقليد دير الزعفران وتوابعها).
في هذا العام ضمن احتفاليات دمشق عاصمة الثقافة العربية، قدّم من أعماله الأوركسترالية والغنائية بأداء الأوركسترا السيمفونية الوطنية. يعمل الآن بتحضير أعمال موسيقية جديدة.
النور