زمن إنتاج النص، وظروف التلقي

د. عاطف البطرس قرأها 6
 

زمنإنتاج النص، وظروف التلقي

د.عاطف البطرس

تضعنا «بئر الأرواح» المجموعة القصصية للكاتب «عدنان كنفاني» أمام سؤالٍ كبيرٍ، يتمثل بالتحدي الذي يواجهه الكاتب الفلسطيني (تحديداً) بصفته صاحب القضية الأول (وكلناشركاء في المسؤولية والمصير)، التحدّي فني بامتياز... حيث يقدم الواقع اليوميوالتاريخ الكفاحي للشعب العربي الفلسطيني البطل/ وليس المجال هنا للحديث عن أشكالوطرق نضاله ولا عن ممارسات قياداته والحكم عليها، فهو خارج التناول إلا بمقدار مايمليه النص/.‏

التجربة النضالية بأشكالها المختلفة وتجلياتها (داخلاً وخارجاً... ثم خارجاً فداخلاً) دون المساس بوحدة هذا الشعب تاريخاً ومصيراً، وفرت للمتخيلالسردي كتابه وللكتاب العرب وللتجربة الإنسانية مادة وفيرة من الوقائع والأحداثوحكايات البطولة وقصص التضحية ما يفوق في كثير من الأحيان القدرة التخييليةللمبدعين.‏

الإشكال اليوم أن ما نراه على شاشات البث الفضائي وما تقدمه ثقافةالصورة، يفوق قدرة المتخيل الإبداعي على التأثير، بما فيه من عجائبية وغرائبية لاتُعقل كيف ولمرات يحاصر شعب بأكمله، بكل مؤسساته، وكيف للمتخيل السردي الحكائي أنيتصور كم طفل بحاجة على دواء، وكم مريض في غرفة العمليات بحاجة إلى تخدير لإجراءعمل جراحي، وكم وكم... عداك عن الصورة التي باتت مألوفة لتكرارها.. القتل وتدميرالمنازل بمن فيها.. الأطفال الأبرياء الذين يُقتلون، إنها محرقة شعب والعالميتفرج.‏

ماذاسيفعل الأدب؟!...‏

هليكتفي بتصوير الواقع على غناه، فنتهم عندها بالمرآتية والنقل الميكانيكي وتعطيلالمخيلة، أو يبتعد عن الواقع ويتجاوزه وبذلك تنطفئ حرارة الإبداع...‏

وهناتكمن إشكالية الكاتب، وفعل الكتابة الإبداعية. المحافظة على المرجعية الواقعيةوالصياغة الفنية (التملك الجمالي للواقع)، إعادة إنتاج الواقع فنياً وهي إحدى وظائفالأدب...‏

التجارب المعيشة تعطي المتخيل السردي مادة وفيرة وطازجة، يمكن أنتشكل عنصراً أولياً لمادة حكائية ناجحة وما على الكاتب إلا أن يؤمن التوليفة النصية (الخلطة الفنية) من محفّزات وتشويق لنقل الحكاية من مستوى الواقع إلى مراتب الفن،وهو التحدي الأبرز أمام القصة الفلسطينية (جدلية المعيش والمتخيل)..‏

مانفع الأدب وما قيمته إذا لم يغير شيئاً ما بداخلنا.‏

تطرحالمجموعة على مستوى آخر سؤالاً ملحاً حول العلاقة بين زمن إنتاج النص، والظروف المرافقة لتلقيه، والتساوق والتشاكل بينهما، ونحن نعيش حالة نوعية من أشكالالمواجهة لرسم مستقبل المنطقة، وجوهر المشكلة هو القضية الفلسطينية وسبل حلها.‏

ما نشاهده يبلغ في هوله وغرائبيته قدرة المتخيل السردي على تصويره،إذ يبدو الواقع المعيش أشدّ تأثيراً في وجدان المتلقي من قدرة المتخيل على الفعل،وهنا على الفن القصصي أن يتجاوز ذاته وبناءه باستمرار ليرافق تطور الثقافاتالمعاصرة.‏

والسؤال كيف ستتم عملية تلقي المجموعة وخطابها الواقعي والمتخيل فيظروف أخرى؟..‏

زمنتلقي المجموعة على حذر شديد في إطلاق الأحكام، وما يرافقه يقلل من الأهمية الفنيةلبعض قصصها لأن القصة الناجحة هي التي نكون بعدها غير ما كنا عليه قبل فعلالقراءة... والمشكلة هنا ليست فنية تقنية، وإنما تتعلق بمسألة تعايش أنماط وأشكالالرسالة، وطرق وأساليب بثها (ثقافة الصورة وسرعة انتشار الخبر) على أساس أن كل أدبيحمل رسالة تصدر عن مرسل موجهة إلى متلقٍ يفك شيفرتها، وعليه تتم العملية التواصليةفي تفاعل الأطراف الثلاثة.‏

الحقائق التي يعرفها الناس لا تثير اهتمامهم عندما تطل عليهم بقناعالرمزية والتخييل، كل ما يثيره فيهم هو حس الملل..‏

العربي اليوم ليس بحاجة إلى قصص تثير مشاعره، فكل ما يحيط به كفيلبتهييج هذه المشاعر، المهم هو تبئير المشاعر وتوجيه الأحاسيس، فإذا كان سؤال الأدبالفلسطيني في الستينيات: ما العمل وما هو الحل؟.. فكانت الصياغة الوجدانية فيالكفاح المسلح، لذلك برزت صورة الفدائي...‏

ترىماهي إشارة الجواب على السؤال نفسه: والمشكلة ذاتها مع تعقد الواقع وتشابك الأحداث وتداخل القوى والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية؟!‏

(الرائد لا يكذب أهله) إحدى مهام الأدب العربي والفلسطينيتحديداً... إنه المقاومة بكل أشكالها ثقافة المقاومة مفتاح الدخول إلى بئر الأرواحالمقاومة على اختلاف أشكالها وتعدد أدواتها وتنوع مرجعياتها النظرية والفكرية.‏

القصةالأولى في المجموعة (أربعة أيام حصار) تقوم على تنوع في استخدام الضمائر السردية، واللغة فيها من الحوامل النصية الأساس حيث يتداخل فيها استخدام المفردات الحديثة معالقديمة (حين يواصل موتي سكونه تضمني أكثر... يمتشق صدرها أسلحته) مواءمة بينالحاضر والماضي، المعيش والذاكرة (يحفر خندقه قريباً من قلبي، في هذه القصة تشعيرللسرد وفيض من الشاعرية مع تقطيع لحدث واستخدام فني للزمن، زمن الأحداث، وزمن السردفي جدلية الموت والولادة... ولادة العجل الشاقة تحت قصف المحتل وتهدم المنزل:‏

"فيجبهته قرص أبيض كأنه قمر يطل في عتمة ليل ليس له حدود»، انغلاق الأفق الفلسطيني... الابتعاد عن التبشير والتفاؤل الساذج.. توظيف للرمز وهجر لمجانية المباشرةوالتلقين".‏

"الرواق" التفاصيل الصغيرة في وصف المكان وهو حامل القضيةالفلسطينية، ذاكرة المكان، وهو هنا حامل الشهداء، وشاهد على التواصل وتعاقب الأجيالمن المقاتلين، إذا فُقد /المكان ـ الأرض/ فُقدتِ الذاكرة... والذاكرة بشكل فج هيمكان، والمكان ذاكرة.‏

درباسمن هذا الدرباس الجديد الذي اغتصب روح أبي عندما اغتصب منه بضعة أمتار من سور فناءالدار.‏

"الرواق" فيها خصوصية المقاومة الفلسطينية.... كثيرة هي الشعوب التيقاومت الاحتلال وهي قضية عامه، كيف تتجلى خصوصيتها، إنها الممارسة العملية، يتجلىذلك في ابتكار أشكال للمقاومة، والمقاومة ليست في القضايا الكبرى، إنها أيضاً فيالتفاصيل الصغيرة وهي التي تبقى للأجيال القادمة... النسقِ.. السائد وضع صورةالشهيد في الغرفة وتحتها البندقية... وحدها أم سعد الفلسطينية أعطت البندقية إلىصديق ابنها سعد ليتابع طريقه، خصوصية التجربة والاستفادة مما تحت أدبي، العادات،التقاليد، الأمثال، أنماط السلوك، طرائق التفكير، الشخصيات التراثية (قصة جميلة ـجميلة الجزائرية والخنساء التي فقدت أبناءها الأربعة) الحكايات والموروث الديني قصة (بئر الأرواح)... هي التي تعطي شعباً ما، وفناً ما خصوصيته، النسق الفلسطيني فيالبنية الكلية العربية.‏

"الغربان والخريف" عندما لا تفلح مقاومة الرجال، تقاوم الطبيعة،شجرة الجوز، الكائنات الحية، الطيور، الغربان تهاجم إيلات، تفعيل لأشكال المقاومةوأدواتها (قصة شجرة الليمون) خير مثال على ذلك.‏

تكادقصة "شاهدة دم" مع قصة "أربعة أيام حصار" تشكلان الذروة الفنية في المجموعة وهما علامتان بارزتان تؤكدان قدرة الكاتب على امتلاك مهارات وأساليب القص الفني، "شاهدةدم" فيها محافظة على المرجعية الواقعية (أو كما توهم بذلك) والأدب إيهام بالحقيقة،وفيها متخيل تجسد في عملية اللعب بالزمن، وكسر سيره الخطيّ باستخدام تقنيةالاسترجاع، وتعدد ضمائر السارد، وكذلك في التداعي، وتقصّد عدم الإبهار اللغويوالترميز المكثف.‏

والسؤال الأخير وليس آخراً في الفن... هل تستطيع القصة الفلسطينية (وهذا ليس فرزاً فطرياً أو تجزئة للقضية)... هل تستطيع التخلي عن فلسطينيتها وعنحوامل المقاومة والاضطهاد، ومفاهيم الحق والعدل والنصرُ والتضحية، أي المفاهيمالأخلاقية والسياسية، بمعنى آخر الاستناد إلى روافع القيم والأخلاق... هل تتحول إلىرمز إنساني عام؟ وهذا هو المخاض الصعب والعسير تحت القصف والتعذيب، فولادة العجلليس أمراً سهلاً، ولكنه ليس مستحيلاً...‏

عندماتتحول الكتابة عن أسرة فلسطينية، أو تجربة فلسطينية، إلى تجربة عامة، عندما يصبح الفلسطيني رمزاً للبؤس في العالم، ويرتفع عن طريق الفن بعد إخفاق السياسة الهمالفلسطيني إلى هاجس عالمي مقدّم بشكل فني عندما يمتلك الكاتب التقانة والمهارة، فيتقديم موضوعه... عندما يستبدل السياسي والأخلاقي بالفني، تصبح قصتنا أكثر تأثيراً.‏

أبطالالمجموعة، من أبناء الشعب، الجماهير البسيطة /صانعة الحياة/ إنهم أفرادٌ ليسوا خارجالجماعة، لأن من هو خارج الجماعة (على ما للقراءة من أهمية) هو خارج نفسه، هو لاشيء، فالفعل التاريخي لا يصنعه الفرد إلا بمقدار ما يكون جزءاً من جماعة، معالمحافظة على دور الفرد في صناعة التاريخ.‏

المجموعة بكامل قصصها... بناء تراكمي، يقوم على مبدأ التضايفالدلالي، المحور الأفقي فيه الأحداث اليومية، والعمودي عمق المأساة، والغوص فيأبعادها عن طريق تصوير حالات فردية تجسد الفاجعة الجماعية فإذا أضفنا المحورالتتابعي /الأفقي/ إلى المحور العمودي، تشكلت لدينا القيمة الدلالية النصيةللمجموعة التي لم توفق بعض قصصها في رسم النهاية /القفلة/: «هكذا نحتفل» «عشردقائق» النهاية التي تفجر النص، وتفتح أفق القراءة... فهناك بون شاسع بين النهايةالمنجزة التي تغلق النص، والنهاية المفتوحة التي تسمح للمتلقي في إعادة بناء القصة،وإنتاجها عن طريق التفاعل والتشارك في إنتاج الدلالة، فالكاتب هو الذي ينهي القصة،بينما القارئ يستخرج الدلالة، والقصص تتعدد دلالاتها بتعدّد قرائها.

*  "بئرالأرواح" ـ مجموعة قصصية للكاتب عدنان كنفاني ـ من إصدار مؤسسة فلسطين للثقافة، ضمنسلسلة القصص والروايات الفلسطينية.