البرزخ
البَرْزَخ ..
مصطفى مَــلَــحْ
1
أينَ نُدْفَنُ حينَ نَمُوتُ
وَكُلُّّ الحقولِ الَّتي بَقِيتْ
زُرِعَتْ بالجَماجِمِ .. والخوفِ ؟
كَيْفَ نُغَطّي ضَفائرَ زَوجاتنا
وتقاليدَ أطفالنا في اصْطِيادِ الفَراشِ
وَتَزْويقِ ظِلِّ الطّبيعةِ في حِصَّةِ الرَّسْمِ ؟
أينَ سنُدْفَنُ ؛
كُلُّ القُبورِ الَّتي حُفِرَتْ بأَظافِرِنا
مُلِئَتْ بالصُّراخِ .. وَزَيْتِ المَصانعِ .. والنَّارِ
والأعْظُمِ البشرِيّةِ .. والحقدِ !
كَيف نَمُوتُ ؟
وكيفَ تُعامَلُ أرواحُنا خارِجَ الجاذبِيَّةِ ؟
نحنُ بِالْكَادِ نَحْمِلُ ذاكِرَةً .
مَسَحَ الخوفُ لاوَعْيَنا الباطِنِيَّ ؛
تصيرُ النُّجومُ أقلَّ انْسِجاما وأكثرَ حزناً
يُمَزَّقُ ثوبُ السَّماءِ ، فَيَصْرُخُ كلُّ صبيٍّ
ويسألُ كلُّ فتىً :
أينَ نحنُ وماذا جَرى ؟
حِينَها نَسْمَعُ الرَّدَّ : أَنْتُمْ ضُيوفٌ بِجُغْرافِيا البَرْزَخِ !
2
جمَعُونا كَما يُجمَعُ الضَّوءُ يُولَجُ في الظّلِّ ؛
لا طبَقيّةَ لا مَيْزَ لا فرقَ بينَ العِبادِ ؛
اللُّصُوصُ ، القَراصِنةُ ، الشُّعراءُ ، الزُّنوجُ ، بنُو الأصفَرِ ،
الغُرَباءُ ، عَباقِرَةُ الفِكرِ ، أبْناءُ مازيغَ ، شَعْبُ الشَّمالِ ،
شُعوبُ الجنوبِ ، الرِّجالُ ، النِّساءُ ،
الخَوارِجُ ، قَومُ شُعَيْبٍ ، سَمَاسِرَةُ البَرْلمََـانِ ، العَمالِقةُ ،
الشِّيعةُ ، العَرَبُ ، العَجَمُ ، الـهِنْدُ والسِّنْدُ ،
وَالبَشَرِيّةُ قاطِبَةً :
ثَُمَّ لا مَيْزَ لا طبقِيّةَ ؛
كُلٌّ سَواسِيَةٌ مِثْلَ أَسْنَانِ الـمُشْطِ .. !
سَأَلُوني أَجَبْتُ :
َأنا مُصْطَفى بْنُ عَزيزَةَ بِنْتِ أبي هَاشِمٍ
مِنْ بُطُونِ قبَائلِ بَرْشِيدَ ، شَرْقَ الـهَواءِ
تَرَبَّيْتُ بَيْنَ النَّدَى وَمَوَاعِظِ جَدِّي ..
أَجَابَ المُؤَرِّخُ :
َنـحْنُ بُناةُ الحَضارةِ : بَدْءاً بِمِصْرَ القَديمَةِ ،
فَالبابِلِيّينَ ، فَالرُّومِ وَالفُرْسِ ،
فَحَضَارَةِ يَعْرُبَ بِنْتِ النَّخيلِ
وَبِنْتِ القَصيدةِ وَالتّينِ وَالأَحْصِنَهْ ..
أَجابَ المفكّرُ :
نَـحْنُ سَلاطينُ هَذَا الوُجودِ
نُصَنِّعُ في وَرْشَةِ العَقْلِ ما يَجْعَلُ الأَبَدِيّةَ أَكْثرَ نُوراً ..
مُروراً بِسُقْراطَ ثُـمَّ أَرِسْطُو
وُصُولاً إِلى وَمَضَاتِ الفَرابي وَرُوحِ ابْنِ رُشْدْ ..
.. وَأَجَبْتُ أَخيراً :
أَنا مُصْطَفَى بْنُ القَصيدَةِ ،
آخِرُ طِفلٍ يَقُودُ السَّفينةَ نَحْوَ الـمَسَارِ الصَّحيحِ ،
وُلِدْتُ بِمَقْرُبَةٍ مِنْ مَطارِ مُحَمّدٍ الخامِسِ ،
في صَبيحةِ يوْمٍ طَويلٍ ،
وَحينَ كَبُـرْتُ
فَقَدْتُ البَراءةَ في طَريقِ الـهَاويهْ ..
ثمَّ شِخْتُ فَمُتُّ
وَهاأَنذا المَيِّتُ الحَيَُ .. في البَرْزَخِ !
8 أبريل 2007