شمعتك الثالثة... والحلم بالعودة
شمعتك الثالثة... والحلم بالعودة
ميساء سلامة - وولف
يا أبي،
أُخاطبك بالكلمات، وتحجب عني دموعي وهجَ الكلمات.
وأعرف أنك لا تُحبني ضعيفة، أنت المثقف الكبير والقارئ الجَلود، وأنت من نمى وعيُنا في مكتبته في البيت، المكتبة التي شغلتك طويلاً ولم تشغلْك عنا.. بل كنت تغمرنا بالحنان، وكنت أنا أقطف حنانك لكوني "أميرتك المدللة".
تعلمتُ عليك يا أبي. وما زلتُ أتعلّم منك حتى في غيابك، فأكون صادقة مع الآخرين، واثقة مع ذاتي، دائمة الفطنة بأن الحياة موقف، والحياة كبرياء، ومفتاح الحياة من قبل ومن بعد: هو الوفاء.
فكيف أفيك، يا سيّد الوفاء، إلاّ بأن أكون استمراراً لصوتك، لصداك، لتعاليمك، لشخصك، لِطَيفك لا يزال يزورني في الليل، ولو بعد ثلاث سنوات على رحيلك الجسدي الذي كسرني يا أبي، يا حبيبي يا أبي، وتعلُّقي بك لم يضعف، ولم يتغيّر، فما أعظم حضورك في الغياب.
في ذكرى غيابك الثالثة، أضيء شمعة ثالثة من وحي روحك، لعلّ نورها يخفف عني عتمة حزني الموجع، الحزن الذي يغمرني بعدما كنت أنت تغمرني بمحبتك، بنقائك، بنصائحك التي ما زلت أسمعها وأعمل بموجبها حتى اليوم وحتى آخر يوم.
وكيف لا أكون كذلك، وأنا نشأت ميساءَك المدلّلة كأميرة، برغم كل ما كنت تسمعه من لوم حولك على فيض دلالك ودلع أميرتك الميساء.
كيف لا أكون كذلك، وأنا ما زلت أغمض عيني فأشم (ريحة حضورك)، وأحس بيديك تغمرانني باستمرار فأتمتم "بابا" وتجيبني بصوتك الهادئ: "يا عيوني، يا حبيبة بابا، البيت كله في كفّة، وأنت في كفة".
كيف لا أكون كذلك وأنا ما زلت أراك حاملاً في يدٍ كتاباً، وفي الأُخرى جهاز الراديو أو مجلة، كي لا يفر منك خبر أو مقال، وبقيت تقرأ حتى انطفأ في عينيك النور.
بابا، يا حبيبي،
ليتني أستطيع أن أستدين من العمر لحظة، لحظةً واحدة أسرقها من الزمن لأشم فيها (ريحتك).
ليتني أعود طفلة على ركبتيك لا تصل قدماي الأرض، أو تحملني خطوات ثم تقول لي: "يا أميرتي الغنوجة، صرتِ كبيرة يا بابا، تعبتُ يا حياتي". فأُجيبك: "عند العمود التالي أنزل" وتستمر العواميد وتستمر الطريق وأنا على ذراعك المباركة، وتعود الى البيت وأنا ما زلت على ذراعك.
واليوم...
اليوم أعود الى البيت وحدي، لا ذراعك معي ولا صدرك أستند إليه. ولا أنت في البيت تستقبلني بقلبك قبل ذراعيك فأنسى غربتي.
آه هذه الغربة يا أبي، وهي باتت غربتين: غربة عنك وغربتي عن بلادي.
غير أنني ما زلت أحلم. بك أحلم. بالعودة الى بيتنا أحلم، كي أجلس قبالة مقعدك، أسامر زهراتك الغاليات التي كنت تسقيها من روحك قبل الماء، وأنا اليوم أسقيها من دموع ذكراك لا بالماء.
أحلم بالعودة، يا بابا، فقط لأبوح لك بالشوق الذي يعصف بي، شوقي الى غمرة منك، شوقي الى قبلة أبوية منك، شوقي الى اشتياقي الدائم لجبينك العالي وقلبك الكبير.
أحلم بالعودة، لسبب واحد وحيد أوحد: أن أقول لك "بابا، يا حبيبي يا بابا، أنا ميساؤك الأميرة التي... تحبك حتى ينطفئ النبض في قلبها الذي يعرف أن يحب".
ميساء سلامة-وولف
برلين.