مصادفة عشقية

 

مصادفة عشقية

فلاديمير بوتنكو

ترجمة: وضاحيوسف الحلو

كان ذلك في بداية الخريف، وقد انطلقت السفينة "غونتشاروف" في مياه نهر الفولغا الكئيب. لقد حلّ البرد قبل الأوان وهبّت ريحٌ صرصر من شطآنه الشرقية التي علاها الصدأ نحو المجاري الرمادية لرحابه المتوحشة بعنف وبسرعة للقاء السفينة. تلك الريح جعلت العلم فوق صاري السفينة يصطفق، وقبعات الماشين وأثوابهم فوق سطحها ترفرف، والوجوه تتغضن، وراحت تلطم الاكمام واطراف الملابس. لاحق السفينة بلا هدف وبسأم، نورس وحيد. كنت تجده تارة يحلّق مائلاً على طرفي جناحيه المدببين حتى يبلغ الصاري، وطوراً ينأى مبتعداً كما لو كان لا يدري ماذا يفعل بنفسه في هذا القفر المتجسد بالنهر العظيم والسماء الرمادية الخريفية. وكانت السفينة خاوية تقريباً. ثمة رهط من الرجال تجمعوا على سطحها الاسفل بينما كان يسير على السطح الاعلى ثلاثة اشخاص، ذهاباً إياباً، والآخر راكب من الدرجة الاولى في نحو الثلاثين من العمر، كان حظي بالشهرة أخيراً، وراح يجذب الانتباه اليه بهيئته الجادة التي تنمّ إما عن كآبة وإما عن غضب. كان هذا الفتى كذلك فارع الطول، مفتول العضل وحتى محدودب الظهر نوعاً ما، مثل بعض الرجال الاشداء عادة. أنيق الملبس، وسيم الطلعة بصورة متميزة، كان الشاب يقوم بزيارات دورية لارجاء السفينة، وفي احدى المرات لاحت صاعدةً من طرف السلم المفضي الى السطح الاسفل للسفينة حيث الدرجة الثالثة، قبعة سوداء رخيصة، وظهر تحتها الوجه المعذب والمليح للمرأة التي تعرّف اليها مساء يوم أمس من طريق الصدفة. هبّ للقائها بخطوات عريضة ثم ظهرت على السطح بكامل قيافتها، فتوجهت نحوه ايضاً بمشية مرتبكة ومبتسمة الاسارير ايضاً، والرياح تدفعها ويدها النحيفة تتشبث بقبعتها، وقد تلفعت بمعطف خفيف تراءت أسفله ساقان هزيلتان.

قال بصوت عال ينم عن الرجولة متوجهاً نحوها:

-                   كيف كان نومك؟

ردّت بمرح متكلف:

-                   ممتازاً.


وأبقى يدها في يده الكبيرة ورنا الى عينيها بينما اسقبلت نظراته بجهد مشوب بالفرح. قال وهو يرفع الكلفة:

-                   لِمَ أسرفتِ في النوم يا ملاكي. الناس المحترمون يجلسون الآن وراء مائدة الافطار.

أجابت بجسارة:

-                   كنت أحلم طوال الوقت!

-                   بِمَ كنتِ تحلمين؟

-                   أمور كثيرة يحلم المرء بها

-                   أوه. حذار. هكذا يغرق الأطفال حين يستحمّون صيفاً.

قال ذلك ثم تابع:

-                   الأفضل ان نذهب لشرب الفودكا وتناول حساء السمك.

أجابت بغنج:

-                   الفودكا، الفودكا! يا لهذا البرد اللعين.

سارا بخطوات سريعة نحو مطعم الدرجة الاأولى. هي في المقدمة وهو وراءها متفحصاً إياها بشيء من النهم.

قال:

-                   لنشرب قدحاً آخر.

أجابت بلهجته ذاتها:

-                   حقاً، كفاية. الفودكا ممتازة.

قال:

-                   هل يمكن أن أعرف ما اسمك؟

-                   ذكرت بسرعة اسمها واسم أبيها.

-                   هل أنتِ عائدة الى البيت من مكان ما؟

-                   كنتُ عند شقيقتي!

-                   هل أنتِ متزوجة؟

-                   تزوجت لحماقتي في وقت مبكر جداً لكن المرء لا يلحق أن يتطلع حواليه حتى يجد العمر قد انقضى!

-                   لكن الوقت ما زال بعيداً لبلوغ هذا.

-                   للأسف، أنا لم أجرب أي شيء بعد في حياتي.

-                   لا يزال هناك متّسع من الوقت للتجربة.

-                   عندها هزّت رأسها بغتةً بسخرية:

-                   وأنا لم أجرّب!

-                   من هو زوجكِ؟ موظف؟


لوّحت بيدها:

-                   آه. رجل خيّر وطيّب جداً بيد انه شخص غير شيّق البتة، ويعمل سكرتيراً في إدارة السلطة المحلية عندنا في الإقليم.

أخرج علبة السجائر.

-                   أتريدين سيجارة؟

-                   جداً.

أخذت تدخن بلا مهارة لكن بجرأة ساحبةً الدخان بعمق كما تفعل النساء عادة. لنذهب الى مقصورتي. لنذهب. هنا الجو وخيم من كثرة دخان السجائر. تناولت قبعتها وهي تنفض شعرها. في الطريق احتضنها بينما رنت هي إليه بافتخار. في المقصورة شبه المعتمة، ومن أجل إرضائه، والاستفادة حتى النهاية من كل هذه السعادة غير المتوقعة التي وهبتها لها الأقدار مع هذا الرجل الوسيم والشهير، عاجلت فوراً الى فتح أزرار فستانها الذي سقط على الأرض وداسته، ولبثت واقفة ميساء القد، وعارية الكتفين والذراعين، وبسروال داخلي قصير أبيض فأذهلته بمظهرها كله.

سألته بهمس مثل صبية تماماً:

-                   هل أنزع كل شيء؟

-                   كل شيء. كل  شيء!

 غدت عارية تماماً. ثم مدّدها على الأريكة كالميتة، فرقدت مغمضة العينين، مزمومة الشفتين. عندئذ غمر وجهها الشاحب والفتي تماماً هدوءٌ حزين. حصل ما حصل، وقبيل حلول المساء رست السفينة في المرسى. وقفت الى جانبه هادئة ومرخية الأهداب. لثم يدها الباردة أما هي فأفلتت منه وأخذت تهرول من دون أن تلتفت لتغيب وسط الجموع.

Al%20Nahar.JPG