بحثاً عن المعاني والمَجازات والرموز الباطنة ... الرسَّام الياس ديب يقرأ «كفَّ» جبران خليل جبران

مهى سلطان قرأها 6
  

أقلامٌ كثيرة تناولتْ فنَّ جبران خليل جبران، بأبعاده الخيالية والرمزية والروحانية، غير أنَّ قراءة الفنان التشكيلي والباحث الأكاديمي "الياس ديب"، خاضتْ عميقاً في دراسة المعاني والمجازات والالتباسات التي تنطوي عليها الرموز الباطنة لليد المفتوحة التي تتوسطها عينٌ سحرية، فأفرد لها كتاباً شيقاً بالفرنسية في عنوان «الأداة السحرية: قراءات في كف جبران»، نقله إلى العربية نخلة فريفر (مكتبة صادر للنشر) مزيناً برسوم ملونة من أعمال جبران تحمل دراسات لعناصر التأليف الخطوطي الذي يفسر بيانياً حضور الكائن الإنساني والنظرات المضمرة وتقاطع حركات الأيدي والأذرع المقرونة بفكرة الأجنحة.

«بأي إلهام أوَّليٍّ يصوغ الفن أشكال طهره النبيلة؟ كيف يدرك جوهر الأحلام؟» أي امتلاء يعيد ارتباط اليد بالخالق؟ ضمن هذا المنظور من العلاقات يتيح لنا جبران مؤلَّف «اليد المفتوحة» فرصة كشف بعض أسرار تخطيطه الرمزي. فاليد المفتوحة هو عنوان لرسم معروض في متحف جبران في بْشرِّي (شمال لبنان) وهو أحد اثنين من الأعمال التي نُفِّذتْ بقلم رصاص بين مجموعة من اثني عشر عملاً ملوناً، أُنجزتْ ما بين 1918-1920، لتزيِّن كتابه الأشهر «النبي» الذي أصدرته دار منشورات كنوف في الولايات المتحدة الأميركية في العام 1921.

والرسم يمثل اليد الساهرة، وهي يد تتوسَّطها عينٌ مفتوحة. فمِن خلال سحر النظر نكتشف بين العين واليد ومحور الجسد الإفتراضي، العلاقات المضمرة التي تزدهر باستمرار في المدى التأمُّلي للكائن البشري. فالرابط بين هذه العناصر المختلفة لا يشكل سوى الثابتة الذهنية التي توجّه عين جبران ويده وفكره، ومن الأفضل القول إنه معدَّل الترابط الروحي الذي يحثُّ على الحركة ويطرح المتخيَّل إلى ما وراء المخيِّلة المادية، فيطلُّ هكذا على بُعدٍ ميتافيزيقي.

فالعمل هو الرابط بين الرؤية والفعل، وهذا الرسم المجازي وبحسب أحد العناوين الذي أعطي له يشكل بصيرة ترى ويداً تعمل، وإنما الأفضل القول على العكس «إنه يدٌ ترى وبصيرة تعمل». لذلك تمَّتْ القراءات وفق محاورَ عدَّة: المحور الألسني بالنسبة إلى القراءة الحروفية، المحور الزمني بالنسبة إلى القراءة الرمزية، المحور المنطقي بالنسبة إلى علوم العدد، المحور التاريخي بالنسبة إلى القراءة الميتولوجية، المحور المادي بالنسبة لألغاز الجسد والمحور الروحي بالنسبة إلى التحوُّلات التي تطرأ على المودَّة الحميمة.

في القراءة «الألفبائية»، يقول الياس ديب إن اليد والعين والله هي العناصر الأساسية لهذا الرسم. فاليد والقبضة والإنسانjoi2222222999877755.JPG بشراً ومبشراً ثم البشارة، هي تراكيب ليست بغريبة عن الفكر الطلسمي ولا عن الفكر الجدلي لجبران الناطق بالضاد، لأن المعادلة الصوتية لكلمة يد في اللغة العربية، تبدأ بحرف الياء وهو آخر الحروف الأبجدية في اللغة، ويُشتقُّ مِن كلمة "يد" فعلُ "يداوي" ويدل على إعطاء العلاج والعناية والسهر على المريض والشفاء والتَّعافي، من هنا تستتر سحرياً الأبعاد الشافية في تصوُّر اليد لدى الشرقيين. وجبران من خلال رسومه وكتاباته كان يترك يده الخاصة كي تفتكر العالم. وهنا تحضرنا قراءة كلمة الله بالعربية التي قدمها ماسينيون: «فالكلمة شبيهة باليد المفتوحة منظوراً إليها من اليمين إلى الشمال، بمعنى أن الألف تقابل الخنصر، واللاَّمان تُطابقان البنصر والوسطى، وثنية الإصبعين: السبابة والإبهام تمثل الهاء. من خلال هذه القراءة نجد في الأصابع الخمس صدىً إلهياً يمكن أن يقدِّم تفسيراً للمكوِّن الباطني لدى جبران.

يلقي الياس ديب الضوء على المؤثرات النفسية والفنية والثقافية التي طبعتْ إقامة جبران في باريس، بطابع الرمزية. فقد أتاح له اشتراكه في معرض الخريف في العام 1909، الفرصة كي يلتقي بعملاق الرمزية النحَّات "رودان" ويتبادل معه حديثاً وديّاً، مما جعله يقع تحت تأثيره، كما أعجب بكبار الرمزيين من الفنانين أمثال بوفيس دو شافان، وغوستاف مورو، واوجين كاريير، لكنه ظلَّ حائراً في وجه الأحداث التي صَنعتْ فنَّ القرن العشرين.

وبعد عودته إلى الولايات المتحدة الأميركية، أوجد جبران تلك العلاقة الترابطية بين جسد الإنسان وروح الطبيعة المتمثلة بوحدة العناصر. فالفن يُصنع باليدين - على حد تعبير هنري فوسيون، وهما أداة الإبداع، لكنهما كانتا في البدء وسيلة للمعرفة. هكذا جاءت رمزية جبران تعبيراً عن منطقه الصوريّ، متناغمة مع تأثره بكل من نيتشيه ووليم بليك، والأخير كان مثله شاعراً ورساماً.

ولعل من هذه القرابة أوجد جبران في خطابه الأدبي والتشكيلي عناصر التحليق في كائناته المُجنَّحة. فالأعضاء المُجنَّحة سمحتْ لشخوصه الرمزية بالتحرُّر من اهتماماتها الأرضية للفوز بمتوثبات النفس الخالصة. ويذكر هنري فوسيون، في مقالته «مديح اليد»: أن امتلاك العالم يقتضي نوعاً من حاسَّة لمس. فالنظر يجوب أرجاء الكون، لكن عمل اليد هو الذي يحدِّد باطن المدى ووجود الأشياء التي تشغله.

وفي قراءة تستند إلى علم العدد، يلاحظ المؤلف أن في الرسم أجنحةً تحوط اليد عددها سبعة، وهو عدد عزيز على قلبsdddddddds4444666.JPG جبران وذو قيمة رمزية، كما فسر ذلك لصديقته ماري هاسكل في خطابه لها يقول: «إنه العدد الذي اعتمده الفلكيون البابليون الذين لم يكونوا يعرفون من الكواكب سوى سبعة، وكانوا يقسمون مسار القمر على مراحل من سبعة أيام، من هنا أصل الأسبوع». وفي موضع آخر كان جبران يذكر العدد سبعة كدالة على الإلهي. ولا شك أن قراءة جبران للمتصوِّفة العرب، على وجه الخصوص أخوان الصَّفا، قد أثَّرتْ في تفكيره حول أصول الجمال وقواعده وحول رمزية الأعداد. ففي أساطير الشرق الشعبية تصنَّف اليد بين رموز العدد (خمسة). فالرقم خمسة يتكامل مع مجموعة من المعتقدات والممارسات التي تمتد من الفكر إلى الأفعال، فقيمته الوقائية معترفٌ بها في كامل أرض الإسلام، إنه رقم حسْن الطالع والحظ: يعوّل على خمس صلوات يومية وعلى خمسة أبواب مهمة في الحج، وعلى خمسة أنماط من الصيام.

فالأقدار الصالحة والطَّالحة قد تنكشف من خلال كفِّ اليد. وقراءة غضون اليد وثنياتها وتقاطعات الخطوط أو تشعُّباتها قد تَكشف بواسطة عين متكهِّنةَ قَدَر أي شخص انطلاقاً من طوبولوجيا يده اليمنى المفتوحة. وتأويل هذه الخطوط يحمل الكثير من الغنى. فخط الحياة الذي يحيط عادة بالإبهام حتى المعصم، يتراءى في «اليد المفتوحة» لجبران، في منطقة ظلٍّ تنكشَّف لتعلن العمر القصير لمؤلفها الذي مات في الثامنة والأربعين.

وفي وداعه الأخير لمحترفه أو صومعته، وقبل اصطحابه إلى مستشفى «سان فنسان» قال جبران: «ما زال أمام هاتين اليدين القيام بهذه الرسومات قبل أن تخرجا نهائياً من هنا». لقد وافته المنية في العاشر من نيسان (ابريل) 1931، في نيويورك وبه رغبةٌ دوَّنها في أحد دفاتره: سجِّلوا على قبري هذه الشاهدة: «أنا حيٌّ مثلُكَ. أنا أقف الآن إلى جنبكَ. أغمضْ عينيك وانظرْ، فتراني أمامَك».

sdddddddsdeert77.JPG