علِّموا الناس القراءة.. فإنها تخفّف من العزلة والوحدة

ياسين رفاعية قرأها 7
  

علِّمواالناس القراءة.. فإنها تخفّف من العزلة والوحدة

ياسين رفاعية

Yasin%20Rifaiya.jpg

 من يصدق أنني قرأت (هكذا تكلم زرادشت) لنيتشه وأنا في السادسة عشرة من عمري؟! استللته من مكتبة عمتي المتخرجة في دار المعلمات، والمثقفة الوحيدة في العائلة في خمسينيات القرن المنصرم.

سحرني الكتاب وأثر بي تأثيراً بالغاً، وانطبعت حياتي فيه حتى اليوم، ثم أعدت قراءته في الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين،وكانت الترجمتان عن الفرنسية واحدة وعن الانكليزية واحدة..

الترجمتان مختلفتان جزئياً الواحدة عن الثانية،وكنت قد شرعت في تجربتي الأولى في الكتابة فوجدت زرادشت مسيطراً على أفكاري.. ولعلني منذ ذلك الوقت اتجهت إلى دراسة الفلسفة، ليس في المدارس والجامعات بل في الكتب، فمنذ يفاعتي كنت (وحشاً) في القراءة، فاكتسبت الثقافة من هذه الكتب وليس من الجامعات،حتى بتُّ أستطيع مناقشة أي بروفسور جامعي في أي موضوع فلسفي وأغلُبه، كانت القراءة بالنسبة لي المعلم الأول،ومنها ذهبت إلى الكتابة،لا أقول إن التعليم الجامعي قاصر عن بثّ الثقافة في طلابه،لكنه غالبًا تعليم أكاديمي جامد، والطالب الجامعي يحفظ مادته دون أي انفعال بها، لأنه لا يقرأها كي يتثقف،بل كي ينجح في نيل الشهادة الجامعية ثم الركون والسكون في الحياة العامة، أعرف كثيراً من أساتذة الجامعات لا يقرؤون إلا المادة التي يدرِّسونها في الجامعة، وما إن يخرج الأستاذ من الجامعة لا يقرأ حتى الجريدة اليومية في أبسط الأحوال.

في الغرب القراءة عادة مكتسبة منذ الصغر، في البيت ثم في المدرسة والجامعة، الدولة بكل مؤسساتها تشجع على القراءة، في لندن مثلاً سبع عشرة ألف مكتبة، كل حي له مكتبته، ويستعير المواطن في كل أسبوع نحو ثلاثة كتب مجاناً ويعيدها بعد قراءتها ليستعير غيرها، هذا عدا الوقوف في (الطابور) عند صدور أي رواية لكاتب معروف، حيث تُباع النسخ بمئات الألوف، آخر رواية أصدرها سلمان رشدي باع منها مئة ألف نسخة من الأسبوع الأول، وهاهي روايته الجديدة تحصد مليون نسخة في الأسبوع الأول.

شعوب الغرب كلها تقرأ، بينما هناك سبعون مليون أمي في وطننا العربي معظمهم من النساء، وهذا رقم مخيف وخطير، في وطن وأمة أمرها الله أن تقرأ: (اقرأ) إذ كنتم خير أمة، أخرجت للناس الخ..‏

كان يمكن لأي بلد عربي أن يشجع على القراءة بوسائل عادية مثل نشر إعلانات مجانية عن الكتاب في محطات التلفزة أو الإذاعة أو الصحف، بل يمكن فرض القراءة كضريبة عبر طابع بريدي اسمه (طابع الكتاب) وتأسيس مكتبات عامة في كل حي أسوة بالدول المتحضرة.

في قطارات الأنفاق (المترو) في لندن وباريس ومدن الغرب الأخرى لا تجد (راكباً امرأة أو رجلاً إلا بيده) كتاب يقرأه بنهم.. القادمون من البلاد العربية والشرقية عموماً وحدهم ليس لهم في هذه القطارات سوى (البحلقة) في وجوه النساء و (البصبصة) على سيقانهن، غير أن هؤلاء لايعرنهن التفاتة، وربما ينظرن إليهم نظرة احتقارز

لاتنهض أمة إلا بالعلم والثقافة.. انظر.. أهم كتّاب الوطن العربي لم يتخرجوا في الجامعات بل في الحياة التي ثقفتهم وأعطتهم الخبرة والتجربة،أي القراءة زائدة عليها الموهبة،انظر مثلاً إلى »حنا مينه) الحلاق و»زكريا تامر) الحداد،و» محمد الماغوط) المشرد والعاطل عن العمل أسماؤهم على كل شفة ولسان،كان زكريا تامر يقول وهو جاري في الحي إنه يقرأ كل يوم كتاباً،ولم يكن يبالغ،فقد كان يناقش في كل موضوع ويتفوق.‏

ومن باب التواضع أقول إنني نشأت في (فرن) أبي ومن العمال الذين عشت معهم تعلمت الحياة وتعلمت الكبرياء والعزة والكرامة،وهؤلاء الذين ذكرتهم سابقاً وأمثالهم من كتاب وشعراء وفنانين يقطعون عن فمهم الخبز ليشتروا كتاباً،فإذا كان زكريا تامر مثلاً قرأ كل الأدب الروسي والأميركي والإنكليزي،وأنا على معرفة بذلك،وكنا ننصح بعضنا بقراءة هذا الكتاب أو ذاك.. بل كنا نتبادل الكتب ونقرأها ونتناقش حولها..‏

تلك كانت خميرتنا الأساسية قبل أن نصبح كتّاباً،ونحاول أن نبرع في الكتابة، وأظن مامن كاتب عربي يكتب قصة بمستوى قصة زكريا تامر، ولم يبرع روائي في سورية براعة حنا مينه، وحتى في مصر لم يبرز روائي بعظمة نجيب محفوظ الذي كان يكتب في المقاهي وعن الناس الفقراء والمشوهين والمساكين، هذه ثقافة الناس قبل ثقافة الجامعات ولعل بعضنا لا يعرف مثلاً أن معظم روايات حنا مينه ترجمت وأن نجيب محفوظ نفسه وعلى مسمع مني شخصياً رشحه لجائزة نوبل من بعده، وقد نشرت هذا الكلام في أكثر من مجلة وجريدة وأكرره مرة أخرى, حنا مينه أعلن بنفسه أنه الثاني بعد نجيب محفوظ، ولم يكتب كاتب عن البحر مثلما كتب حنا مينه، فهو كاتب البحر بامتياز مثلما محمد الماغوط كاتب التشرد بامتياز.

عام 2009 عام القراءة في العالم.. ماذا فعلنا نحن كي نجعل من القراءة حاجة غذائية فكرية كالخبز تماماً كحاجة غذائية عادية.. وهنا أسأل وزارة الثقافة واتحاد الكتاب والجامعات ودور النشر.. ماذا أعددنا لهذا العام كظاهرة ثقافية حضارية.

أنا أعرف أن هناك آلاف الكتب مدفونة في مستودعات اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة، ماذا سنفعل في هذه الكتب التي بعضها أكلها (العتّ), أو اهترأت دون أن نستفيد منها.. لتوزع مجاناً على طلبة الجامعات وطلاب المدارس الثانوية, وأنا متأكد أن هذه الكتب ستكون هدية ثمينة لهؤلاء. ونعرف جميعاً أن بلدنا بلد فقراء والكتاب في المحصلة شيء من الكماليات ليس في ميزانية هؤلاء مبلغ صغير لشراء كتاب.

تحدثت في مطلع هذه الأوتار أنني قرأت (هكذا تكلم زرادشت) وأنا فتى وشاب وما مللت منه, أخيراً صدرت ترجمة جديدة لهذا الكتاب العظيم ولكن هذه المرة عن الألمانية مباشرة.. لغة نيتشه (اليهودي العظيم)، فتمتعت به مجدداً بنفس المتعة التي قرأت فيها هذا الكتاب في شبابي لكن هذه المرة أكثر عمقاً وشمولية.

قلت إنه أثّر بي في شبابي فانعكس على كتابي.. جراح.. الذي صدر لي عام 1961 وعمري 25عاماً. وأسمح لنفسي هذه المرة أن أنقل من كتابي هذا بعض تأثيرات زرادشت علي:

ليست الدموعمعنى الألم.. هي معنى الارتياح، هي معنى التفتح، العذاب أن لا يقدر الإنسان على البكاء في حالة الألم. إن الإنسان عندما يتعذب ومن خلال كبريائه لا يستطيع أن يقول، حتى لأقرب الناس: أنا أتعذب، مبلغ الألم أننا لا نستطيع أحياناً الا أن نحتفظ بسرهالدفين في أعماقنا، قاسية ذراع القدر، تصفع بلا رحمة، ترشق الوجوه الطرية بالحجارة، تجرح، تخلع العقول، قاسية وجاحدة وهي ترسم في دربنا خطوط عمرنا القصير، عمرناالمجهول والجاهل، عمرنا الذي لا يتقن الحياة الا عندما يفقدها. والحياة لوحةالانسان يرسم فيها عذابه كرواية غالباً يتركها دون أن تتم، نحن على موعد ثابت لايتبدل ولا يتغير.. وهو أننا سننتهي شئنا أو أبينا، يبرز ضعفنا عندما يواجهنا الموتوجها لوجه، نخاف، نفزع، يرتسم الرعب في مآقينا. إننا محكومون بالإعدام منذ نولد، منذ تتفتح عيوننا على الحياة، الحياة سجننا، زنزانتنا الضيفة الخانقة، الواطئةالسقف، الديدبان الكبير، ثم نمضي من دون وداع.‏

هل هذا معقول أن أكتب مثل هذا الكلام وأنا في الخامسة والعشرين? في الحقيقة كنت صادقاً ومازلت.‏

واليوم إذ أعيد قراءة (هكذا تكلم زراد شت) من جديد بتلك الحلة الأنيقة والترجمة الجيدة أشعر أن لا شيء تغير.‏

ها هو نيتشهيقول على لسانزرادشت:

"إن من يبحث يمضي بدوره إلى الضياع بسهولة، وكل اعتزالخطيئة.. انظر الى ذلك الوجع ذاته إنما منشؤه ذاك الضمير هو أيضاً، وآخر بصيص منذلك الضمير لايزال يشتعل فوق لوعتك ،لكنك تريد المضي على درب لوعتك الذي هو دربكإلى ذاتك? أرني إذاً إن كنت حقيقياً بذلك وذا طاقة عليه (..) إلى اليوم مازلت تعانيمن اولئك الكثيرين، انت الواحد.. لكنك ستتعب في يوم ما من جراء وحدتك، في يوم ماسينثني كبرياؤك وستعيّر دواليب شجاعتك في يوما ما.. ستصرخ: (إنني وحيد). هناكأحاسيس تريد قتل المتوحد،إذاً ما لم تفلح في ذلك، فإنه سيكون عليها هي إذا أنتموت(..) وحيداً تمضي على طريقك إلى نفسك، عبرك أنت ذاتك وعبر شياطينك السبعة تمرطريقك.. أخيراً: لتمضي إلى عزلتك يا أخي.. إنني أحب ذاك الذي يريد أن يبدع ما يفوقمنزلته ويمضي هكذا الى حتفه..‏

هكذا تكلم زرادشت..

أيها السادة شجعوا على القراءة، إنها الطريقة الوحيدة للهروب من الوحدة والعزلة.

أوتار - صحيفة الثورة السورية