لبنان وسورية واستعادة العلاقات الدافئة
لبنان وسورية واستعادة العلاقات الدافئة
المحرر السياسي *
أحدث التوافق على تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية وإعلان أسمائها عشية سفر الرئيسين الأسد وسليمان إلى فرنسا للمشاركة في قمة الاتحاد من أجل المتوسط، انفراجاً في أجواء الاحتقان السائد وأصداء إيجابية في منطقة الشرق الأوسط. وعبّر زعماء عديدون عرب وأجانب والأمين العام للأمم المتحدة عن ارتياحهم لهذه الخطوة المهمة.
وساهمت هذه الخطوة والاتصال الهاتفي بين الرئيسين السوري واللبناني قبل إعلان التشكيلة، ومواصلة التشاور مع كل من قطر وفرنسا، في وضع اتفاق الدوحة موضع التطبيق المُرْضي للأطراف اللبنانية جميعها رئيس الجمهورية والموالاة والمعارضة.
وكانت سورية قد أكدت في أكثر من مناسبة أنها تدعم ما يتوافق عليه اللبنانيون، وأنها مع حلّ المسائل الداخلية اللبنانية بالحوار، دون أي تدخّل أو إملاءات، كما أنها مستعدة لمعالجة المسائل الثنائية بين سورية ولبنان عبر الحوار الأخوي وبما يخدم مصالح البلدين والشعبين.
وشكلت اللقاءات الثنائية والمشتركة التي جمعت الرئيسين السوري واللبناني في باريس على هامش أعمال القمة منعطفاً مهماً في مسيرة العلاقات بين الدولتين، إذ عقد الرئيسان مؤتمراً صحفياً مشتركاً عقب لقائهما الثنائي الثاني، عبّرا فيه عن رغبة صادقة في إعادة العلاقات إلى طبيعتها، وحلّ كل المسائل التي برزت في السنوات الثلاث السابقة بالحوار الأخوي، وعبّر الرئيس سليمان عن نيّته زيارة سورية في أقرب فرصة، كما أعلن الرئيس الأسد أنه سيوفد وزير الخارجية إلى بيروت لتوجيه دعوة رسمية إلى الرئيس سليمان.
وهذا التطور اللافت في حلحلة تعقيدات الأزمة اللبنانية، والمساهمة السورية الإيجابية في ذلك قبل مؤتمر القمة الذي تولت رئاسته وبعده، ومساهمة كل من قطر والسعودية ومصر في هذا الجهد، سيضع أمام الحكومة اللبنانية أرضية صلبة يمكن أن تبني عليها خطوات عملها. وإن اتفاق رئيسَي البلدين على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وإحياء المؤسسات والاتفاقات المشتركة بين البلدين، أزاح كل الشكوك، وألغى التقديرات الخاطئة التي رأت استحالة عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها ودفئها السابق.
وكان الرئيس سليمان قد أكد أن لبنان المستقر المزدهر مفيد لسورية، وأن العلاقات ستعود إلى طبيعتها مع سورية، وكلمة تطبيع لا مكان لها هنا. وأعلن أن لبنان سيستخدم الوسائل الدبلوماسية لتحرير مزارع شبعا وكفرشوبا، وإذا أخفقت، فسيلجأ في نهاية المطاف إلى الوسائل العسكرية. وهذه اللهجة الحازمة تتوافق مع لهجة سورية في موضوع تحرير الجولان، إذ أعلنت استعدادها لدخول مفاوضات مباشرة تضمن استعادة حقوقها، وأكدت أنها ستحرر الجولان بكل وسيلة ممكنة في حال تعثر عملية السلام.
وهذه النجاحات المتوالية تحققت بفضل مجموعة عوامل من بينها صمود المقاومة المستندة إلى دعم الشعب اللبناني، وإلى دعم أنصار الحرية عرباً وأجانب، وقدرتها على تحقيق نصرين كبيرين عام 2000 وعام ،2006 وبراعتها في إنجاز عمليات تبادل الأسرى، وآخرها عملية استعادة عميد الأسرى سمير القنطار ورفاقه وجثث شهداء المقاومة، التي قوبلت بارتياح كبير من الأطراف اللبنانية في الموالاة والمعارضة، إذ أظهرت المقاومة وأطياف المعارضة اللبنانية مصداقية في عدم تقديم تنازلات للعدو الإسرائيلي، واستعداداً لتقديم تنازلات للخصوم السياسيين في الداخل من أجل تحقيق التوافق وبناء الوحدة الوطنية، وطيّ ملف الأزمة ومآسيها، يضاف إلى ذلك جهود عربية وإقليمية ودولية متضافرة أمنت الوصول إلى هذه المحطة.
ونعتقد أن المناخات الإيجابية التي مهّدت لولادة الحكومة الجديدة، والآفاق التي فتحتها لقاءات باريس، تشكل دفعاً لإمكان استعادة لبنان عافيته وأمنه ودوره، وتمهد السبيل لوضع المهمات التي تضمّنها خطاب القسم، أو التي ستُضَمّن في البيان الوزاري موضع التطبيق، وتنحي جانباً أساليب التجاذب والشحن المذهبي والحوار المسلح، وتحفظ للمقاومة مكانتها ووهجها ودورها المساند للجيش اللبناني، عبر استراتيجية دفاعية تؤمن سيادة الوطن وحماية حدوده واسترجاع أراضيه المحتلة.
ونعتقد أن استعادة العلاقات الدافئة بين سورية ولبنان يخدم مصالح شعبي البلدين الشقيقين، ويؤسس لمرحلة واعدة لا في علاقات البلدين الثنائية فحسب، بل في العلاقات العربية العربية، وفي الأجواء الإقليمية أيضاً.
أما الذين راهنوا على عزل سورية وألّبوا عليها القريب والبعيد، فإن عليهم مراجعة تقديراتهم المتعجّلة واتهاماتهم الباطلة، لئلا يصيبهم سوءُ ما تمنّوه لسواهم.
صحيفة النور السورية
