بصيـص نـور

  

بصيـص نـور

فيكتور ديادكوف    

ترجمة: وضاح يوسف الحلو

ظلام داجٍ في ليلة دافئة من ليالي شهر آب، ولا تكاد ترى النجوم الخابية التي تومض في مكان ما من السماء المثقلة بالغيوم، وثمة طريق ناعمة في الحقول لا تسمع فيها نأمة بسبب الغبار الكثيف، وتنطلق فيها عربة تحمل راكبين في ريعان الشباب هما فتاة تنتمي الى أسرة من مالكي الأطيان الصغار وفتى طالب علم. في بعض الأحيان كان بصيص نور خفيف ينير الحصانين الخشنَي المظهر المندفعَين، بالعفرتين المنتصبتين الشعثاوين وعليهما عدة بسيطة، وقبعة، والفتى يرتدي قميصاً فضفاضاً متكشفاً الى الأمام. لقد حدث مساء أمس أن ثارت في القرية ضجة وصراخ ونباح جبان للكلاب، اذ حين كان الناس يجلسون في بيوتهم الى موائد العشاء، أقدم ذئب بجسارة عجيبة على نحر شاة، وكاد ان يفلت بها لو لم يهرع الرجال في الوقت المناسب حاملين الهراوات لدى سماع نباح الكلاب فانتزعوها منه نافقةً وممزقة البطن فيما كانت صبية تقهقه بعصبية وتشعل أعواد الثقاب وترميها في الظلام صائحةً بجذل:

-                   آه، أوه، انني أخاف الذئاب!

وكانت أعواد الثقاب تضيء وجه الفتى الطويل والخشن التقاطيع نوعا ما. أما الصبيّة فقد لفّت رأسها بمنديل أحمر على طريقة الأوكرانيات وكشفت فتحة الصدر لفستانها الشيت الأحمر عن جيدها البض المدوّر. وطفقت تتأرجح مع حركة العربة وتشعل أعواد الثقاب وترميها في الظلام كما لو انها لا تلاحظ كيف كان الطالب يحتضنها ويلثم جيدها تارة وخدّها طوراً، ويجدّ باحثاً عن ثغرها، أما هي فتبعده بمرفقها بينما هو يقول لها عن قصد وبصوتٍ عال وبلا كلفة بغْيةَ ألا يفقه السائق الجالس في مقعده مراده:

-                   أعطيني علبة الثقاب فلن يبقى لي ما أشعل به سجائري.

-                   حالاً، حالاً.

لكن عود الثقاب يشتعل مرةً أخرى ثم يومض النور بعيداً، وبعده يغشي القتام البصر بصورة أشدّ في العتمة الدافئة التي يبدو فيها ان العربة تتدحرج نحو الخلف. في نهاية المطاف استسلمت الفتاة مانحةً إياه قبلة طويلة من ثغرها. أوقف السائق العربة بحدّة وصاح:

-                   ذئاب!

غشي الأبصارَ وميض نور ساطع في مكان ناءٍ من جهة اليمين. كانت العربة تقف قبالة الغابة التي تراءت في النور الآتي من البعيد، وطفقت تترجرج أشجارها، وترجرجت الحقول كلها الممتدة أمامها في الارتعاشة الحمراء والقاتمة بسبب اللهيب المنطلق في عنان السماء، والذي بدا على رغم بعد المسافة كأنه يندلع في موضع يبعد حوالى ثلاثة كيلومترات فيضاء كل شيء بصورة أكثر توهّجا ورهبة ليصير الأفق أعلى فأعلى وأوسع فأوسع، ويتراءى وكأن وهجه سيلفح الوجوه والأيدي ويُرى على سواد الأرض سقف مبنى تحترق عوارضه الخشبية. ربضت تحت سور الغابة ثلاثة ذئاب ضخمة ذات لون رمادي مشوب بالحمرة، وكان يصدر عن عيونها بريق أخضر نافذ تارة وأحمر طوراً. بريق شفّاف وساطع مثل العصير الساخن. فجأةً اندفع الحصانان خبباً بعنف الى جهة اليسار نحو المزرعة، وهما يطلقان شخيراً صاخباً، وانقلب السائق الماسك بالأعنّة الى الوراء، أما العربة فمضت تضرب نتوءات الارض مقرقعةً مطقطقة.

في موضع ما عند المنحدر، انتصب الحصانان مرة أخرى على قوائمهما الخلفية، بيد ان الصبية هبّت وأفلحت في انتزاع الأعنّة من يدي السائق المبهوت، وعلى الفور سقطت باندفاع على مقعد السائق وجرحت خدّها بشيء حديدي ما. هكذا بقيت على مدى الحياة آثار ندبة خفيفة في طرف ثغرها، وحين تُسأل عن سببها تردّ بكل طيبة خاطر:

-                   لقد حدث هذا في الأيام الخوالي.

تستعيد ساعتئذ ذكرى أيام آب الجافة ولياليها الدامسة، وأعمال الدراسة، وأكوام التبن الفوّاح الطازج، والطالب غير الحليق الذقن الذي كانت تستلقي معه هناك في الأمسيات، وترنو الى الاقواس الساطعة – الخاطفة للنجوم الساطعة، وكانت تقول: لقد أفزعتنا الذئاب، وفقد السائق السيطرة على الحصانين، وكنت آنذاك متهورة، وطائشة فعمدت الى إيقافها.

كان الرجال الذين أحبّتهم في حياتها غير مرة يقولون: لا يوجد شيء أجمل من هذه الندبة الشبيهة بابتسامة رقيقة دائمة.

النهار