في ذكرى رحيل عاصي الرحباني: عزيزتي فيروز.. إنهم لا يسمعونك!

كمالا قاسم العتمة قرأها 7
 

في ذكرى رحيل عاصي الرحباني: عزيزتي فيروز.. إنهم لا يسمعونك!

كمالا قاسم العتمة

ليست فيروز أو الأخوان الرحباني بحاجة إلى مديح أو شرح لما قدموه من إبداع، وأي كلام يقال هو أقل بكثير مما قدموه للفن.. ولكن في ذكرى رحيل أحد هؤلاء الأعمدة الثلاثة الذين حملوا لواء التجديد لابد أن نذكر أن أي حالة إبداع لابدّ لها من تكامل حتى تظهر إلى الناس بأحسن صورة، فالصوت واللحن والكلمات كلها جانب واحد لا يمكن أن يظهر إلا إذا هُيِّئ له وسط ثقافي جيد يحتضن هذا الإبداع ويختصر عليه المسافات والوقت، لكي يظهر للناس ولكي يحقق تغييراً في مستوى الذوق الفني العام. وهذا ماحصل مع المبدعَين الأخوين رحباني والسيدة فيروز الذين ساعد على إظهار فنهم الراقي الجديد مدير الإذاعة المرحوم فؤاد قاسم، الذي كان يحب الأغنية القصيرة ويكره التكرار.. وهكذا استطاع هذا الثلاثي تحقيق أحلامهم وإبراز مواهبهم بوقت قصير ودون عناء يذكر. ومازالت أغانيهم إلى الآن هي الأغاني التي تُسمع كل يوم في الصباح ليبتدئ واحدنا بها نهاره منذ أن كنا صغاراً نحبو حتى أصبحنا كباراً نحبو. ومازلت أذكر كيف كانت هذه الأغاني تحرك المشاعر وتدمع العيون برقتها وحساسيتها لدرجة أن من يسمعها يحسّ بأن قلبه يفيض بالحب لكل الناس وللوطن، للشوارع للنحل لكروم العنب لخربشات الطفل للبيوت العتيقة، لكل شيء في الحياة وللحياة نفسها.. وبأنه لايستطيع أن يؤذي أحداً حتى ولو نملة..

وبعد رحيل عاصي بـ22 عاماً مازالت الإذاعات تقدم أغاني فيروز والأخوين رحباني كل يوم في الصباح، ولكن دون أن تفيض المشاعر أو يرق الإحساس. ليس لأنها فقدت صلاحيتها، ولكن لأنها أصبحت دواء يعالج أمراضاً ميئوساً من شفائها، لأناس تبلدت مشاعرهم وأصابها السرطان والزهايمر أو التوحد. أصبحت أغاني فيروز والأخوين رحباني وكأنها تقدّم في مشافي المجانين أو مراكز معالجة المتخلفين بين الجدران الأسمنتية والشبابيك الحديدية، لذلك لن يهمهم أن يغفوا على جسر اللوزية أو يسهروا لكي ينزل القمر فيقدموه لأحبتهم. ولن يتذكروا شادي ولن يتذكروا تلك القهوة التي تطل على المفرق، ولن يحسّوا بجمال لبنان الأخضر الحلو وهو يدمّر على أيدي الصهاينة والأميركان، ولن يكون هناك مشكلة في الأيادي السوداء التي أقتلعت أبواب البيوت في القدس وقتلت أصحابها. ولم تعد تعني أصوات الاستغاثة التي تصرخ في الضمائر للمتآمرين والمتخلفين والسارقين والقتلة أي معنى، لأنها أصبحت تذهب هباء في الفضاء البعيد.

عزيزي عاصي!

لم تعد كذبة الحارس الذي اخترع شخصية راجح كذبة بيضاء مضحكة تمر بسلام على الضيعة، لأن راجح تحول إلى شيطان بغيض دمر كل شيء جميل في العالم وقتل الضمائر. فعزَّ الفرح على القلوب، ولم يعد هناك أعراس في القرية ولا أيام حصاد ولا مواسم عز ولا بياع للخواتم ولا ناطورة للمفاتيح. ودُمِّر جسرالقمر وبقي العسكر في ثكناتهم ينتظرون عودة فخر الدين حتى يعودوا إلى بيوتهم حاملين قصيدة حب، فيقوموا بحماية ناس ليسوا من ورق.

عزيزتي فيروز!

برغم كل ذلك إلا أنك ستبقين تحملين القنديل في الليل الحالك السواد لمن يريد الاهتداء إليه. ولن تصلي في يوم من الأيام لتقولي (يعيش يعيش) لأي إنسان، لأنك فيروز حاملة إرث الرحابنة بصوتك، وحاملة الراية بفنك. ومن أراد النظر إليك يجب أن يرفع النظرات والرأس إلى أعلى.. لذلك ستبقين بعيدة عن الأيدي السوداء ولن يصل إليك إلا الملائكة لأن البشر على هذه الأرض وللأسف لايسمعونك!.

                                                                        Assi%20Rahbani-%202.JPG