قصيدة الطوفـان

مصطفى ملـَح قرأها 4
 

قصيدة الطُّوفَان

مصطفى مَلَح

 Mostafa%20Mallah.JPG

رَأَيْتُ دَماً ،

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟

* * * *

رَأَيْتُ مَدينَةً : حيْثُ الحِصَانُ تَجُرُّهُ العَرَبَةْ

وَحَيْثُ الحُبُّ مَذْبُوحٌ على حَجَرٍ قَديمْ ..

رَأَيْتُ الرَّأْسُ يُشْعِلُهُ بَيَاضُ الثَّلْجِ ،

قُلْتُ : مَضَى قِطَارُ العُمْرِ ،

وَانْدَفَنَتْ طُيُورُ طُفُولَتي تَحْتَ الغُبَارِ ..

سَأَلْتُ أَميرَةً : في أَيِّ عَصْرٍ نَحْنُ ؟

قَالَتْ : مَاتَ مَقْتُولاً أَبي عِنْدَ اغْتِيالِ الشَّمْسِ ،

عِنْدَ تَشَرُّدِ الرُّوحِ الغَريبَةِ فَوْقَ صَحْراءِ الجَحيمِ ..

سَأَلْتُها : أَبَكَيْتِ سَاعَةَ مَاتَ ؟

قَالَتْ : ماتَ كَالعُصْفُورِ في كَفِّي ،

كأَلْفِ حَديقَةٍ  ذَبُلَتْ ،

كَدُمْيَةِ طِفْلَةٍ يَغْتَالُها النِّسْيَانُ .

مَاتَ أَبي فَلَمْ يَتْرُكْ بِعَيْني أَدْمُعاً

لأَنُوحَ .. دَاخِلَ هَذِهِ الصَّحْراءْ .

واصَلَتْ : دَفَنُوهُ تَحْتَ المَاءِ ،

حَيْثُ يَذُوبُ كَالوَشْمِ القَديمِ عَلى الجَليدْ ..

رَأَيْتُ دَماً ،

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟

* * * *

رَاَيْتُ المَوْتَ يَحْفِرُ

فِضَّةَ الأَبَدِيَّةِ المُلْقَاةِ فَوْقَ الرَّمْلِ ، 

كَالجُثَّةْ ..

وَتَحْتَ الثَّلْجِ أَكْفَانٌ ،

وَفي قَلْبِ الطَّبيعَةِ بَسْمَةٌ سَوْدَاءُ

يَجْرَحُها الطَّيْرُ بِظِلِّهِ ..

وَرَأَيْتُ مَائِدَةً فَوْقَها وَرْدَةٌ مَخْنُوقَةٌ ،

هِيَ وَرْدَتي وَحْدي

أَنا المَوْعُودُ دَوْماً

بِالدُّمُوعِ أَبَاتُ أَحْلُبُها دَماً ..

هِيَ وَرْدَةٌ خَشَبِيَّةٌ مَزْرُوعَةٌ بَيْنَ القُبُورِ ؛

تَزْرَعُها امْرَأَةٌ عَجُوزٌ كُلَّ عيدٍ

حَيْثُ تَقْذِفُ فَوْقَها مِلْحاً

وَتَرْقُدُ تَحْتَها .. كَمَدينَةٍ مَحْرُوقَةٍ .

هِيَ وَرْدَتي : لَيْلٌ ،

شُقُوقٌ في المَشَاعِرِ ، عيدُ مِلادِ الرَّصَاصَةِ ،

مَقْتَلُ الأَشْجَارِ ، تَابُوتٌ ،

بَنَادِقُ في كِتَابِ الرَّسْمِ ،

كَهْفٌ في خَرائِطِ جُثَّتي ..

هِيَ وَرْدَتي :

هِيَ وَرْدَةُ الشَّاعِرِ المَرْمِيِّ في النَّارْ ..

رَأَيْتُ دَماً ،

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟

* * * *

سَأَلْتُ فَتىً يُخَطِّطُ لانْقِلابٍ ضِدَّ لاشَيْء ٍ !

مَتَى رَحَلُوا ؟

أَجَابَ : قُبَيْلَ مُنْتَصَفِ الخَسَارَةِ ؛

مَزَّقُوا كُتُبَ البَلاغَةِ وَالرِّثَاءِ

وَأَشْعَلُوا النِّيرانَ في صُوَرِ الزَّفَافِ ،

كَأَنَّهُمْ مَسَحُوا دَمَ المَاضي وَرائِحَةَ التُّراثِ ،

كَأَنَّهُمْ ، قَبْلَ الرَّحيلِ ، تَعَاهَدُوا

أَنْ يَدْفِنُوا زَيْتُونَةَ التَّاريخِ في النِّسْيَانِ ..

هُمْ قَوْمٌ قُسَاةٌ ، رُبَّما

وُلِدُوا هُنالِكَ : حَيْثُ أَعْشَاشُ الجَحيمِ

وَحَيْثُ تَنْمُو صَرْخَةٌ في فُوهَةِ البُرْكَانْ .

سَأَلْتُ مُجَدَّداً :

هَلْ يَرْجِعُونَ إِذا أَنا أَشْعَلْتُ قِنْديلاً لَهُمْ

وَقَصيدَةً لِنِسَائِهِمْ ؟ هَلْ يَرْجِعُونَ ؟

أَجابَ في يَأْسٍ يُعَاتِبُني :

لَقَدْ مَاتُوا !

* * * *

وَفي الغَدِ أَقْبَلَ الطُّوفَانُ ،

فَاضَ الكَأْسُ فَاضَ العُمْرُ ..

في الغَدِ قُطِّعَ الحَبْلُ الذّي رُبِطَتْ بِهِ الدُّنْيا ،

فَزُلْزِلَ حِينَها جَسَدي ،

رَأَيْتُ دَماً

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟