"حكايات دبي" لمحمد المرّ بالإنكليزية - سرد ٌيلدغ من دون أن يوجع

رلى راشد قرأها 4
 

"حكايات دبي" لمحمد المرّ بالإنكليزية
سردٌيلدغ من دون أن يوجع

رلى راشد

     Mohd%20Al%20Murr.jpg                                                      

يستزيد الكاتب والصحافي الإماراتي محمد المرّ من مؤونة لا تنضب. قوامها مجتمع عربي متقوقع انفتح على حداثة واطئة أتت كالزوبعة فارضةً التجانس معها وبسط الأذرع لتلقفها. لم يكن ثمة كلمة للتريث بغية تشريح ما جرى، وإنما دويّ وقرقعة رفدا قصص محمد المرّ القصيرة بإحساس عال من الهنيهوية. بين عامي 1982 و 1989 نشر المرّ، ابن دبي، إحدى عشرة مجموعة قصصية صدر بعضها في بيروت كمثل "حب من نوع آخر" و"صداقة" و"المفاجأة" و"نصيب"، وبعضها الآخر في مسقطه كمثل "شيء من الحنان" و"مكان في القلب" و"قرة العين" و"الصوت الناعم". هذه الأعمال شهدت لتطوره قاصّاً يتحيّن التهكم والفكاهة، بغية أن يلدغ من دون أن يوجع. أصبحت حكاياته أشبه بباحة للكباش حيث تتناتش الطبقات الاجتماعية والأعراق والجندر والسياسات مواقعَ القوة والوهن. خلال هذه السنة، نقل المترجم بيتر كلارك مختارات من تلك القصص القديمة نسبيا، الى الانكليزية (صدرت لدى "موتيفايت بابليشينغ") بعنوان "حكايات دبي". وإذا كان العنوان يتأخر عن الدلالة على الإطار العام لحكايات تدور رحاها في أنحاء الإمارات العربية المتحدة وخارجها، ولا سيما مدينة بومباي الهندية في قصص عدة، فإننا نتفهم بلا شك التبرير الاستقطابي الذي ينم عنه التركيز على دبي، باعتبارها واحة امتياز في منظار الغرب الذي تتوجه إليه أولا هذه القصص، بعدما مرّت بمصفاة لغة ثانية. يلتصق أحد مواطن الجمال في مختارات المر، التي ترجم ثلاثاً منها جاك بريدجز، بالمرونة في التجاسر. ذلك انها، وإن تجرأت على "الزكزكة" من خلال إثارة مواضيع دقيقة، فقد تحفظّت عن إطلاق العنان لقريحتها. يستولد المر المناقشة غير أنه لا يدنو من مكانة "الأمثولة الجدالية". هذا ما يتأكد من خلال ائتمان مختاراته القصصية على إبهام يتظهر في الخواتيم غالبا. لا يستجيب القاص الحبكة المثالية التي ترسو في ميناء النهايات الجلية، وإنما يستقدم مباغتات بنمط غي دو موباسان، وإن كانت أشد حبوراً وغبطة مما نجده لدى الفرنسي. يطفو هذا الإغضاء على سطح النص كأنه هنة، غير انه يجنّب القارئ الإبحار في مجرى أوحد. يقول أيضاً إن كل شخص حقيقي أو مخترع، ترابي أو أثيري، يستحق أن ينال قدرية متروكة في مهب الاحتمال. هذه خريطة طريق لقصص المر التي تجيء بالتناقض والتكثيف والمفارقة والاستعارة وشتى الأنماط التصويرية والنماذج المكررة. تموّه فحواها في نزاع داخلي يرسم حدوده في ظل شخصية محددة أو في صراعها مع سواها، حتى الوصول الى ردّ يرتكز إجمالاً، على العاطفة. هناك رياء اجتماعي وتضامن أسري أو غياب له، ورصد لموقع المقتنيات ولمرتبة النساء في الهرمية العائلية، وتغلّب على الوهن الجسدي وصراع على التبرؤ من الهويات ضمن الثنائي، أو احتفاظ بها، ورباط زوجي على محكّ الخبث المرصوف جملا "عسليّة" أو صمتاً قاطعاً. كلها محاور تجعل هذه المختارات في برهة ما قصصا إثنية، وإن لم يمرّ الخروج على الخلفيات الموروثة من خلال وثبة جغرافية. تقنيا، يوظف المر ما يزيد على وجهة نظر واحدة على صعيد الرواة.

هو حينا كاتبٌ عالِم يومض على نحو خاطف في السرد كما يحصل في "ملذات الليل" (بحسب العنوان الانكليزي)، أو يستخدم نمطاً "مينيماليا" يتمحور على مقاطع سردية مقتضبة تنصهر في حوار عادي على شفا اللامعنى، خاوي المضمون أو المآل ظاهرياً، في حين يريد تعميق الفحوى التي يرمي اليها ويكون معيارها غالباً النواميس الاجتماعية. يطبع هذا التوجه مونولوغ الفتاة التي يقلّها جاسم المتزوج سعياً الى استدراجها الى شقة يتقاسمها مع شبان آخرين. في ثوان، تزقزق وتنتقل من تعليق عام الى أصغر صغائر اهتماماتها الذاتية، ومن الحديث عن الإصابة بالسرطان بسبب أكل الجزر، الى تأكيد أنها تكره السيارات الخضر وتهوى قراءة المجلات المصورة، قبل أن تصل الى القول ان خالتها التي تصغرها تزوجت منذ عامين.

في قصة "ست رسائل" اعتماد على شكل سردي آخر هو المراسلة. يستخدم المرّ الأنا المستترة، ويتحوّل كاتبا متكلما من خلف لثام شخصية محمد خليفة، فيطمئن كتابيا أخاه على تقدم علاج العم سليم الذي رافقه الى بومباي. الدقة التاريخية في تذييل أسفل كل رسالة (بين تشرين الأول 1970 وكانون الثاني1971 ) تجعل الفعل استثنائيا وتعبيرا في آن واحد عن المجتمع وأساساً له وشرطاً لوجوده. في "ست رسائل" تصير الحوادث الطبية اكتشافات سلبية وأنماط تمرد على ذاكرة الحقائق الأخرى، منها الاقتصادية والعائلية. نبرة "ست رسائل" كئيبة على تقشف درامي حتى لحظة الختام، حيث تتراءى كاستراحة، أو فاصل بين حياة وحياة. كل قصة من القصص الأربع والعشرين تامة بذاتها وفردية وتلبّي التطلّب السردي في الحد الأدنى من الصفحات. تحتل السلطة السردية الموقع الذي يحتله الفعل الذي ينوص أحيانا بغية الإفساح لكلام الشخصيات. الفسحة المتروكة لانبساط الأفكار على قدر من الندر. القصص مضغوطة على جمل فعلية، كتلك التي تفتتح قصة "بيبسي" حيث يدخل عبدالله من الباحة، تقف زوجته خارج المطبخ وتسقط الراديو الذي تحمله. في فلك هذا التواتر، تعتمد الترجمة الى الانكليزية خيار الكلمات البسيطة والانعطافات اللغوية العفوية، وهذا يجعل القصص القصيرة تكرج كأنها تأخذ الإسراع بالتخفف. مقصد المر تظهير ما يحوطه، فهو يشرحه من دون أن يبرره، وهو لا يتمحص بالمجتمع وإنما بالواقع الاجتماعي. تقلع بعض القصص عن مسلّمات نظرية تخربطها الشخصيات. لا يستنزف هذا الدفش نحو التخوم شكل القصة التقليدي، ولا ينتهي الى إنبات آخر ضدّيٍّ حيث تغيب فسحة الواقعية والحبكة والموضوع المركزي.

"حكايات دبي" تطبيع للنص مع ميزات شكلية داهمة لا تصير هدامة.

( roula.rached@annahar.com.lb)

                                                                   Al%20Nahar.JPG